وليد خليفة هداوي الخولاني
كاتب ومؤلف
(Waleed Khalefa Hadawe)
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 17:50
المحور:
الفساد الإداري والمالي
في عام 1939، طرح عالم الاجتماع والجريمة الأمريكي إدوين سذرلاند (Edwin H. Sutherland) نظرية "جرائم ذوي الياقات البيضاء"، التي عرّف فيها هذا النوع من الجرائم بأنه: الأفعال غير العنيفة ذات الدوافع المالية التي يرتكبها أشخاص يتمتعون بمكانة اجتماعية أو وظيفية مرموقة أثناء ممارستهم لأعمالهم أو بسببها، مستغلين الثقة الممنوحة لهم ونفوذهم الوظيفي لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
وتشمل هذه الجرائم: الاختلاس، والرشوة، واستغلال النفوذ، وغسل الأموال، والتهرب الضريبي، والاحتيال المالي، والجرائم الإلكترونية، والتلاعب بالعقود والمناقصات الحكومية.
ويمتاز مرتكبو هذه الجرائم غالبًا بارتفاع مستواهم العلمي، وامتلاكهم مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، إضافة إلى شغلهم مناصب إدارية أو مالية تتيح لهم الوصول إلى الأموال العامة أو الأصول المالية.
وتُعد جرائم ذوي الياقات البيضاء من أخطر الجرائم الاقتصادية؛ لأنها تُلحق خسائر مالية جسيمة بالدولة، وتُضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، كما أن التحقيق فيها غالبًا ما يكون معقدًا بسبب نفوذ المتهمين وتشعب العلاقات المالية والإدارية، مما يستدعي تولي الجهات القضائية المختصة وهيئات النزاهة والأجهزة الرقابية التحقيق فيها.
ذوو الياقات البيضاء في العراق
يقصد بذوي الياقات البيضاء في العراق شريحة من كبار المسؤولين، مثل البعض من (الوزراء ووكلاء الوزراء والمديرين العامين وبعض أعضاء مجلس النواب)، ممن شغلوا مناصب مؤثرة في المؤسسات الإدارية والاقتصادية والمالية وممن ثبتت عليهم تهم الفساد وحكم على البعض منهم، واستغل بعضهم تلك المناصب لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية على حساب المال العام.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، تفاقمت مظاهر الفساد الإداري والمالي نتيجة المحاصصة السياسية وضعف الرقابة وتداخل المصالح، الأمر الذي أدى إلى انتشار الاعتقاد لدى شريحة من المواطنين بأن الوصول إلى المناصب العليا أصبح وسيلة لتحقيق الثراء السريع، وهو ما عزز حالة فقدان الثقة بالإدارة العامة.
وقد شهدت السنوات الماضية صدور أحكام قضائية وإجراءات قانونية بحق عدد من المسؤولين في قضايا تتعلق بالفساد المالي والإداري، ولا سيما في بعض القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء، الذي ارتبط بعدد من ملفات الهدر المالي والعقود الوهمية وشبهات الفساد.
إحصائيات جرائم ذوي الياقات البيضاء
تشير التقارير السنوية الصادرة عن هيئة النزاهة الاتحادية إلى الآتي:
• 2021: (54) وزيرًا ومن هم بدرجتهم، و(422) من ذوي الدرجات الخاصة والمديرين العامين ومن بدرجتهم، و(11183) متهمًا من بقية الدرجات الوظيفية.
• 2022: :(56) وزيرًا ومن هم بدرجتهم، و(370) من ذوي الدرجات الخاصة والمديرين العامين، و(12111) متهمًا من بقية الدرجات.
• 2023: (55) وزيرًا ومن هم بدرجتهم، و(350) من ذوي الدرجات الخاصة والمديرين العامين، و(13679) متهمًا من بقية الدرجات.
• (44): 2024وزيرًا ومن هم بدرجتهم، و(338) من ذوي الدرجات الخاصة والمديرين العامين، و(19919) متهمًا من بقية الدرجات.
• 2025: (38) وزيرًا ومن هم بدرجتهم، و(309) من ذوي الدرجات الخاصة والمديرين العامين، و(23358) متهمًا من بقية الدرجات.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار حجم قضايا الفساد، مع ملاحظة انخفاض عدد المتهمين من كبار المسؤولين مقابل ارتفاع أعداد المتهمين من بقية المستويات الوظيفية.
نماذج من قضايا ذوي الياقات البيضاء
شهد العراق خلال السنوات الأخيرة عدداً من القضايا التي شغلت الرأي العام، من بينها:
• التحقيق مع أحد وكلاء وزارة النفط، حيث أعلنت الجهات القضائية ضبط مبالغ مالية كبيرة وعقارات ومركبات وأصول أخرى، وما تزال القضية قيد التحقيق.
• صدور حكم بالحبس الشديد بحق المدير العام السابق لشركة مصافي الوسط، مع إلزامه برد مبالغ الكسب غير المشروع ومصادرة أموال وعقارات.
• صدور أحكام تتعلق بتضخم الأموال بحق المدير العام السابق للشركة العامة للسكك الحديد.
• تداولت وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي أخبارًا عن اعتقال مدير عام شركة توزيع كهرباء الوسط على خلفية قضايا فساد، مع الإعلان عن ضبط مبالغ مالية كبيرة، مع بقاء التفاصيل خاضعة للإجراءات القضائية.
• الحكم بالسجن بحق المدير العام الأسبق للهيئة العامة للضرائب وزوجته في قضية غسل أموال، مع فرض غرامات مالية ومصادرة عقارات داخل العراق وخارجه.
• كما صدرت أوامر قبض وإجراءات قضائية بحق عدد من وزراء الكهرباء السابقين في ملفات تتعلق بالفساد الإداري والمالي، وهدر المال العام، والعقود الوهمية، وشبهات الفساد، وفق ما أعلنته الجهات القضائية وهيئة النزاهة.
• أصدرت محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية حكمين بحق نائبين في البرلمان في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالرشوة والابتزاز(السومرية ،2026).
سمات ذوي اليا خات البيض في العراق:
اتصف ذوي الياقات البيض في العراق بصفة او أكثر من الصفات التالية:
- الجشع والطمع: فكانت سرقاتهم بعشرات المليارات، وشرائهم الدور بالعشرات، وكذلك شرائهم عشرات السيارات الحديثة، وعشرات كيلوات الذهب. وذلك دلالة على انهم كانوا يعانون الفاقة والحرمان في طفولتهم ويطمعون في التخمة ولا يكفيهم الشبع.
- ابتكار طرق متنوعة في إخفاء الأموال: من خلال الحفر على عمق عدة امتارفي باطن الأرض او في داخل الجدران او في جدران المسابح او في قناني المياه او في مجاري المياه.
- نظام الشبكات: توزيع جزء من الأموال المسروقة على شبكة من المتنفذين.
- وجود الصلاحيات المطلقة وغير محددة للتصرف بالأموال: ففي قضية وكيل وزير النفط، يتم كل يوم الكشف عن مخبأ فيه المليارات، وكأنما يملك كنوز نبي الله "سليمان " عليه السلام.
- المناصب الإدارية: اتصف المتهمون في جرائم الاختلاس والرشوة والفساد الإداري بالمناصب التالية "وزير، وكيل وزير، مدير عام.، ومن هم بدرجتهم) وبعضا من نواب البرلمان.
- الهروب خارج البلاد بعد تأمين أرصدة مالية وعقارات في الخارج.
أبرز أساليب التصرف بالأموال المختلسة
أظهرت التحقيقات في عدد من القضايا أن مرتكبي جرائم ذوي الياقات البيضاء يلجؤون إلى وسائل متعددة لإخفاء الأموال أو غسلها، من أبرزها:
• شراء العقارات داخل العراق وخارجه بأسماء الزوجات أو الأقارب.
• تحويل الأموال إلى سبائك ذهبية أو مقتنيات ثمينة.
• إخفاء الأموال النقدية في المزارع أو داخل الجدران أو في أماكن سرية.
• تهريب الأموال إلى خارج العراق.
• تأسيس شركات وهمية للحصول على العقود الحكومية والاستيلاء على مبالغها دون تنفيذ المشاريع.
• توزيع جزء من الأموال على متنفذين لضمان الحماية أو تعطيل إجراءات المساءلة.
مقترحات للحد من جرائم ذوي الياقات البيضاء
للحد من هذا النوع من الجرائم، يمكن اعتماد مجموعة من الإجراءات، أهمها:
1. اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والخبرة في اختيار شاغلي المناصب العليا، بعيدًا عن المحاصصة والولاءات السياسية وخاصة المناصب في الوزارات والهيئات والمديريات العامة ذات الإيرادات المالية (النفط، المالية، الكهرباء، وتوابعها وما شابهها).
2. تعزيز استقلالية هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وتوفير الدعم القانوني والفني لهما.
3. استكمال التحول الرقمي والأتمتة في جميع الدوائر الحكومية، وربط الأنظمة المالية إلكترونيًا للحد من التلاعب.
4. تشديد الرقابة على العقود الحكومية وإخضاعها لمراجعة فنية وقانونية ومالية مستقلة.
5. إلزام كبار المسؤولين بالإفصاح الدوري عن ذممهم المالية، وإجراء تدقيق مستمر لمصادر ثرواتهم.
6. تفعيل مبدأ «من أين لك هذا؟» وتطبيقه على جميع المسؤولين دون استثناء.
7. حماية المبلغين والشهود والخبراء، وتشجيع الإبلاغ عن جرائم الفساد.
8. تعزيز التعاون الدولي لاسترداد الأموال المهربة والأصول الموجودة خارج العراق.
9. وضع ضوابط قانونية تحدد سقوف الصلاحيات المالية للمسؤولين، مع اشتراط موافقات جماعية على العقود والمشاريع ذات الكلف الكبيرة.
10. الإسراع في حسم قضايا الفساد أمام القضاء، بما يحقق الردع العام ويعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
11- استثناء مختلسي المال العام من حالات العفو الا بعد تسديد كامل المبالغ المختلسة من قبلهم.
الخاتمة:
إن جرائم ذوي الياقات البيضاء لا تقل خطورة عن الجرائم التقليدية، بل قد تكون أشد أثرًا؛ لأنها تستنزف المال العام، وتعطل مشاريع التنمية، وتضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وتؤثر في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة. ومن ثم فإن مكافحتها تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وقضاءً مستقلاً، وأجهزة رقابية فاعلة، وتشريعات رادعة تُطبق على الجميع دون تمييز، بما يرسخ مبدأ سيادة القانون ويحمي ثروات الدولة وحقوق المواطنين
#وليد_خليفة_هداوي_الخولاني (هاشتاغ)
Waleed_Khalefa_Hadawe#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟