أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية














المزيد.....

اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 14:40
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا يقدم القرآن الكريم الأخلاق بوصفها "كماليات" تزيّن وجه الحياة، بل بوصفها "قوانين فاعلة" تشبه قوانين الفيزياء. فكما أن الجاذبية تحفظ توازن الأجرام، فإن "اللين" هو قانون الجاذبية الذي يحفظ توازن المجتمعات.
في آية آل عمران (159)، نحن أمام "معادلة كيميائية" دقيقة؛ أطرافها: (الرحمة الإلهية)، (السلوك البشري)، و(النتيجة الاجتماعية). إنها تكشف أن "الحق" وحده لا يكفي لإقناع الناس، بل لا بد من "وعاء رحيم" يحمل هذا الحق، وإلا تحول الحق بفظاظة صاحبه إلى مادة للتنفير والشتات.
اللين.. من "المنحة" إلى "المنهج"
تبدأ الآية بتقرير حقيقة بنيوية: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}.
1. اللين بوصفه "اتصالاً سيادياً"
اللين هنا ليس نتاج تدريب على "الإتيكيت" أو مهارات التواصل، بل هو "فيض" ناتج عن امتلاء القلب بالرحمة الإلهية. الإنسان "اللين" هو إنسان استمد من "الرحيم" صفته، فأصبح وسيطاً للجمال الإلهي في الأرض. عندما يلين القائد أو المربي أو الأب، فهو يمارس وظيفة "ربانية" في الاحتواء.
2. خطر "الفظاظة" و"غلظة القلب"
{وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.
هنا يضع القرآن قانوناً اجتماعياً صارماً: "المنطق لا يهزم المشاعر". حتى لو كان القائد هو رسول الله (المؤيد بالوحي)، فإن "الفظاظة" (خشونة القول) و"غلظة القلب" (قسوة الشعور) كفيلتان بهدم المشروع بكامله.
• الانفضاض النفسي: الانفضاض لا يعني الهرب الجسدي فقط، بل هو "الانسحاب الوجداني". الإنسان الذي يُعامل بقسوة قد يبقى معك جسداً (بداعي الخوف أو الحاجة)، لكنه "ينفض" عنك روحاً، فتخسر ولاءه الحقيقي.
البنية الأخلاقية الثلاثية لإعادة تأهيل الإنسان
تأتي الآية في سياق ما بعد "أحد"، حيث وقع الخطأ والاضطراب. وهنا نجد القرآن لا يجلد المخطئ، بل يقدم منهجاً لـ "الترميم النفسي" عبر ثلاث دوائر متصاعدة:
1. دائرة العفو: {فَاعْفُ عَنْهُمْ} (تحرير الماضي)
العفو هو "تصفير" العداد النفسي. إنه قرار واعي بترك المؤاخذة وتجاوز مرارة الخطأ. العفو يحرر "القائد" من سموم الحقد، ويحرر "المخطئ" من قيود الشعور بالذنب التي قد تشله عن العمل مستقبلاً.
2. دائرة الاستغفار: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} (تزكية الغيب)
لا يقف القرآن عند العفو الظاهري، بل يطلب "الاستغفار" لهم. هذه الدرجة تحول العلاقة من "خصومة" إلى "شفقة". حين تستغفر لمن أخطأ في حقك، فأنت تعترف بضعفه البشري وتطلب له المدد الإلهي. الاستغفار هو "الضمانة" لسلامة الصدر وبقاء المحبة.
3. دائرة المشاورة: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (إعادة التمكين)
هذه هي الذروة الأخلاقية. قد يعفو الإنسان ويستغفر، لكنه قد "يقصي" المخطئ عن مركز القرار. لكن القرآن يأمر بـ "المشاورة"؛ أي إعادة المخطئ إلى "مربع الفعل" ومنحه الثقة مجدداً. المشاورة هنا هي "جبر للكسر المعنوي" واعتراف بأن الإنسان أكبر من خطئه.
التوازن بين "سيولة اللين" و"صلابة القرار"
لكي لا يُفهم اللين على أنه "رخاوة" أو "تردد"، تضع الآية الضابط الحازم: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}.
1. اللين في المشاعر، والحزم في المسار: اللين يكون في "التعامل" و"المشاورة"، لكن بمجرد نضج الرؤية والوصول إلى "العزم"، تنتهي مرحلة السيولة وتبدأ مرحلة التنفيذ.
2. التوكل كقوة دافعة: التوكل يمنع "القائد اللين" من الانهيار تحت ضغط المسؤولية. إنه يعلم أن اللين كان امتثالاً لأمر الله، وأن العزم هو أداء للأمانة، والنتائج بيد الله.
اللين كحارس للنزاهة (امتداد الآيات)
تنتقل الآيات اللاحقة للحديث عن "الغل" (الخيانة في الغنيمة أو المال): {وَمَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}.
هذا الربط يوحي بأن:
• اللين الصادق يمنع الظلم: الإنسان الذي يملك قلباً رحيماً لا يمكن أن يسرق حقوق الناس أو يظلمهم مادياً.
• الشفافية الأخلاقية: اللين في المعاملة يكتمل بالنزاهة في المال. فلا قيمة للسان لين يدس يده في جيوب الناس بالباطل.
الأثر السلوكي في بناء "الإنسان الكوني"
تطبيق هذه الآية يُخرج لنا نموذجاً إنسانياً يتجاوز أزمات الحداثة:
1. القدرة على الاحتواء: في زمن "الإقصاء" السريع، تمنحنا الآية قدرة على احتواء الآخر رغم اختلافه أو خطئه.
2. القيادة بالحب لا بالخوف: تثبت الآية أن القيادة المستدامة هي التي تُبنى على "الرحمة"، لأن الخوف يزول بزوال القوة، أما الحب فيبقى ببقاء الأثر.
3. التزكية والحكمة: تربط الآية (164) بين هذه الأخلاق وبين وظيفة "التزكية والحكمة". الحكمة هي وضع اللين في موضعه والعزم في موضعه، والتزكية هي تطهير النفس من غلظة القلب.
قوانين بناء الجماعة
إن آية آل عمران (159) تخبرنا أن:
• الأفكار العظيمة تموت إذا حملتها قلوب قاسية.
• الخطأ البشري ليس نهاية الطريق، بل هو فرصة لـ "ممارسة الرحمة".
• المشاورة ليست ترفاً ديمقراطياً، بل هي "احتياج نفسي" للمرؤوسين ليشعروا بكرامتهم.
بدون "اللين"، يتحول الدين إلى "أيديولوجيا جافة"، وتتحول الأسرة إلى "ثكنة عسكرية"، وتتحول السلطة إلى "أداة قهر". أما باللين، فإن "الصراط المستقيم" يصبح مساراً ممتعاً وجذاباً، يأوي إليه الناس بقلوبهم قبل أجسادهم.
________________________________________



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- الخارجية العراقية تعرب عن ترحيبها بالتوصل إلى مذكرة التفاهم ...
- الخارجية العراقية: نتقدم بالتهنئة إلى حكومتي جمهورية باكستان ...
- رابطة علماء اليمن: نبارك انتصار الجمهورية الإسلامية في إيران ...
- الإخوان والبرهان..الكتلة الإسلامية بوابة العودة لحكم السودان ...
- التربية الدينية إلكترونياً... هل بات امتحان -التوجيهي- أمام ...
- أمين مجلس الأمن القومي الإيراني: لبنان حياتنا ورد جند الإسلا ...
- بلفور يواصل مهمته.. مزاد في وسط لندن لبيع أراضٍ فلسطينية للي ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي قاليباف: العدوان الإسرائيلي على ضا ...
- من وحدة التنظيم إلى وحدة المشروع: خارطة طريق لتجاوز أزمات ال ...
- جدعون ليفي: -الإرهاب اليهودي- ليس إلا الوجه الحقيقي للاحتلال ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية