أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل الإنسان قبل أن يتحول إلى سلوك؟














المزيد.....

الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل الإنسان قبل أن يتحول إلى سلوك؟


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 20:41
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


انتهت رحلتنا السابقة بسؤال بدا بسيطًا، لكنه في الحقيقة هو من أكثر الأسئلة تعقيدًا: إذا كان الإنسان يحمل في داخله الطين والنفخة، والفطرة والعهد، فمن الذي يقود قراراته اليومية؟ ولماذا ينتصر في بعض المواقف لما يعلم أنه الحق، ثم يجد نفسه في مواقف أخرى يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا؟
هذه الأسئلة ليست جديدة. فقد حاول علم النفس الحديث تفسيرها من خلال اللاوعي، أو الصراعات الداخلية، أو التعلم، أو العمليات المعرفية. وكل تفسير منها كشف جانبًا من الحقيقة. لكن القرآن يسلك طريقًا مختلفًا؛ فهو لا يبدأ بالسلوك الظاهر، بل بما يسبقه، أي بالحركة الدقيقة التي تنشأ داخل النفس قبل أن تصبح كلمة أو فعلًا.
وإذا كان المقال السابق قد اقترح أن ألفاظ القرآن ليست مترادفات، فإننا نصل الآن إلى نتيجة أخرى لا تقل أهمية: النفس في القرآن ليست حالة ثابتة، بل كيان متحرك، يتغير باستمرار، ويمر بأطوار متعددة، وقد تجتمع هذه الأطوار كلها في الإنسان نفسه.
ولعل البداية تكمن في قوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾.
هذه الآية لا تصف إنسانًا صالحًا أو فاسدًا، بل تصف أصل التكوين. فالإنسان لا يولد شريرًا بطبيعته، ولا ملاكًا لا يعرف الخطأ، وإنما يولد وهو يحمل قابلية الاتجاه في كلا المسارين. ومن هنا تبدأ الحرية التي تحدثنا عنها في المقال السابق؛ إذ لا معنى للاختيار إذا لم تكن البدائل حاضرة في أصل التكوين.
لكن هذه القابلية لا تبقى ساكنة، بل تتحول إلى حركة داخلية مستمرة، يسميها القرآن الوسوسة.
وقد اعتاد كثيرون أن يربطوا الوسوسة بالشيطان وحده، بينما يقول القرآن: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾. فالوسوسة ليست دائمًا صوتًا يأتي من الخارج، بل قد تكون حديث النفس مع نفسها، وهي توازن بين رغباتها ومخاوفها وآمالها.
وهنا تبرز أهمية هذا التمييز؛ لأن الإنسان الذي يحمّل الشيطان وحده مسؤولية كل خواطره، قد يعفي نفسه من مسؤولية مراجعة داخله.
لكن الوسوسة، في ذاتها، ليست خطيئة. إنها مجرد احتمال. والخطر يبدأ عندما تتحول إلى مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا، هي التسويل.
والتسويل من أكثر الظواهر النفسية دقة في القرآن. فهو لا يدفع الإنسان إلى الخطأ مباشرة، بل يجعله يقتنع بأن الخطأ هو الصواب. ولذلك نقرأ على لسان يعقوب: ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا﴾، ونقرأ عن السامري: ﴿وكذلك سوّلت لي نفسي﴾.
إن أخطر ما في التسويل أنه يعطل جهاز المراجعة الداخلية. فبدل أن يشعر الإنسان بأنه أخطأ، يبدأ في بناء المبررات، حتى يغدو مقتنعًا بأنه لم يفعل إلا ما كان ينبغي أن يفعله.
ولو تأملنا كثيرًا من الصراعات الإنسانية، لاكتشفنا أن معظمها لا يبدأ بسوء النية، بل بتسويل جعل كل طرف يرى نفسه ممثلًا للحقيقة.
وإذا استمر هذا المسار دون مراجعة، يصل الإنسان إلى مرحلة تصفها زوجة العزيز بقولها: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾.
وهنا لا يعود الأمر مجرد خواطر أو تبريرات، بل يتحول الخطأ إلى عادة، والعادة إلى ميل، والميل إلى قوة تدفع صاحبها نحو السلوك دون مقاومة كبيرة.
لكن القرآن، في الوقت نفسه، لا يترك الإنسان أسيرًا لهذا المسار.
ففي مقابل النفس الأمارة، يقسم بالنفس اللوامة: ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾.
ومن اللافت أن اللوامة ليست نفسًا معصومة، بل نفسًا ما زالت قادرة على مراجعة نفسها. إنها ذلك الصوت الهادئ الذي يوقظ الإنسان بعد الخطأ، ويمنعه من التصالح معه.
ولعل وجود هذا الصوت هو ما يجعل التوبة ممكنة، والإصلاح ممكنًا، وبداية جديدة ممكنة.
ولا تتوقف الخريطة عند هذا الحد.
فالقرآن يتحدث عن الشح، لا باعتباره بخلًا ماليًا فقط، بل حالة نفسية ترى أن كل عطاء خسارة، وأن كل خير يصيب غيرها انتقاص منها. ويتحدث عن الحسد، الذي لا يتألم من الفقر بقدر ما يتألم من نعمة يراها عند غيره. ويتحدث عن الجدال، حين يصبح الهدف من الحوار حماية الصورة التي رسمها الإنسان عن نفسه، لا البحث عن الحقيقة.
وقد تبدو هذه الحالات متفرقة، لكنها في الحقيقة تكشف آليات مختلفة تعمل داخل النفس كلما واجهت الآخرين.
وهنا تظهر ملاحظة مهمة.
فالقرآن لا يتحدث عن "أنواع من الناس"، بقدر ما يتحدث عن "حالات داخل الإنسان". فقد يكون الإنسان في صباح يومه لوامًا، ثم يقع في تسويل، ثم ينتصر على نفسه، ثم تعاوده الوسوسة من جديد.
إنها حركة مستمرة، لا تصنيف جامد.
وربما تكمن أهمية هذه القراءة في أنها تنقلنا من إصدار الأحكام على الناس إلى مراقبة أنفسنا. فبدل أن نسأل: من هو الإنسان الأمّار؟ ومن هو الحاسد؟ يصبح السؤال: أيُّ هذه الأصوات يتحدث داخلي الآن؟
ومن هنا يبدو القرآن وكأنه يقدم خريطة للحركة النفسية أكثر من تقديمه قائمة بالأوصاف الأخلاقية. فهو لا يكتفي بوصف السلوك بعد وقوعه، بل يكشف المراحل التي يمر بها قبل أن يصبح واقعًا.
ولعل هذا ما يفسر قدرة النص القرآني على مخاطبة الإنسان في كل زمان؛ لأنه لا يصف مجتمعًا بعينه، بل يصف البنية الداخلية التي يشترك فيها البشر جميعًا.
لكن يبقى سؤال لم نجب عنه بعد.
إذا كانت النفس تمر بكل هذه الأطوار، فمن الذي يراقبها؟ ومن الذي يميز بين الوسوسة والتسويل؟ ومن الذي يستطيع أن يوقف هذا المسار قبل أن يتحول إلى فعل؟
هنا نصل إلى العقدة المركزية في هذا المشروع، والتي سنناقشها في رحلتنا القادمة: هل الفؤاد مجرد مرادف للقلب، أم أنه يمثل جهاز المراقبة والتحليل الذي يمنح الإنسان قدرته على الاختيار الحقيقي؟



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- مستشهدا بـ-الحروب الصليبية-.. شيخ الأزهر يرد على ارتباط جماع ...
- مستشار قائد الثورة علي أكبر ولايتي: الجمهورية الإسلامية الإ ...
- رسموا شعار -المخلص- وحشدوا أنصارهم.. تحذيرات من تصعيد جماعات ...
- الأمانة العامة للجامعة العربية تدين الدعوات التحريضية لاقتحا ...
- متحدث القوات المسلحة الإيرانية العميد شكارجي: كان العدو يعتق ...
- ما حقيقة القبض على الإخواني المصري الهارب محمود فتحي؟
- بيان صحفي صادر عن د. سلامه ابو زعيتر رئيس النقابة العامة للخ ...
- رسالة تعزية من قائد الثورة الإسلامية بوفاة والدة 3 من الشهدا ...
- محافظة القدس: مستوطنون يخطون شعارا لجماعات متطرفة داخل المسج ...
- أزمة شبان تهز الاتحاد المسيحي الألماني وتضع حكومة ميرتس أمام ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل الإنسان قبل أن يتحول إلى سلوك؟