أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن / الرحلة الثالثة / قبل أن تولد كيف يفسر القرآن أصل الصراع داخل الإنسان؟














المزيد.....

إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن / الرحلة الثالثة / قبل أن تولد كيف يفسر القرآن أصل الصراع داخل الإنسان؟


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 22:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في ختام رحلتنا السابقة انتهينا إلى سؤال بدا، للوهلة الأولى، لغويًا: هل استخدم القرآن ألفاظًا مثل النفس والقلب والفؤاد والروح على سبيل الترادف، أم أن كل لفظ منها يؤدي وظيفة مختلفة داخل البنية الإنسانية؟
لكن هذا السؤال لم يكن غاية في ذاته، بل كان مفتاحًا لسؤال أكبر: إذا كان القرآن يرسم بالفعل خريطة دقيقة للإنسان، فمن أين تبدأ هذه الخريطة؟ هل تبدأ من طفولته كما يقول علم النفس، أم من بيئته، أم من جيناته الوراثية؟ أم أن القرآن يقترح نقطة بداية مختلفة تمامًا؟
تكاد مدارس علم النفس، على اختلاف اتجاهاتها، تتفق على أن شخصية الإنسان تتشكل بعد ولادته؛ من الأسرة، والبيئة، والتجارب، والتعلم، والصدمات، والعلاقات الاجتماعية. وقد يختلفون في وزن كل عامل، لكنهم يشتركون في أن رحلة الإنسان تبدأ، علميًا، منذ وجوده في هذا العالم.
أما القرآن، فيدعونا إلى النظر من زاوية أخرى. فهو يوحي بأن فهم الإنسان لا يكتمل إذا بدأنا من لحظة الميلاد، لأن جذور شخصيته تمتد إلى ما قبل ذلك بكثير.
من هنا تبدأ قصة الإنسان في القرآن.
قبل أن يوجد آدم على الأرض، يرد إعلان إلهي يلفت الانتباه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. وتعترض الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. وليس اللافت في الآية وقوع الاعتراض، بل أن الجواب لم يكن نفيًا لاحتمال الإفساد، وإنما كان: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾.
وكأن القيمة التي مُنحت للإنسان لا تكمن في أنه معصوم من الخطأ، بل في أنه الكائن الذي مُنح حرية الاختيار، ومن ثم أصبح قادرًا على أن يسمو أو يهبط بإرادته. فالخلافة لا معنى لها من دون الحرية، كما أن المسؤولية لا تقوم إلا على الاختيار.
غير أن هذه الحرية وُضعت في كائن يحمل منذ البداية عنصرين متمايزين.
العنصر الأول هو الطين. وليس المقصود مجرد المادة التي خُلق منها الجسد، بل ما ترمز إليه من ثقل وارتباط بالأرض والحاجة إلى الطعام والشراب والبقاء والتكاثر. إنه الجانب الذي يشد الإنسان دائمًا إلى مقتضيات وجوده المادي.
أما العنصر الثاني فهو النفخة: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾. ومن اللافت أن القرآن لا يشرح ماهية هذه النفخة، بل يكتفي بنسبة الروح إلى الله، تاركًا للقارئ أن يدرك أنها ليست امتدادًا للطين، بل إضافة نوعية نقلت الإنسان من مجرد كائن حي إلى كائن واعٍ، يسأل عن المعنى، ويبحث عن الحقيقة، ويقلقه العدل والظلم، ويشعر بحنين لا يعرف له تفسيرًا.
ولعل كثيرًا من الناس مرّوا بهذه التجربة دون أن ينتبهوا إليها. فحتى الإنسان الذي يحقق نجاحًا مهنيًا أو استقرارًا ماديًا، قد يبقى يشعر بأن شيئًا ما ينقصه، وكأن داخله فراغًا لا تملؤه الأشياء. ومن الصعب تفسير هذا الشعور إذا كان الإنسان مجرد كائن بيولوجي، أما إذا كان يحمل في تكوينه بعدًا يتجاوز المادة، فإن هذا التوتر يصبح مفهومًا.
لكن القرآن لا يقف عند الطين والنفخة، بل يضيف ركنًا ثالثًا لا يلتفت إليه كثير من الباحثين، وهو العهد.
يقول تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾.
لقد انشغل المفسرون طويلًا بكيفية وقوع هذا المشهد: هل كان حقيقة أم تمثيلًا؟ وهل وقع قبل الخلق أم بعده؟ غير أن السؤال الذي يبدو أكثر أهمية هنا هو: لماذا يذكره القرآن أصلًا؟
إذا قرأنا الآية في سياقها، بدا أن المقصود ليس مجرد الإخبار عن حدث غيبي، بل تفسير شيء حاضر في الإنسان نفسه؛ وكأن القرآن يقول إن معرفة الخالق ليست معرفة طارئة يتلقاها الإنسان من المجتمع فقط، وإنما تستند إلى استعداد سابق مغروس في أعماقه.
ولعل هذا ما يفسر مشهدًا يتكرر في القرآن أكثر من مرة؛ فالإنسان الذي ينكر الله في الرخاء قد يعود إليه وحده حين يجد نفسه على حافة الهلاك: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾.
قد يفسر بعض علماء النفس هذا السلوك بأنه استجابة للخوف، لكن القرآن يقدمه في سياق مختلف؛ فهو أشبه بانكشاف شيء كان كامنًا، لا باختراع شيء جديد. فكأن الأزمات الكبرى لا تزرع الإيمان، بل تزيل ما تراكم فوقه.
ومن هنا ينتقل القرآن إلى مفهوم الفطرة.
الفطرة، في هذا التصور، ليست مجموعة عادات أخلاقية موروثة، بل البنية الأولى التي فُطر الإنسان عليها. ولهذا يقرر القرآن: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا ينحرف، بل إن الانحراف لا يمحو الأصل، وإنما يغطيه. ولهذا كان الإصلاح، في كثير من الأحيان، أقرب إلى التذكير منه إلى الإنشاء.
إذا اجتمعت هذه العناصر الأربعة؛ الطين، والنفخة، والعهد، والفطرة، بدأت صورة الإنسان تتغير.
إنه ليس صفحة بيضاء تكتبها البيئة وحدها، ولا آلة تحركها الغرائز وحدها، ولا عقلًا تصنعه الأفكار وحدها. إنه كائن يحمل في داخله شدًا دائمًا بين الأرض والسماء؛ بين ما يدعوه إلى الاكتفاء بما هو قريب، وما يدفعه إلى البحث عما هو أبعد.
ولعل هذا هو السبب في أن الصراع الداخلي لا يختفي تمامًا مهما تقدم الإنسان في العمر أو ازداد علمًا. إنه ليس عيبًا في تكوينه، بل جزء من تكوينه.
وهنا يبدأ سؤال جديد، سيكون محور رحلتنا القادمة : إذا كان الإنسان يحمل كل هذه الاستعدادات المتعارضة، فمن الذي يتخذ القرار في داخله؟ ومن يقود الآخر: النفس، أم القلب، أم الفؤاد؟ وكيف تتحول هذه المكونات إلى سلوك نراه في الواقع؟



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- جون إسبوسيتو.. رحيل الرجل الذي خرج من الدير ليفسر الإسلام لل ...
- مستشار ومساعد قائد الثورة الإسلامية محمد مخبر: الجريمة الأخي ...
- ائتلاف نتنياهو الحاكم يطلب إغلاق المسجد الأقصى أمام المسلمين ...
- وزراء وأعضاء بالكنيست: يجب إغلاق المسجد الأقصى أمام العرب
- -لا مهاجرين من دول إسلامية-.. وزير خارجية التشيك يطمئن إسرائ ...
- السيد الحوثي: يراد لشعوبنا العربية والإسلامية أن تكون هذه ا ...
- السيد الحوثي: دور المقاومة عظيم في لبنان وهو يشرف الأمة العر ...
- السيد الحوثي: دور المقاومة الإسلامية في لبنان أصيل والمحور ل ...
- مسئول فلسطيني يحذر من مخططات الاحتلال لتغيير الوضع التاريخي ...
- مصر.. فتوى حول تقاسم الرقم السري للإنترنت بين الجيران


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن / الرحلة الثالثة / قبل أن تولد كيف يفسر القرآن أصل الصراع داخل الإنسان؟