ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 21:17
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في عام 1641 ميلادية، جلس رجل فرنسي يُدعى رينيه ديكارت في غرفة دافئة بهولندا، وأشعل نارًا، وقرّر أن يهدم كل ما بناه عقله منذ طفولته. كتب في افتتاح تأملاته الفلسفية: «لقد أدركتُ منذ سنوات عديدة أنني قبلتُ في صغري كثيرًا من الآراء الخاطئة بوصفها صحيحة، وأن ما بنيته عليها بعد ذلك لا بد أن يكون مشكوكًا فيه تمامًا». ثم انطلق في مشروعه الكبير: الشك في كل شيء حتى يجد ما لا يمكن الشك فيه. ووصل في نهاية رحلته إلى جملته الشهيرة التي غيّرت تاريخ الفلسفة الغربية: Cogito ergo sum — «أنا أفكر إذن أنا موجود».
منذ ذلك اليوم صار ديكارت في كتب الفلسفة «أبا الفلسفة الحديثة»، وصار شكّه المنهجي مُنطلق كل نقاش جاد حول اليقين والمعرفة.
لكن — وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق التوقف عنده — ماذا لو كان رجل آخر قد سلك هذا الطريق قبل ديكارت بآلاف السنين؟ ليس في غرفة دافئة بهولندا، بل في الليل المفتوح تحت السماء. وليس بقلم يكتب تأملات فلسفية، بل بعين تراقب الكوكب حتى يأفل، والقمر حتى يغيب، والشمس حتى تغرب. ووصل لا إلى «أنا أفكر إذن أنا موجود» — بل إلى شيء أعمق وأوسع وأكثر إنسانيةً:
﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ — الأنعام: 79
هذا الرجل هو إبراهيم. وهذه الآية هي خاتمة واحدة من أكثر المشاهد المعرفية عمقًا في القرآن الكريم.
أولًا: الأرضية المشتركة — الشاكّان اللذان لا يُريدان الشك
قبل أن نُقارن بين منهجين علينا أن نُثبّت ما يجمعهما — لأن التشابه هنا حقيقي وعميق، وإغفاله يُفقد المقارنة قيمتها.
كلا الرجلين — إبراهيم وديكارت — كانا في مواجهة موروث لا يقبل النقاش. ديكارت ورث عن مدرسته اليسوعية منظومةً أرسطية كاملة تُقدَّم على أنها اليقين النهائي. وإبراهيم ورث عن بيئته منظومةً وثنية مكتملة يُقدَّم فيها الصنم على أنه الجواب الأخير عن كل سؤال.
وكلاهما رفض هذا الموروث نقطةَ انطلاق — ليس عداءً عمياء، بل لأن الموروث حين يُعرض على العقل يطلب تبريرًا لا يجده. ديكارت سأل: بأيّ دليل أُثبت أن ما تعلّمته صحيح؟ وإبراهيم سأل — والقرآن يُسجّل هذا السؤال بدقة بالغة:
﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ — الأنبياء: 52
«ما هذه؟» — سؤال يبدو بسيطًا لكنه في حقيقته مدمّر للمُسلَّمات. هو يُجبر العاكفين على أن يُلاحظوا ما لم يُلاحظوه من قبل لأنهم كانوا غارقين فيه. وهذا تمامًا ما فعله ديكارت حين أعلن أنه سيشكّ في كل شيء — أجبر المفكّرين على أن يتوقّفوا عند مُسلَّماتهم.
والأهم من ذلك: كلا الرجلين لم يُريدا الشك غايةً. الشك عندهما أداة تسير نحو اليقين، لا نهاية تستقر في الجهل. ديكارت شكّ ليجد ما لا يُشَكّ فيه. وإبراهيم — كما يُصرّح القرآن في لحظة نادرة من الصراحة المعرفية — كان يبحث عن ربّ، لا يُعلن لاأدريةً:
﴿ وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ — الأنعام: 75
الغاية صريحة: «وليكون من الموقنين». الشك وسيلة واليقين غاية — وهذا بالضبط ما يُميّز الشاكّ الجاد من الشاكّ العدمي.
ثانيًا: الاختلاف الجوهري — من أين تبدأ؟
هنا تبدأ المسافة بين المنهجين، وهي مسافة أعمق مما تبدو.
ديكارت حين يبحث عن نقطة اليقين الأولى يتجه إلى الداخل. يُعلّق كل شيء خارجه — الحواس، الذاكرة، الجسد، العالَم — ويبقى مع الأنا المفكّرة وحدها. ويصل إلى: «أنا أفكر إذن أنا موجود». الأنا هي المنطلق والمرجع.
إبراهيم يتجه إلى الخارج. لا يبدأ من «أنا أفكر» بل من «رأى كوكبًا»:
﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴾ — الأنعام: 76
الكوكب — الكون — هو مادة البحث. ثم القمر:
﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴾
— الأنعام: 77
ثم الشمس:
﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
— الأنعام: 78
المنهج: استقراء من الأصغر إلى الأكبر — كوكب، قمر، شمس. والمعيار الذي يُسقط كل فرضية ليس «أستطيع الشك فيها» كما عند ديكارت — بل «تأفل». الشيء الذي يغيب — ولو مؤقتًا — يخضع لقانون من خارجه. والذي يخضع لقانون من خارجه لا يملك الربوبية.
هذا معيار كوني موضوعي لا ذاتي. والفرق جوهري: الكوكب يأفل بصرف النظر عمّا يقوله أي أحد عنه. أما «أنا أفكر» عند ديكارت فهي تجربة ذاتية لا يستطيع أن يُثبتها لك إلا بأن تُصدّق تقريره عن نفسه.
ثالثًا: سؤال— أيّهما أثبت؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح في كل قاعة فلسفة.
نقد الكوجيتو الديكارتي ليس جديدًا — الفلاسفة أنفسهم نقدوه بجدية. كيف تشكّ في كل شيء ثم تُثبت الأنا بالأنا؟ هل الأنا مأمونة من الشيطان الماكر الذي افترضته؟ وإذا كان الشيطان الماكر قادرًا على خداع حواسك وذاكرتك وحساباتك الرياضية — فلماذا لا يخدع وعيك بأنك تفكر؟ هذا الخرق في المنهج الديكارتي لم يُسدَّ حتى اليوم.
أما إبراهيم فمعياره — الأفول — مبنيٌّ على ملاحظة كونية لا تعتمد على أمانة الذات تجاه نفسها. الشمس تأفل في وجه الجميع. ولا يحتاج أحد أن يُصدّق تقرير إبراهيم عن تجربته الشخصية — يكفي أن يرفع رأسه وينظر.
لكن — وهذا موضع الدقة الأعمق — إبراهيم لم يدّعِ أن العقل وحده يكفي للوصول. حين أفل القمر لم يقل «وصلتُ». قال:
﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴾
هذه الجملة لا يقولها عقل مغرور بيقينه — يقولها عقل يعرف حدوده. إبراهيم يُعمل عقله كاملًا، ثم يُقرّ بأن العقل وحده لا يُوصله إلى آخر المشوار. وهذا التواضع المعرفي ليس ضعفًا — هو الفهم العميق بأن الأداة الإنسانية مهما دقّت تظل محدودة.
ديكارت، على النقيض، بنى فلسفته كلها على افتراض ضمني أن الأنا المفكّرة يمكنها — بنفسها وحدها — أن تُثبت كل شيء بما فيه الله. هذا الغرور المعرفي هو تحديدًا ما جعل الكوجيتو نقطةَ انطلاق لإلحاد الأنوار لاحقًا — إذ ما إن يُثبَت أن الأنا قادرة على إنتاج اليقين بمفردها حتى يبدأ التساؤل: ولماذا نحتاج إلى الله إذن؟
رابعًا: إبراهيم والعقل الحديث — الجسر الذي لم يُبنَ بعد
لماذا يهمّ هذا الانسان اليوم؟
لأن المشكلة التي يعانيها كثير من الشباب المتعلم في علاقتهم بالإيمان هي بالضبط الإشكالية التي تكشفها هذه المقارنة. يُخبَر هذا الانسان — ضمنًا أو صريحًا — بأن العقل والإيمان في تعارض. أن العقل يشكّ والإيمان يُسلّم. أن من يسأل لا يؤمن. وهذه المعادلة الزائفة هي التي تُفقد أجيالًا علاقتها بدينها.
القرآن الكريم، في مشهد إبراهيم مع النجوم، يهدم هذه المعادلة من الجذر. يُقدّم الإيمان لا كتسليم عاطفي يسبق السؤال — بل كوصول عقلي يتجاوز حدود العقل. إبراهيم لم يؤمن رغم شكّه — آمن بعد أن أوصله شكّه إلى حيث لا يكفي الشك وحده. ولهذا قال القرآن بعد المشهد كله:
﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ — الأنعام: 83
«وتلك حُجّتنا» — القرآن يُسمّي ما فعله إبراهيم «حجّة». برهانًا. ليس تجربة صوفية خاصة لا تُنقَل ولا تُتحقق — بل حجّة قابلة للعرض والنقاش.
والإيمان المبنيّ على حجّة لا يتزعزع بمجرد أن يُطرح عليه سؤال — لأن السؤال هو من أوصله إلى هنا أصلًا.
خامسًا: ما الذي يأخذه هذا الانسان من هذه المقارنة؟
يأخذ ثلاثة دروس:
الأول: أن الشك ليس عدو الإيمان — بل قد يكون أنزه طرقه. الإيمان الذي لم يمرّ بالسؤال إيمان هشّ يتكسّر عند أول ريح. والإيمان الذي عبر من قلب الشك يقف راسخًا لأنه يعرف ما واجهه وكيف تجاوزه.
الثاني: أن الفلسفة الغربية ليست المرجع الوحيد لأسئلة الوجود الكبرى. قبل ديكارت بآلاف السنين كان ثمة منهج معرفي أعمق وأكثر تماسكًا — منهج يبدأ من الكون لا من الأنا، ويصل إلى اليقين دون أن يدّعي اكتفاء الذات. هذا المنهج محفوظ في القرآن الكريم لكل من يريد أن يقرأه بعقل حيّ.
الثالث: أن التواضع المعرفي — الإقرار بأن العقل لا يكفي وحده — ليس عجزًا يُخجَل منه. بل هو ما يُميّز إبراهيم عن ديكارت: الأول وصل إلى حدود عقله فمدّ يده نحو ما هو أبعد، والثاني توقّف عند يقين الأنا وادّعى أنه يكفي.
﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ — الشعراء: 76
هذا السؤال القرآني في سياق إبراهيم ليس سؤال من يرفض العقل — بل سؤال من يُطالب باستخدامه كاملًا. والفرق بين «استخدام العقل كاملًا» و«الاكتفاء بالعقل» هو بالضبط الفرق بين إبراهيم وديكارت.
يُشير ديكارت في «مقال في المنهج» إلى أن هدفه كان «الوصول إلى يقين صلب وثابت في العلوم». وكتب عمره كله لهذا الهدف وترك إرثًا فلسفيًا لا يُنكَر.
أما إبراهيم فحين وصل إلى يقينه لم يكتب كتابًا. بنى بيتًا — للناس جميعًا:
﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ — البقرة: 127
اليقين الذي يبقى في الكتب تاريخٌ فكري. واليقين الذي يُحوّل صاحبه إلى بنّاء — هذا هو الذي يصنع الأمم.
{(هذا المقال مستلّ من كتاب: «قصة التوحيد — إبراهيم الذي صار أمةً: قراءة في النسيج القرآني» لمؤلفه ثامر الزبيدي)}
#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟