أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رماز هاني كوسه - الطرد من الجنة في التوراة و دلالاته















المزيد.....

الطرد من الجنة في التوراة و دلالاته


رماز هاني كوسه

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 23:04
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


‏ تشغل قصة الخلق و طرد الإنسان من الجنة مكانة مركزية في التراث الديني الابراهيمي للبشرية . و طرحت تاويلات و تفسيرات كثيرة حول مغزى القصة و دلالاتها الاجتماعية و هنا ساتعرض للفكرة التي طرحها ارنولد توينبي حول حادثة الطرد . ملخص القصة التوراتية كما ترد في العهد القديم ( سفر التكوين) أن الإله بعد اتمامه خلق العالم والكائنات جميعا منتهيا بآدم وحواء وضع في وسط الجنة شجرتين هما شجرة معرفة الخير و الشر ( بالعبرية עֵץ הַדַּעַת טוֹב וָרָע و تلفظ عيص هدعت طوب و رع ) و شجرة الحياة ( بالعبرية עֵץ הַחַיִּים عيص هحيوم ) حيث كلمةعيص تعني شجرة دعة تعني معرفة طوب تعني خير من طيب أو جيد أما رع فتعني الشر . أوصى الإله آدم وحواء بأن لهم الحق بالعيش في الجنة والاستمتاع بملذاتها مع وضع شرط واحد فقط وهو عدم تناول ثمار شجرة المعرفة كما يرد في سفر التكوين ( الإصحاح 2، الآية 17: «وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا، لِأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ»). ينتقل العهد القديم لاحقا ليخبرنا كيف أن الأفعى (نحش )قامت باغواء حواء لتأكل من ثمار شجرة معرفة الخير و الشر قائلة "بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر" (تكوين 3: 5). وبدورها حواء أقنعت آدم بفعل نفس الشيء . هنا عرف الإله بفعلتهما فما كان منه إلا أن عاقب آدم و حواء بالطرد من الجنة لمخالفتهم تعليماته وطبعا سبب الطرد حتى لا يتناول آدم و حواء من ثمار شجرة الحياة و يكتسبان الخلود وبذلك يتحولان الى آلهة خصوصا بعد اكتسابهم المعرفة نتيجة تناولهم ثمار شجرة المعرفة وهذا هو سبب تحريم الاله الأكل من ثمار هاتين الشجرتين (التكوين 3: 22) «هُوَذا الإِنْسانُ قَد صَارَ كَوَاحِدِ مِنَّا، عَارِفًا الخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ») . فالقصة التوراتية هنا تدور في اطار طرح تفسير لتحول الانسان الى مخلوق فان . فهو خسر خلوده لمخالفته الأوامر الالهية و عقوبته كانت الطرد من الجنة .
التفسير الذي طرحه المؤرخ المؤرخ توينبي عن كون واقعة الطرد ما هي إلا قصة ترمز الى ظهور المدنية في المجتمعات البشرية و انتقال الانسان من الحياة البدائية و مرحلة الصيد و الالتقاط إلى الحياة الزراعية المستقرة .
بعبارة أخرى الحياة البدائية للإنسان كانت تتميز بالجمع و الالتقاط للطعام بشكل رئيسي مع بعض الصيد و هو ما يقابل حياة آدم في الجنة حيث لا تعب فيها و حاجاته الأساسية متوفرة و ما عليه إلا التقاطها من الأشجار و هي حياة روتينية لا إبداع و لا تطور فيها . بعد طرد آدم و حواء من الجنة و نزولهم إلى الأرض يبدأ الشقاء و التعب بالبحث عن الطعام و محاولة توفيره و اكتشاف ما يصلح للاكل و زراعته و ما يرافق الزراعة من جهد كبير مبذول . و هو ما يقابل وفق توينبي مرحلة استقرار المجتمعات البشرية الأولى في مستعمرات زراعية صغيرة نشأت بعد اكتشاف الزراعة في الألف العاشر قبل الميلاد و شكلت نواة انطلاق للحضارة البشرية . فرغم أن التعب و الجهد المبذول في المجتمعات الزراعية و لاحقا الصناعية أكبر منه في المجتمعات البدائية التي تعتمد الجمع و الالتقاط إلا أن هذا التعب و الجهد كان نقطة البداية و المحرك الرئيسي لانطلاق الحضارة البشرية بكونه وسيلة للاكتشاف و تطوير أساليب الحياة . فالحياة الزراعية تتطلب مراقبة دورة نمو النبات و معرفة التربة الصالحة للزراعة و مراقبة تغيرات الطقس و توقع موسم الامطار و هو ما دفع الانسان للاهتمام بالتقويم و ابتكار نظام الأشهر و السنة لتنظيم دورة الحياة الزراعية . الزراعة تطلبت من الانسان تطوير ادوات خاصة للحرث و الحصاد و غيرها من لوازم الانتاج الزراعية مما دفع الانسان لتطوير الصناعات الأولى من مجارف و محاريث و مناجل . تخزين الانتاج الزراعي تطلب تجهيز أبنية خاصة تتميز بالبرودة لحفظ الانتاج الزراعي مما دفع حركة البناء للتطور و الابتكار . الحاجة لقوة عضلية دفعت الانسان لتدجين الحيوانات و استغلالها بالعمل الزراعي و هو ما أدى لاحقا للاستفادة بشكل واسع من منتجات هذه الحيوانات سواء اللحوم و البيض و الألبان و الصوف مما نتج عنه صناعة النسيج . الزراعة كانت الترس الأول الذي دفع عجلة الحضارة للدوران .
فوفق تفسير توينبي فإن نزول آدم من الجنة إلى الأرض هو انتقال للمجتمع البشري من الحياة البدائية الروتينية إلى الحياة المستقرة المدنية التي تعتمد على العمل و البناء و الابتكار المؤدي للتطور .
الملفت للنظر بأن تفسير توينبي هنا لدلالات قصة الطرد التوراتية نراه يتناسب مع باقي الأحداث التوراتية التي تبعت قصة الخلق و طرد آدم من الجنة . فهي جميعها تدور في اطار الانتقال بالمجتمع البشري من مرحلة إلى أخرى .
نبدأ بقصة قتل قايين(قابيل) لهابيل التي تمثل انتصار المجتمع الزراعي . الحادثة التوراتية تذكر أن قابيل وهابيل قدما قرابين إلى الإله . قابيل قدم قربانا من أفضل المزروعات باعتباره كان مزارعا أما هابيل فقدم قربانا من أفضل ماشيته و قبل الإله قربان هابيل من الماشية . قابيل هنا بمثل المجتمع الزراعي بينما هابيل يمثل المجتمع الرعوي و ما جريمة قتل قابيل لاخيه إلا إشارة لانتصار المجتمع الزراعي حينها على المجتمع الرعوي .
تأتي بعدها قصة الأخوين اسماعيل و اسحاق ( يشمع ايل و يصحاك اي الضحاك بالعربية ) و فيها ايضا اشارات لتحول اجتماعي نراه في وصف التوراة لاسماعيل بانه رجل وحشي يعيش في الصحراء ( «وَهُوَ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ» سفر التكوين 16) و لاحقا تصفه التوراة باتقانه رمي القوس و هي إشاره لكونه صيادا .بالمقابل فالتوراة تشير لاسحاق كرجل مسالم يحفر آبار المياه و يمارس الزراعة كما يرد في حادثة مجاعة جرار «وَزَرَعَ إِسْحَاقُ فِي تِلْكَ الأَرْضِ، فَحَصَدَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِئَةَ ضِعْفٍ لأَنَّ اللهَ بَارَكَهُ» ) التكوين الإصحاح 26، الآية 12 . و كما نعلم فابراهيم حينها أرسل ابنه اسماعيل الى الصحراء مع امه بينما منح بركته لابنه اسحاق الذي تنحدر القبائل الاسرائيلية من نسله و تحديدا عبر ابنه يعقوب . فهنا مرة اخرى يتم تفضيل الابن المسالم المستقر الممارس للزراعة على الابن الصياد المرتحل ساكن الصحارى في تمهيد لانتقال القبائل الاسرائيلية الى الحياة الزراعية و هو ما سيظهر بوضوح في قصة الأخوين عيسو و يعقوب ابني اسحاق حيث نرى أن يعقوب الأصغر هو من ينال بركة أبيه بحيلة طبق العدس المعروفة بدلا من البكر عيسو . يعقوب يمثل المجتمع المستقر حيث يوصف بالتوراة بانه (رجل ساكن في الخيام ) أي استقرار اما عيسو فيمثل المجتمع البدوي المرتحل حيث يوصف بالتوراة بانه رجل يحب الصيد و الترحال "وَكَبِرَ الْغُلاَمَانِ، فَكَانَ عِيسُو إِنْسَانًا صَيَّادًا مَاهِرًا، رَجُلَ الْبَرِّيَّةِ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَكَانَ رَجُلاً كَامِلاً سَاكِنًا فِي الْخِيَامِ" (تكوين 25:27) .
و هنا القصة تحمل دلالة قاطعة الى انتقال القبائل الإسرائيلية من حياة الرعي الى حياة الاستقرار المدنية و المتمثلة بيعقوب الساكن بالخيام عكس عيسو المثير الترحال مع التركيز على وصف يعقوب برجل كامل و هو ما لا يوصف به عيسو و لذلك دلالته الواضحة بتفضيل ما يمثله يعقوب على عيسو . و يظهر طبق العدس الذي استعمل في القصة لنيل البركة كتأكيد إضافي لتفوق المجتمع الزراعي على مجتمع الصيد باختيار العدس المنتج الزراعي المدجن بدلا من لحوم الطرائد او الحيوانات الداجنة .
نحن هنا أمام التسلسل التالي لقصص التوراة و دلالاتها
1- طرد آدم و حواء من الجنة : يمثل انتقال البشر من الحياة البدائية و الجمع و الالتقاط الى حياة الاستقرار و المدنية و تشكيل المجتمعات البشرية .
2- قتل قايين (قابيل) لهابيل : انتصار المجتمع الزراعي على المجتمع الرعوي .
3- إرسال اسماعيل الى البرية و بقاء اسحاق مع أبيه ابراهيم كتمهيد لبدء استقرار القبائل الاسرائيلية .
4-نيل يعقوب للبركة بدلا من عيسو : انتقال القبائل الإسرائيلية من الحياة الرعوية الى الحياة المدنية المستقرة .

تحليل القصص التوراتي من وجهة نظر اجتماعية يدفع بوضوح لتقوية تفسير توينبي عن دلالات حادثة الطرد من الجنة . فهذه المرويات اذا ازلنا عنها قشرتها الدينية نراها تحمل دلالات اجتماعية واضحة على تغيرات اجتماعية اعتاد المجتمع الشرق أوسطي على طرحها بإطار قصصي رمزي موجه بأسلوب و لغة مقبولتين للعامة و جذابة لهم عبر الغلاف الديني المقدس و الاعجازي الذي تقدم لهم من خلاله .



#رماز_هاني_كوسه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصير المحاربين القتلى من سومر الى الفايكينغ
- صورة المسيح بين القرآن و الأناجيل المنحولة
- الرقص الشرقي بين الدين و الغريزة
- تاريخ يعيد نفسه
- الكلمة بين افلوطين و انجيل يوحنا و القرآن
- ادراك العالم عند افلاطون
- الخصاء كعادة بشرية
- ما بين رفع الخبز و سكب الماء
- الصمد .... من اوغاريت الى مكة
- القوزللي .... اصول لغوية و دلالات ميثولوجية
- ٦٣٢ م ... ام ٦٣٤م
- الافعى و قبلة الحياة
- يسوع ...... حقيقة تاريخية أم شخصية وهمية
- حيلة كانط .... أخلاق الفطرة
- عقوبات سادية
- السير الإسلامية .... هل يجوز نقدها أم هي حقائق مطلقة
- كوثر ... كوشر بين العربية و السريانية
- أكانت تفاحة آدم ..... أم تفاحة أفروديت
- الدولة الأموية مابين الإسلام و النصرانية
- البشارة


المزيد.....




- مع تصاعد التوترات في باب المندب والبحر الأحمر.. كيف تستفيد ا ...
- مدرب بطل العالم يهاجم زملاء ميسي: ما حدث بعد النهائي -غير مق ...
- رعب التماسيح يجتاح السودان.. فواجع وتغيرات بيئية تشدد وطأة ...
- -ترقبوا المزيد-.. ترامب يتوعد الاتحاد الأوروبي بدفع ثمن باهظ ...
- السفارة الأمريكية في بغداد تصدر تحذيرا أمنيا لرعاياها
- سوبيانين: إحباط هجوم لنحو 250 مسيرة في مقاطعة موسكو
- أسلحة نووية أمريكية في أوروبا وخطط فرنسية مشابهة وتحذيرات من ...
- لماذا ارتفعت ديون مصر من 48 إلى 165 مليار دولار؟ رئيس الوزرا ...
- الدفاع الجوي الروسي يسقط مئات المسيرات ويحبط هجوما أوكرانيّا ...
- -الحوثيون-: نفضل مواجهة أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني عل ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رماز هاني كوسه - الطرد من الجنة في التوراة و دلالاته