أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد سليمان - حشمة العقول أولًا: قبل مراقبة مظاهر المجتمع... تحتاج الدولة إلى إصلاح مؤسساتها














المزيد.....

حشمة العقول أولًا: قبل مراقبة مظاهر المجتمع... تحتاج الدولة إلى إصلاح مؤسساتها


أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 04:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين تتراجع الأسئلة الكبرى عن واجهة النقاش العام، كثيرًا ما تتقدم الأسئلة الصغرى إلى الواجهة. فيتحول الجدل حول المظهر إلى قضية عامة، بينما تبقى ملفات العدالة، واستقلال القضاء، وإعادة بناء المؤسسات، وحقوق المواطنين تنتظر من يضعها في صدارة الأولويات.

في هذا السياق، يبرز التعميم الأخير المتعلق بلباس الموظفات، ليعيد إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز قطعة القماش نفسها: أي حشمة تريدها الدولة؟

إذا كان المقصود بالحشمة احترام كرامة الإنسان، وسيادة القانون، ونزاهة الإدارة، وصون المال العام، فإن أولى صورها تبدأ من أداء المؤسسات العامة، لا من مراقبة خيارات الأفراد الشخصية. أما إذا تحولت الحشمة إلى عنوان للتدخل في ما يلبسه المواطنون، فإن النقاش يغادر دائرة الإدارة الرشيدة، ليدخل في مساحة الحريات الفردية التي ينظمها القانون والدستور.

لا خلاف على حق أي مؤسسة في اعتماد قواعد مهنية عامة للهندام داخل بيئة العمل، شريطة أن تكون واضحة، وغير تمييزية، ومستندة إلى القانون. لكن الأولويات التي تختارها الدولة تعكس، في نهاية المطاف، رؤيتها لوظيفتها: هل تنصرف إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، أم إلى إدارة تفاصيل الحياة الخاصة للمواطنين؟

من هنا، لا يتعلق النقاش بلباس المرأة وحده، بل بمفهوم الدولة نفسها، وبالحدود الفاصلة بين التنظيم الإداري وحماية الحريات، وبين احترام التنوع الاجتماعي ومحاولة فرض نموذج واحد على مجتمع متعدد.

● من الشاطئ إلى المكتب

ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها الدولة إلى طرف في تحديد ما يلبسه المواطنون.

ففي حزيران/يونيو 2025، أصدرت وزارة السياحة تعليمات لتنظيم اللباس في الشواطئ والمسابح العامة، متحدثة عن "اللباس المحتشم"، ومفرقة بين الشواطئ العامة وبعض المنتجعات المصنفة. وقد أثار القرار انقسامًا واسعًا، قبل أن توضح الوزارة أن الهدف ليس منع نوع معين من اللباس، وإنما تنظيمه وفق نوع المنشأة والسياق الاجتماعي.

وبغض النظر عن التوضيحات اللاحقة، فإن الرسالة التي وصلت إلى شريحة واسعة من السوريين كانت مختلفة؛ إذ بدا لكثيرين أن الدولة بدأت تتدخل تدريجيًا في الخيارات الشخصية، لا بوصفها شأنًا فرديًا، بل باعتبارها مجالًا للتنظيم الإداري.

قد تختلف الجهتان اللتان أصدرتا القرارين، لكن الرسالة التي تلقاها كثيرون بدت متشابهة: اتساع مساحة تدخل الإدارة في الخيارات الشخصية تحت عناوين فضفاضة.

واليوم يتكرر المشهد مع تعميم يتعلق بلباس الموظفات، فيُستعاد الجدل نفسه، وكأن النقاش العام يُدفع مرة أخرى نحو تفاصيل المظهر، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة.

● الأولويات أولًا

لا أحد يعترض على حق المؤسسات في وضع قواعد مهنية تتعلق بالهندام اللائق داخل أماكن العمل، متى كانت واضحة وعامة وغير تمييزية.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول مفاهيم فضفاضة مثل "الحشمة" إلى أداة تمنح الإدارة سلطة واسعة لتفسيرها وفق المزاج أو التوجه السياسي أو الاجتماعي.

فالحشمة ليست مصطلحًا قانونيًا منضبطًا، وإنما مفهوم ثقافي يختلف من بيئة إلى أخرى، ومن جماعة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر.

وعندما يصبح هذا المفهوم أساسًا لقرارات تمس الحريات الشخصية، فإن النقاش ينتقل من تنظيم الوظيفة العامة إلى محاولة تشكيل المجتمع وفق رؤية واحدة، في بلد يقوم أساسًا على التعددية والتنوع الثقافي والاجتماعي.

● دولة القانون

المشكلة الحقيقية ليست في قطعة قماش.

المشكلة أن الدولة، في مراحل التحول، تحتاج إلى إنتاج الثقة، لا إلى إنتاج الجدل.

تحتاج إلى استقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وإصلاح الإدارة، وإرساء العدالة الانتقالية، وضمان حقوق جميع المواطنين بلا تمييز.

هذه هي الملفات التي تعيد بناء الدولة.

أما تحويل النقاش العام إلى معارك حول لباس المرأة أو الرجل، فإنه يستهلك طاقة المجتمع في قضايا رمزية، بينما تبقى الملفات الجوهرية دون تقدم ملموس.

ومن حق أي مجتمع أن يناقش قيمه الأخلاقية، لكن ليس من مصلحة أي دولة أن يصبح هذا النقاش بديلًا عن الإصلاح السياسي والإداري.

● ماذا تحتاج سوريا؟

لن تُقاس هيبة الدولة بطول الأكمام، ولا بشكل غطاء الرأس، ولا بنوع لباس السباحة.

هيبة الدولة تُقاس عندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن المؤسسات تعامل الجميع على قدم المساواة، دون أي تمييز.

فالدول القوية لا تنشغل بإدارة تفاصيل الحياة الخاصة بقدر انشغالها بإدارة العدالة، ومحاربة الفساد، وتحقيق الكفاءة، وترسيخ الحقوق والحريات.

● الحشمة الحقيقية

إذا كانت هناك حشمة تستحق الدفاع عنها، فهي حشمة الدولة أمام القانون، وحشمة السلطة أمام مؤسساتها، وحشمة المسؤول أمام المال العام، وحشمة المؤسسة أمام حقوق المواطنين.

أما لباس الأفراد، فيبقى شأنًا شخصيًا ما دام لا يخالف القانون ولا يعتدي على حقوق الآخرين.

فالدول لا تُبنى بفرض نموذج واحد للمجتمع، بل بإقامة دولة يشعر فيها الجميع أن القانون يحميهم بالقدر نفسه، ويحاسبهم بالمعيار نفسه.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تتحول جنسية المسؤولين إلى اختبار للشرعية في سوريا ؟
- هل يقود ترامب إعادة هندسة الأمن في سوريا ولبنان؟
- من انتخب مجلس الشعب؟ ولماذا يُمدَّد؟
- عندما يتحول الخوف إلى ثقافة والإقصاء إلى سلوك... تنتشر ظاهرة ...
- سيكولوجيا “الشرطي العالمي”: دونالد ترامب نموذجًا
- من أرشيف الحوارات الفكرية: طيب تيزيني: «علينا ألّا نغيّب سؤا ...
- تنظيم الإعلام أم تقييد الحريات؟ قراءة قانونية في تعميم محظور ...
- عودة جهاد مقدسي: هل توازن الدولة بين استعادة الخبرات ومنطق ا ...
- لبنان له شؤونه، وأي مقاربة سورية تجاهه تبقى قابلة لسوء الفهم
- الدولة بين استعادة الاستقرار ومنطق احتكار السلطة
- بين النقد والتخوين: من يملك حق توزيع الوطنية؟ وأين دور النخب ...
- من سقوط السلطة إلى تفكيك البنية: ميشيل كيلو وإعادة تعريف الد ...
- تحالف دولي لإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في لبنان... لا تور ...
- قانون وكرامة أم تخوين ووصاية؟ مطالب مدنية… وردود رافضة
- بخيبة أملٍ من النتائج... لا ندمًا على أسباب الثورة
- موجة اعترافات تعيد فتح ملفات الدم في سوريا: محمد جعفر والحول ...
- تم الكشف عن مصير أطفال رانيا العباسي... جريمة تعود إلى الواج ...
- الفيضانات الغامضة: هل تحولت السدود إلى خطر؟ أسئلة محرجة بوجه ...
- الزيادات الحكومية في سوريا… ارتباك إداري أم رسائل سياسية؟
- عقيدة القتل: حين تصبح الجريمة وظيفة مبررة والإنكار مخرجًا


المزيد.....




- تاريخ مشترك وروابط أخوية راسخة.. مسؤولون في السعودية والإمار ...
- هيغسيث يتهم إدارة بايدن بإهمال تمويل البنتاغون وترك مخزونات ...
- ترامب يعفي المسؤولين السابقين من التزام الصمت حول الأجسام ال ...
- ترامب يبرر رسوم كندا بـ-المعاملة القاسية- ويتهمها بإهمال الغ ...
- القوات الروسية تبدأ التقدم نحو زاخاروفكا بعد السيطرة على فول ...
- تفعيل الدفاعات الجوية في طهران وانفجارات تهز عدة مدن إيرانية ...
- العقل العام في قفص الشّعبوية: الإعلام التّونسي بين “عطالة بن ...
- قصّوا الماء… حتى شحّ ريق البلاد
- الهجرة والتبعية في تونس
- لليلة الـ11 توالياً.. الجيش الأمريكي يشن ضربات جديدة على إير ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد سليمان - حشمة العقول أولًا: قبل مراقبة مظاهر المجتمع... تحتاج الدولة إلى إصلاح مؤسساتها