ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 15:11
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تتناول هذه المقالة إشكالية منهجية جوهرية في الدراسات الإسلامية، وهي العلاقة بين النص القرآني والموروث من حيث الأولوية المعرفية والوظيفة التشريعية. انطلاقاً من مفهوم "هيمنة" القرآن على المصادر الأخرى بوصفها مبدأً قرآنياً صريحاً، تسعى المقالة إلى إثبات أن الفوضى العقدية والتشرذم المذهبي المعاصر ينبثقان جزئياً من خلل في ترتيب المرجعيات، وتقديم أقوال الرجال على محكمات الوحي. وتنتهي المقالة إلى أن استعادة القرآن مرجعيته العليا هو الممر الوحيد نحو وحدةٍ إسلامية حقيقية وإيمانٍ مكتسبٍ بالبرهان لا موروثٍ بالتقليد.
أولاً: الإيمان بين الوراثة والاكتساب
رصد القرآن الكريم ظاهرة التقليد الأعمى للموروث الديني، وعدّها حاجزاً يحول دون قبول الحق، إذ حكى عن المشركين قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23). والملاحظ أن هذا النص جاء توصيفاً لظاهرةٍ إنسانية متكررة عبر التاريخ، لا لحالةٍ بعينها، وهو ما يمنحه طابعاً منهجياً يتجاوز سياقه التاريخي المباشر.
في المقابل، يُرسي القرآن مبدأ الإيمان المكتسب بالبرهان لا الموروث بالتبعية، ويُجلّي هذا في مخاطبته المستمرة للعقل البشري بصيغٍ استفهامية استنكارية: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24). وتتضافر هذه الخطابات في بناء منظومة معرفية تجعل التحقيق والبرهان مناطَ الإيمان الصحيح، في مقابل التقليد الذي يُنتج ما يمكن تسميته بـ"التبعية الوراثية" في الدين.
والفارق الجوهري الذي يرسيه القرآن ليس الدعوة إلى قطيعة مع التراث، بل إلى "التجديد المعرفي" الذي يُميّز بين تبنّي فكرة لأنها حق موافق للوحي، وتبنّيها لأن السلف كانوا عليها. وهذا ما يُعبّر عنه القرآن بقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).
ثانياً: معايير التمييز في ضوء القرآن
تقوم المقالة على ثلاثة معايير معرفية يُرسيها القرآن لتمييز الحق من الزيف:
أ- الهيمنة القرآنية: قرّر الله تعالى أن القرآن مهيمنٌ على ما قبله من الكتب: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: 48). وهذه الهيمنة وظيفةٌ منهجية تعني أن القرآن المقياسُ الذي تُعرض عليه المرويات والتفسيرات؛ وقد أكّد هذا المبدأ ما يُنقل عن النبي ﷺ من الحثّ على عرض الأحاديث على القرآن وردّ ما خالفه. وقد أعلن القرآن عن شمول بيانه إذ قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89).
ب- العقل ميزاناً لا حجاباً: يُفرّق القرآن بين ما هو غيبٌ محض تتوقّف معرفته على الوحي، وبين ما يُعرض على العقل فيتناقض مع بداهته السليمة. فالأول يُقبل استناداً إلى ثبوت مصدره، والثاني يُوقف عنده ويُعاد فحصه. وقد وصف القرآن آياتِ الكون والأنفس بوصفها طريقاً إلى الحق: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصّلت: 53).
ج- الفطرة حَكَماً أخلاقياً: أودع الله في الإنسان "بوصلةً داخلية" تنفر بطبعها من الظلم والإكراه، وقد وثّق القرآن هذه البوصلة مرجعاً أخلاقياً: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم: 30). وأي مرويةٍ تستوجب تعطيل هذه الفطرة ينبغي إخضاعها للمراجعة النقدية.
ثالثاً: المرويات بين السند والمتن
تمثّل قضية نقد المتن الحديثي المحور الأكثر إثارةً في هذا البحث. فقد انصبّ جهد علماء الحديث تاريخياً على نقد السند، أي فحص سلاسل الرواة ودرجة ثقتهم، وهو جهدٌ علمي رفيع لا تنكره هذه الدراسة. غير أن نقد المتن، أي فحص مضمون الرواية ذاتها في ضوء القرآن والعقل والفطرة، لا يقل عنه أهميةً بل ربما يقدمه.
وهناك روايات (لسنا في صدد ذكر الروايات هنا ) تتعارض مع جملةٍ من الآيات المحكمة التي أرست حرية الاعتقاد أصلاً راسخاً: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256)، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99)، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 22). ومن المنظور المنهجي، لا يصحّ أن تنسخ رواية آحادٍ هذا الكم من الآيات المحكمة القاطعة. ويستوجب ذلك -على الأقل- إعادة النظر في دلالة الرواية وتفسيرها السياقي.
ومما يُعزّز ضرورة نقد المتن أن مرحلة التدوين الحديثي تزامنت مع صراعاتٍ سياسية حادة أضفت بعض المرويات طابع الاستثمار السياسي لتبرير القرارات الحاكمة، وهو ما لا يُنكره المحققون من كبار علماء الحديث أنفسهم.
رابعاً: القرآن والوحدة الإسلامية
أن التشرذم المذهبي المعاصر يرتكز في جزءٍ وافر منه على تقديم الموروث الفقهي والمذهبي على المشترك القرآني الجامع. وقد حذّر القرآن من هذا صراحةً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 159). وفي المقابل، يُمثّل القرآن النص الوحيد المجمَع عليه بين المسلمين على اختلاف مشاربهم، والنص الوحيد الذي تكفّل الله بصون سلامته: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
من ثَمّ، فإن طريق الوحدة لا يمرّ عبر توحيد المذاهب والروايات، بل يبدأ بالاحتكام إلى هذا المشترك الجامع، والاعتراف بأن كل ما لا يصمد أمام محكماته هو اجتهادٌ بشري قابلٌ للمراجعة.
واخيرا
أن إعادة ترتيب المرجعيات -بوضع القرآن في قمة الهرم المعرفي ثم ما يتوافق معه من مرويات- لا تعني إلغاء التراث أو الإسراف في التشكيك، بل تعني إقامة منهجية نقدية سليمة تستعيد الإسلام في صورته الأولى: رسالةً يسيرة قائمة على الرحمة والعدل وحرية الاعتقاد. ذلك أن المسلم المدعو إلى التدبّر والبرهان لا إلى التقليد الأعمى، هو وحده القادر على الانتقال من "التبعية الوراثية" إلى "الإيمان المكتسب"، ومن صدى الموروث إلى شاهدٍ فاعلٍ على عصره.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟