أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية














المزيد.....

الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 12:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


اعتاد الدارسون على مقاربة القرآن من زوايا متعددة؛ فهناك من يقرأه بوصفه نصًا دينيًا يؤسس للعقيدة والعبادة، وهناك من يدرسه من منظور لغوي أو تاريخي أو فلسفي. غير أن زاوية أخرى ما زالت تحتاج إلى مزيد من البحث، وهي النظر إلى القرآن بوصفه نصًا يحمل رؤية متكاملة للاجتماع البشري، تتناول تشكل الجماعات، وإدارة الثروة، وآليات الضبط الاجتماعي، وأسباب صعود المجتمعات وانهيارها.
لا يعني هذا الطرح أن القرآن كتاب في علم الاجتماع بالمعنى الأكاديمي الحديث، كما لا يعني أنه يحتوي على النظريات السوسيولوجية المعاصرة بصيغتها العلمية المعروفة. لكن القراءة المتأنية للنص تكشف حضوره الكثيف في القضايا التي تشكل اليوم جوهر الاهتمام السوسيولوجي، من العدالة الاجتماعية إلى التغيير الحضاري، ومن بناء الجماعة إلى تفككها.
من اللافت أن القرآن لا يتعامل مع المجتمع بوصفه مجرد تجمع بشري، بل بوصفه بنية قائمة على مجموعة من العلاقات والتوازنات التي تؤثر بصورة مباشرة في استقراره أو اضطرابه. ولهذا تظهر قضايا الفقر والغنى والإنفاق والتكافل والسلطة والفساد بوصفها عناصر فاعلة في مصير الجماعة، وليست مجرد موضوعات أخلاقية منفصلة.
في هذا السياق تبرز الآية:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7).
يمكن النظر إلى هذه الآية باعتبارها تعبيرًا عن وعي مبكر بمشكلة تمركز الثروة داخل المجتمع. فالتركيز هنا لا ينصب على امتلاك الثروة بحد ذاته، بل على تحولها إلى دائرة مغلقة تتداولها فئة محدودة دون سائر الفئات الاجتماعية. ومن منظور سوسيولوجي، لا تقتصر آثار هذا التمركز على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى إعادة إنتاج النفوذ والسلطة والفرص داخل المجتمع.
لقد أظهرت كثير من الدراسات الاجتماعية الحديثة أن اتساع الفجوة الاقتصادية يؤدي غالبًا إلى تراجع الثقة الاجتماعية وازدياد التوترات الداخلية وضعف الإحساس بالمصير المشترك. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة النص القرآني باعتباره يربط بين توزيع الموارد وبين استقرار الجماعة واستمرارها.
لكن اهتمام القرآن بالمجتمع لا يتوقف عند البنية الاقتصادية. فالنص ينتقل إلى مستوى آخر أكثر عمقًا، يتعلق بالسؤال الذي شغل فلاسفة التاريخ وعلماء الاجتماع على السواء: لماذا تتغير المجتمعات؟ ولماذا تنهض أمم وتسقط أخرى؟
في هذا السياق تأتي الآية الشهيرة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
بغض النظر عن التفسيرات العقدية لهذه الآية، فإنها تقدم تصورًا لافتًا للعلاقة بين البنية الداخلية للمجتمع ومساره التاريخي. فالتغيير لا يُفهم هنا بوصفه نتيجة لعوامل خارجية فقط، بل بوصفه عملية تبدأ من داخل الجماعة نفسها، من منظومة القيم والتصورات وأنماط السلوك السائدة فيها.
وهذا التصور يقترب من كثير من الاتجاهات الحديثة التي تؤكد أهمية الثقافة الاجتماعية والوعي الجمعي في تفسير التحولات التاريخية، دون أن يعني ذلك التطابق بين الرؤية القرآنية وهذه الاتجاهات.
ومن هنا يمكن فهم الحضور المتكرر لقصص الأمم السابقة في القرآن. فالغاية الظاهرة ليست مجرد استحضار أحداث الماضي، بل البحث عن أنماط متكررة في حركة المجتمعات البشرية. فالقصص يتحول إلى أداة لاستخراج القوانين الاجتماعية التي تحكم العمران الإنساني.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك قوله تعالى:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ (القصص: 58).
وقوله:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).
يمكن قراءة هذه النصوص بوصفها محاولة لتفسير العلاقة بين الترف والفساد الاجتماعي. فالقرآن لا يربط الانهيار الحضاري بالفقر وحده أو بالقوة العسكرية للأعداء، بل يلفت الانتباه إلى دور النخب المترفة حين تنفصل مصالحها عن مصالح المجتمع الأوسع.
وتشير تجارب تاريخية عديدة إلى أن المجتمعات قد تمتلك من الثروة والقوة ما يجعلها تبدو مستقرة ظاهريًا، في حين تكون عوامل التآكل قد بدأت تعمل في داخلها نتيجة تفاقم اللامساواة وضعف التضامن الاجتماعي واحتكار النفوذ الاقتصادي والسياسي.
من هذه الزاوية تبدو فكرة "السنن" التي يكررها القرآن محاولة لفهم التاريخ باعتباره مجالًا تحكمه أنماط وقوانين يمكن ملاحظتها، لا سلسلة من الأحداث العشوائية المنفصلة. فالمجتمعات، بحسب هذا المنظور، تتحرك ضمن شبكة من العلاقات بين العدالة والقوة والقيم والسلطة، ويترتب على اختلال هذه العلاقات نتائج قابلة للتكرار عبر الأزمنة المختلفة.
إن قراءة القرآن قراءة سوسيولوجية لا تهدف إلى إثبات تفوق نص على نظرية، ولا إلى إخضاع النصوص الدينية لمعايير العلوم الاجتماعية الحديثة. وإنما تهدف إلى فتح حوار معرفي بين حقلين مختلفين؛ حقل النصوص المؤسسة للثقافة العربية والإسلامية، وحقل العلوم الاجتماعية المعاصرة.
وقد يكون من المفيد النظر إلى القرآن، في هذا السياق، باعتباره أحد النصوص الكبرى التي حاولت الإجابة عن الأسئلة الأساسية للاجتماع البشري: كيف تتماسك الجماعات؟ كيف تتوزع الثروة؟ كيف ينشأ الفساد؟ ولماذا تنهض الأمم أو تنهار؟
هذه الأسئلة لا تزال حاضرة بقوة في النقاشات السوسيولوجية المعاصرة، وهو ما يجعل العودة إلى النص القرآني من هذه الزاوية محاولة جديرة بالاهتمام، ليس من أجل استحضار الماضي، بل من أجل توسيع أفق التفكير في مشكلات المجتمع والإنسان والتاريخ.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- كاثوليك ضد الفاتيكان يتحدون البابا
- لبنان| الأمين العام لحركة التوحيد الشيخ بلال شعبان يزور العت ...
- رئيس -تكتل بعلبك الهرمل- د. الحاج حسن؛: الجمهورية الإسلامية ...
- بتهمة إثارة -النعرات الطائفية-.. الوقف السني يقاضي عصام حسين ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي محمدباقر قاليباف: سياساتنا قائمة ...
- رئيس مجلس الشورى الإسلامي قاليباف: يمكن لاجتماع اتحاد مجالس ...
- قاليباف في باكو للمشاركة في أعمال الدورة العشرين لاتحاد برلم ...
- موقع إخباري: مسيحيون عراقيون يطالبون بشراكة سياسية عادلة ودع ...
- ترامب صرخ بوجه نتنياهو وشتمه: الجميع يكرهونك واليهود سئموا م ...
- ترامب صرخ نتنياهو وشتمه: الجميع يكرهونك واليهود سئموا منك بم ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية