أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون














المزيد.....

قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 16:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هل تساءلت يوماً كيف يمكن لأشخاص مسالمين بمفردهم أن يتحولوا إلى كتلة مندفعة وعنيفة بمجرد انخراطهم في حشد غاضب؟ وكيف تنجح خطبة سياسية أو حملة إعلانية في سلب الآلاف من قدرتهم على التفكير النقدي؟
في عام 1895م، أحدث الطبيب وعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون زلزالاً فكرياً حين أصدر كتابه الأشهر "سيكولوجية الجماهير". لم يكن هذا الكتاب مجرد دراسة عابرة، بل تحول إلى دليل عملي اقتبس منه زعماء وثوار ومفكرون طوال القرن العشرين. سر هذا التأثير الكاسح يكمن في بساطته؛ لقد وضع لوبون إصبعه على حقيقة كنا نشعر بها جميعاً ولا نجرؤ على تسميتها: الإنسان داخل الجماعة ليس هو نفس الإنسان خارجها.
لكن المثير للدهشة حقاً، هو أن هذه الاستنتاجات التي تطلبت عقوداً من البحث والرصد في دهاليز السلوك البشري، كانت تتلاقى بشكل مذهل مع ما أقره القرآن الكريم قبل قرون طويلة في تشخيصه للنفس البشرية وطبيعة المجتمعات.

سحر "الروح الجمعية": حين يذوب الفرد في القطيع
يرى لوبون في جوهر نظريته أن تجمع الناس في حشد كبير يُحدث تحولات جذرية في الشخصية، والسلوك، وحتى طريقة التفكير. يفقد الفرد داخل الحشد بوصلته الخاصة، ويتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية، ليذوب فيما أسماه لوبون "الروح الجمعية".

هذه الحالة السيكولوجية المعقدة لا تنشأ من فراغ، بل تتشكل عبر ثلاثة عناصر رئيسية:

1. قوة الغفلة (تلاشي المسؤولية الفردية)
حين ينخرط الفرد في حشد كبير، تمنحه الكثرة العددية شعوراً وهمياً بالقوة المُسكرة والمناعة ضد المحاسبة. هذه "القوة الغافلة" تفتح أبواب السلوكيات التي كان الفرد ليتحاشاها وهو وحده؛ لأن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تتوزع على الجميع حتى تتلاشى.

الرؤية القرآنية: يتصادم هذا الذوبان الجمعي تماماً مع المبدأ القرآني الصارم الذي يُعلي من شأن "المسؤولية الفردية". القرآن يُحذر الإنسان من الاختباء خلف الحشود، ويؤكد أن المحاسبة فردية خالصة، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. لا مجال للاعتذار بـ "كنت جزءاً من الجمع".

2. العدوى العاطفية (وباء المشاعر)
تنتقل المشاعر داخل الجماهير بسرعة تفوق انتقال الأوبئة. حماس فرد واحد قد يشعل الآلاف، وذعر في زاوية قد يزلزل ساحة بأكملها. هذه العدوى لا تمر عبر فلتر العقل، بل تلغي التفكير الفردي تماماً، وتنقل المشاعر المضللة بنفس قوة المشاعر الصادقة.

الرؤية القرآنية: حذر القرآن الكريم من الانقياد الأعمى للعواطف الجمعية الموروثة أو السائدة، واعتبر التبعية العاطفية للحشود دون تعقل (كَالإِمَّعَة) طريقاً للضلال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾. فالقرآن يدعو دائماً إلى التوقف واستخدام العقل، بعيداً عن صخب الجماعة.

3. القابلية للإيحاء (تنويم العقول)
يتحول الفرد في الحشد إلى ما يشبه المنوم مغناطيسياً؛ يقبل الادعاءات، ويتبع القائد دون أدنى مراجعة. هذا هو السر الذي يستخدمه كل صانع دعاية أو زعيم سياسي؛ فهم يدركون أن اختراق "العقل الجماعي" أسهل بكثير من إقناع "العقل الفردي المتيقظ".

الرؤية القرآنية: حث القرآن الفرد على "التبين" وعدم قبول الإيحاءات أو الشائعات التي تروجها الجماعات، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ليؤسس منهجاً نقدياً يحمي الفرد من الانسياق خلف إيحاءات الجماهير.

صناعة الأوهام: تقاطع لوبون مع الوحي
من أبرز استنتاجات لوبون، والتي أثارت عاصفة من الجدل، قوله الصريح:

"الجماهير لم تتعطش قط للحقيقة، بل تتحول بعيداً عمن يقدم لها الأدلة التي لا ترضيها، وتفضل تأليه الأوهام".

هذه العبارة تبدو وكأنها ترجمة حرفية للمعنى العميق الذي قرره القرآن الكريم في تشخيصه لموقف الأغلبية من الحقائق الساطعة. لقد وضح القرآن أن الجماهير غالباً ما تميل إلى ما يوافق أهواءها، مفضلة الظنون والأوهام على الحقائق الثابتة:

يقول تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.

ويقول مبيناً نفور الجماهير من الحق: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.

ما احتاجه لوبون لعقود من الرصد المخبري والتحليل الاجتماعي ليصوغه في نظرية، لخصه القرآن الكريم في آيات موجزة ومباشرة، ترسم خريطة دقيقة للنفس البشرية.

فخ الأغلبية: تحذير حضاري مشترك
لم يكتفِ غوستاف لوبون بوصف ظاهرة الجماهير، بل أطلق تحذيراً حضارياً بالغ الخطورة يخص "الديمقراطية الحديثة". لقد رأى أن منح الجماهير سلطة القرار قد لا يصب دائماً في صالح الحقيقة والعدالة؛ لأن الأغلبية التي تصوت ليست بالضرورة هي الفئة الأحكم، أو الأعلم، أو الأكثر إدراكاً للمصلحة العامة.

هنا يتجلى أعظم توافق بين علم الاجتماع الحديث والرؤية القرآنية. فالقرآن الكريم لم يجعل "الكثرة" أو "الأغلبية" في يوم من الأيام معياراً للصواب، بل على العكس، طالما حذر من الاغترار بالكثرة إذا كانت تفتقد للوعي:

يقول تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

ويقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

خلاصة القول؛ يقف كتاب غوستاف لوبون كمرآة عاكسة لما يعتمل في عقل الحشود، لكنه في الوقت ذاته يقف كشاهد إثبات على دقة الوصف القرآني للإنسان والمجتمع. إنها دعوة مفتوحة لنا جميعاً: أن نحتفظ بوعينا الفردي، وأن نقاوم إغراء الذوبان في القطيع، فالحق لا يُعرف بكثرة السائرين فيه، بل يُعرف بـ "التبين"، و"التعقل"، والمسؤولية الفردية التي سنقف بها أمام الله فرادى.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- الوقف السني يوجّه خطباء المساجد للإشادة بملف حصر السلاح
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلقة أبابيل الانقضاض ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا آليّة نميرا عند تلّة ا ...
- -قرى مسيحية في جنوبي لبنان: -صرنا محاصرين
- -الهيئة الصحية الإسلامية بلبنان-: 91 شهيدًا من طواقمنا جراء ...
- رحيل الشيخ وليد صيام.. إمام المسجد الأقصى ومربي الأجيال في ا ...
- وليد صيام.. إمام المسجد الأقصى الراحل
- قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي يصدر قراراً بالعفو ...
- إيهود باراك: نتنياهو أهدر فرصاً تاريخية في لبنان وسوريا وبقا ...
- -سيكون لي الشرف-.. ترامب يقول إنه منفتح على لقاء المرشد الأع ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون