أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن - الرحلة الاولى - حين تحسّس العلماء الفيل في الظلام















المزيد.....

اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن - الرحلة الاولى - حين تحسّس العلماء الفيل في الظلام


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 20:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لماذا عجز علم النفس الحديث عن رؤية الإنسان كاملًا؟
منذ أن بدأ الإنسان يتأمل نفسه، ظل سؤال واحد يطارده أكثر من أي سؤال آخر: من أنا؟ وما الذي يصنع قراراتي ومشاعري وسلوكي؟ ورغم التقدم الهائل في العلوم الطبيعية، بقي هذا السؤال عصيًّا على الإجابة النهائية، لأن الإنسان ليس حجرًا يمكن وزنه، ولا تفاعلًا كيميائيًا يمكن تكراره في المختبر، بل عالمٌ تتداخل فيه الغريزة والفكرة، والذاكرة والوجدان، والجسد والقيم، والطموح والخوف.
وتحكي الثقافات القديمة قصة رمزية عن مجموعة من العميان أُدخلوا إلى غرفة مظلمة يقف فيها فيل. تحسس كل واحد منهم جزءًا من جسده، ثم خرج مقتنعًا بأنه أدرك حقيقة الفيل كاملة؛ فمن أمسك الخرطوم قال إنه أنبوب طويل، ومن لمس الأذن قال إنه مروحة، ومن وضع يده على الساق رآه عمودًا ضخمًا. لم يكن أحدهم كاذبًا، لكن كل واحد منهم أخطأ حين ظن أن الجزء هو الكل.
ولعل هذه الصورة تختصر، إلى حد بعيد، رحلة علم النفس الحديث. فكل مدرسة استطاعت أن تكشف جانبًا حقيقيًا من الإنسان، لكنها كثيرًا ما تعاملت مع ذلك الجانب باعتباره الحقيقة كلها.
حين ظهر علم النفس الحديث في أواخر القرن التاسع عشر، كان يحمل مشروعًا علميًا طموحًا يتمثل في دراسة الإنسان بالأدوات نفسها التي نجحت في دراسة الطبيعة. وقد كان ذلك إنجازًا كبيرًا؛ إذ انتقل البحث في النفس من التأملات الفلسفية المجردة إلى الملاحظة والتجربة. غير أن هذا التحول حمل معه قيدًا منهجيًا واضحًا، إذ اقتصر غالبًا على ما يمكن ملاحظته وقياسه، بينما بقيت الأسئلة المتعلقة بالغاية والمعنى والقيم وما وراء العالم المحسوس خارج دائرة البحث العلمي.
كان فرويد أول من فتح الباب واسعًا أمام العالم الداخلي للإنسان. فقد رفض تفسير السلوك من خلال الظاهر وحده، وأكد أن كثيرًا من قراراتنا تحركها دوافع لا نشعر بها مباشرة. وكان في ذلك إسهام لا يمكن إنكاره، لأنه أعاد الاعتبار إلى أعماق النفس بعد أن ظلت طويلًا مهملة.
لكن المشكلة لم تكن في اكتشاف اللاوعي، بل في تفسيره. فقد أرجع فرويد معظم البناء النفسي إلى الدوافع الجنسية والعدوانية، وفسر الدين بوصفه حاجة نفسية دفاعية، وجعل العلاج النفسي يهدف أساسًا إلى تحقيق قدر أكبر من التكيف مع الواقع. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يختزل الإنسان فعلًا في صراع غرائزه، أم أن في داخله أبعادًا أخرى لا تقل أصالة عن الغريزة؟
ثم جاءت المدرسة السلوكية لتتخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا. فإذا كان فرويد قد بالغ في الاهتمام بما يجري داخل النفس، فإن واطسون وسكينر ذهبا إلى الطرف المقابل، معلنين أن ما لا يمكن ملاحظته لا ينبغي أن يكون موضوعًا للعلم. وهكذا أصبح السلوك وحده هو مجال الدراسة، وأصبح الإنسان، في كثير من تطبيقات هذا الاتجاه، نتاجًا لتاريخه من المكافآت والعقوبات.
وقد أسهم هذا المنهج في فهم التعلم وتعديل السلوك، وما زالت تطبيقاته حاضرة في التربية والعلاج النفسي حتى اليوم. لكنه أثار سؤالًا آخر لا يقل أهمية: إذا كان الإنسان مجرد استجابة لبيئته، فأين موقع الإرادة؟ وكيف يمكن الحديث عن المسؤولية الأخلاقية أو الاختيار الحر؟
ومع المدرسة المعرفية عاد الاهتمام بالعالم الداخلي، ولكن من زاوية مختلفة. فلم يعد التركيز على الغرائز، ولا على السلوك الظاهر، بل على الأفكار التي يحملها الإنسان عن نفسه والعالم. وأصبح يُنظر إلى كثير من الاضطرابات النفسية بوصفها نتيجة لأنماط تفكير مضطربة يمكن مراجعتها وإعادة بنائها.
ويبدو هذا التحول خطوة متقدمة؛ لأنه يعترف بأن طريقة التفكير تؤثر مباشرة في المشاعر والسلوك. غير أن المعرفة بقيت، في الغالب، محصورة في حدود الخبرة الإنسانية، دون بحث في إمكان وجود مرجعية تتجاوز التجربة الفردية نفسها.
أما المدرسة الإنسانية، فقد حاولت أن تعيد للإنسان شيئًا من كرامته بعد أن أرهقته الحتميات السابقة. فرأى كارل روجرز وأبراهام ماسلو أن الإنسان لا يولد شريرًا بطبعه، بل يحمل استعدادًا للنمو وتحقيق إمكاناته، وأن مهمته ليست مجرد التكيف، بل الارتقاء بنفسه.
ولا شك أن هذا التصور أكثر تفاؤلًا من سابقاته، لكنه بدوره يثير سؤالًا آخر: إذا كان تحقيق الذات هو الغاية النهائية، فما المعيار الذي يحدد ماهية هذه الذات؟ وهل يكفي أن يحقق الإنسان رغباته ليكون قد بلغ كماله؟
وعند التأمل في هذه المدارس مجتمعة، يصعب إنكار أنها قدمت إسهامات عظيمة في فهم الإنسان وعلاج كثير من معاناته. لكن من اللافت أيضًا أن كل مدرسة انطلقت من افتراضات مختلفة، فوصلت إلى نتائج مختلفة، وكأن كل واحدة منها كانت تنظر إلى الإنسان من نافذة خاصة بها.
ولعل هذا هو السبب في استمرار الجدل بينها حتى اليوم. فالاختلاف لم يكن دائمًا في الوقائع، بل في الصورة الكلية التي تُفسَّر في ضوئها تلك الوقائع.
ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى القرآن، لا بوصفه كتابًا في علم النفس بالمفهوم الأكاديمي الحديث، بل بوصفه نصًا يجعل الإنسان محورًا لخطابه، ويتحدث عن دوافعه، واختياراته، وصراعاته، ومآلاته، بل ويقدم منظومة متكاملة من المصطلحات التي تصف بنيته الداخلية بدقة لافتة.
أن القرآن لا يكتفي بالحديث عن السلوك، ولا يقف عند الغريزة، ولا يحصر الإنسان في عملياته المعرفية، ولا يجعل تحقيق الذات غايته النهائية. إنه يقدم صورة أوسع، تتداخل فيها النفس، والقلب، والفؤاد، والروح، والعقل، واللب، والصدر، في بناء واحد لا يبدو أن أي مدرسة نفسية تناولته بهذه الصورة المتكاملة.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي ستتناوله المقالات القادمة: هل استخدم القرآن هذه الألفاظ على سبيل الترادف، أم أن كل لفظ منها يشير إلى وظيفة مختلفة داخل البنية الإنسانية؟ وإذا صحّ هذا الاحتمال، فقد نكون أمام خريطة للنفس لم تُقرأ بعد بالعمق الذي تستحقه.
واللافت أن هذا السؤال لم يحظ، في حدود اطلاعي، بالعناية التي يستحقها، لا في مدارس علم النفس الحديثة، ولا في معظم مباحث علم الكلام أو التفسير التقليدي. فقد انشغل علماء النفس بتفسير السلوك وآلياته، بينما انشغل كثير من المفسرين والمتكلمين بالمعاني العقدية والبلاغية والفقهية للآيات، دون أن يتحول التمايز بين مصطلحات مثل النفس والقلب والفؤاد والروح والصدر واللب إلى مشروع متكامل لبناء نظرية في النفس الإنسانية تنطلق من القرآن نفسه.
ومن هنا لا تنطلق هذه السلسلة من الرغبة في معارضة علم النفس الحديث أو مجادلة التراث، وإنما من محاولة إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يحمل القرآن، في بنائه اللغوي الدقيق، تصورًا متكاملًا للإنسان لم تُستثمر إمكاناته بعد بالقدر الذي يستحقه؟ ذلك هو السؤال الذي سنبدأ بتتبعه في رحلتنا القادمة



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في العراق: الحضور المليوني في تشييع الإما ...
- المقاومة الإسلامية في العراق: الشعب العراقي متمسك بخط المقاو ...
- مساعد بوتين يفجر مفاجأة عن خطة مشتركة لتصفية بن لادن تراجع ا ...
- مقاولو الفراغكيف يلتقي الإسلام السياسي ودعاة الانكفاء الأمي ...
- الاحتلال يقرر إبعاد مفتي فلسطين عن المسجد الأقصى عقب اعتقاله ...
- الغزو المغولي بعيون فتاة مسلمة.. لماذا يجب أن تشاهد -حياة سا ...
- العميد ابن الرضا: هذه الملحمة التاريخية شكّلت يوماً إلهياً ...
- العميد ابن الرضا: ستسخّر وزارة الدفاع جميع إمكاناتها للحفاظ ...
- بزشكيان: المشاركة المليونية جسدت وحدة الشعب والأمة الإسلامية ...
- العميد ابن الرضا: حضور الأمة الإسلامية في تشييع القائد الشهي ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن - الرحلة الاولى - حين تحسّس العلماء الفيل في الظلام