أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-















المزيد.....

شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 13:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يتوهم الإنسان المعاصر، متدثراً بعباءة التطور المادي والتكنولوجي، أنه قد أفلت من قبضة التاريخ، وأن حضارته تمتلك "حصانة استثنائية" تحميها من مصير الإمبراطوريات البائدة. لكن القرآن الكريم ينسف "وهم الاستثناء" هذا، كاشفاً عن شيفرة حتمية تحكم صعود الأمم وهبوطها، أطلق عليها مصطلح "سُنَّةِ الأوَّلِينَ".
إن هذا المفهوم ليس مجرد سردية وعظية تُتلى للترفيه، بل هو "قانون كوني صارم" ومعادلة اجتماعية ونفسية لا تتخلف. ولعل من أعظم تجليات الإعجاز القرآني أن هذه "الشيفرة" التي فككها النص الديني قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، تتقاطع اليوم وبشكل مذهل مع أحدث ما توصلت إليه علوم النفس والاجتماع في دراسة ديناميكيات الانهيار الحضاري.
سنغوص في هذا المقال لفك رموز هذه الشيفرة عبر استنطاق أربع محطات قرآنية، ناظرين إلى النص كنسيج واحد تتكامل فيه الأبعاد الروحية مع السنن الاجتماعية والنفسية.
المحطة الأولى: الإنذار المبكر وانحياز الوضع الطبيعي
تبدأ شيفرة الفناء بالتشكل من خلال تقديم فرصة أخيرة لتصحيح المسار، قبل تفعيل قانون الاستئصال. قال تعالى في سورة الأنفال (الآية 38):
﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.
الخطاب هنا يحمل غاية العدل؛ فالانهيار لا يقع فجأة، بل تسبقه إشارات إنذار. ولكن إذا اختار المجتمع العناد (وإن يعودوا)، فإن النص يحيلهم إلى الرصيد التاريخي المرعب: (فقد مضت سنت الأولين).
التقاطع العلمي:
يُفسر علماء النفس المعرفي تجاهل الأمم لهذه الإنذارات بما يُعرف بـ "انحياز الوضع الطبيعي" (Normalcy Bias). وهو تشوه معرفي يجعل الأفراد والمجتمعات يقللون من شأن التهديدات الوشيكة لأنهم يفترضون أن المستقبل سيسير بنفس وتيرة الماضي المألوف لديهم، غير مدركين أن السنن التاريخية إذا تفعلت فإنها تقلب الموازين. يحذر القرآن هنا من هذا الاسترخاء النفسي الخادع، مؤكداً أن السوابق التاريخية (سنة الأولين) هي المقياس الحقيقي، وليست اللحظة الراهنة المؤقتة.
المحطة الثانية: إكراه التكرار والعمى النفسي
ينتقل بنا القرآن في سورة الحجر (الآية 13) ليرصد حالة مستعصية من العمى النفسي الذي يصيب المجتمعات المتهالكة، قال تعالى:
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾.
السياق هنا يتحدث عن الاستهزاء بالرسل ورفض الحقائق الواضحة. التعبير بـ "خلت" يربط بين سلوك هؤلاء المكذبين وحتمية النهاية التي انقضت على من سبقهم. إنهم يستنسخون نفس الأخطاء بشقائها وغبائها.
التقاطع العلمي:
في علم التحليل النفسي، يطرح العالم النمساوي سيغموند فرويد (Sigmund Freud) مفهوم "إكراه التكرار" (Repetition Compulsion)، وهو دافع نفسي أعمى يجعل الفرد (أو المجتمع الجمعي) يكرر سلوكيات مدمرة للذات رغم وعيه الضمني بعواقبها، وكأنه مساق بقوة خفية نحو حتفه. وهذا بالضبط ما تلخصه الآية؛ فهم منغمسون في هذا الإكراه التكراري، مما يجعل تفعيل شيفرة الهلاك (سنة الأولين) أمراً حتمياً ونتيجة منطقية لعمى البصيرة.
المحطة الثالثة: متلازمة الغطرسة واستعجال الكارثة
يتصاعد المشهد في سورة الكهف (الآية 55) ليصور حالة من الشذوذ الفطري العجيب، حيث تبلغ المكابرة ذروتها، قال تعالى:
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾.
لقد جاءهم الهدى والحل لإنقاذ حضارتهم، لكنهم مصابون بمرض نفسي واجتماعي معقد يجعلهم في حالة انتظار سلبي، بل وطلب للعقاب. هم لا يقبلون التنازل عن كبريائهم إلا إذا سُحقوا بعذاب لا يبقي ولا يذر (إلا أن تأتيهم سنة الأولين).
التقاطع العلمي:
يشخص الطبيب والسياسي البريطاني ديفيد أوين (David Owen) هذه الحالة في علم النفس السياسي بـ "متلازمة الغطرسة" (Hubris Syndrome). حيث تصاب النخب وقادة الأمم بانفصال تام عن الواقع نتيجة القوة المفرطة، فتغيب عنهم العقلانية، وتتملكهم ثقة مفرطة تدفعهم لاتخاذ قرارات كارثية تجلب الدمار لأممهم. هذا الغرور المطلق هو الذي يمنعهم من الاستغفار (التراجع عن الخطأ)، ويدفعهم بتهور لاستعجال الاصطدام المدمر.
المحطة الرابعة: المعادلة الختامية والانتحار الحضاري
تكتمل شيفرة الفناء وتتضح معالمها الرياضية الصارمة في سورة فاطر (الآية 43)، حيث يندمج التاريخ والنفس والاجتماع في قانون واحد مطلق، قال تعالى:
﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.
هنا يقدم القرآن عملية تفكيك مذهلة لمقدمات الانهيار:
(الاستكبار + المكر السيئ = سنة الأولين/الانهيار).
ثم يرفع القرآن هذا القانون ليجعله قاعدة كونية لا تقبل المحاباة: (سنة الله) التي لا تتبدل ولا تتحول.
التقاطع العلمي:
هذه الآية العظيمة تختزل مجلدات في علم الاجتماع وفلسفة التاريخ. يقول الفيلسوف والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) في دراسته الموسوعية للحضارات: "الحضارات تموت انتحاراً، لا قتلاً". أي أن الانهيار يبدأ من الداخل بسبب التآكل الأخلاقي والروحي للنخب الحاكمة، وفشلها في الاستجابة للتحديات.
يتفق معه عالم الاجتماع المعاصر جاريد دايموند (Jared Diamond) في كتابه المرجعي "الانهيار" (Collapse)، حيث يؤكد أن المجتمعات تختار فشلها طوعاً عندما تعزل النخب (المستكبرون) أنفسهم عن عواقب أفعالهم، ويستمرون في استنزاف مقدرات المجتمع والمناورة (المكر السيئ) للحفاظ على مكاسبهم قصيرة الأجل، مما يؤدي حتماً إلى انهيار الهيكل الاجتماعي بأسره فوق رؤوسهم (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).
خاتمة: العقل أمام حتمية القانون
إن تتبع مفهوم "سُنَّةِ الأوَّلِينَ" في نسيج القرآن الكريم يكشف لنا عن منهجية علمية فائقة الدقة في قراءة التاريخ البشري. إنها تخبرنا أن سقوط الدول وتفكك المجتمعات ليس نتاجاً لحتمية مادية عمياء، ولا ضرباً من عشوائية الزمن، بل هو نتيجة طبيعية وخوارزمية دقيقة تتفعل متى ما اجتمعت شروطها من استكبار ومكر وعمى عن سنن الله.
إن التطابق المذهل بين التشخيص القرآني ومقررات علم النفس وعلم الاجتماع الحديث، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القرآن ليس كتاباً تاريخياً يسرد قصص الماضي، بل هو "دستور السنن" الذي يفصل قوانين الوجود. وما "سنة الأولين" إلا جرس إنذار كوني يقرع في كل زمان ومكان، ليذكر الإنسانية الغافلة بأن قوانين الله لا تُحابي أحداً، وأن من يكرر أخطاء الهالكين بوعي متبلد، لن يجد لسنة الله تبديلاً، ولن يجد لها تحويلاً.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- مجلس النواب في صنعاء: ندعو الدول والأنظمة العربية والإسلامية ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي محمدباقر قاليباف: انتهاك وقف إطلاق ...
- تصدعات داخل الحزب الديمقراطي: تقرير يكشف تنامي شعور -الاغترا ...
- حماس والجهاد الاسلامي تباركان الرد الإيراني على جرائم الاحتل ...
- اللواءحاتمي: نعلن مرة أخرى الجاهزية الكاملة لجيش جمهورية إي ...
- من مدريد.. بابا الفاتيكان يدعو إلى إنهاء الصراعات واحترام ال ...
- حرس الثورة الاسلامية: يمنع دخول أي نوع من السفن القتالية ال ...
- حرس الثورة الاسلامية يبدأ الرد على جرائم كيان الاحتلال
- المقاومة الإسلامية: استهدفنا بمحلقة أبابيل آلية اتصالات تاب ...
- إيهود باراك: احتلال جنوب لبنان لن يسقط حزب الله والرهان على ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-