أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن














المزيد.....

التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 12:01
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست كل الأعمال الدرامية مجرد حكايات تُروى، فبعضها يولد من وجعٍ طويل، ويُكتب بالحبر حيناً، وبالدموع أحياناً. هكذا كانت التغريبة الفلسطينية في وجدان كاتبها الدكتور وليد سيف؛ لم تكن فكرةً عابرة خطرت في ذهنه، بل كانت ذاكرةً ثقيلةً حملها في قلبه سنواتٍ طويلة، منذ أن فتح عينيه على مخيمات اللجوء، وعلى وجوهٍ أنهكها الانتظار، وعلى أطفالٍ كبروا وهم يحفظون أسماء القرى التي لم يروها، وعلى شيوخٍ كانوا يروون الوطن كما لو كانوا يروون فردوساً ضاع منهم إلى الأبد.

كبر الدكتور وليد سيف وهو يسمع كبار السن يرددون بحسرة: "أيام البلاد". لم تكن مجرد عبارة تتردد على الألسنة، بل كانت تنهيدةً تختصر وطناً بأكمله؛ بيوتاً أُغلقت أبوابها على عجل، وأشجار زيتون بقيت تنتظر أصحابها، وحقولاً لم يعد أحدٌ يقطف سنابلها، وطرقاتٍ احتفظت بخطوات من رحلوا ولم يعودوا. كانت تلك الكلمات تتسلل إلى قلبه بصمت، وتتراكم في وجدانه عاماً بعد عام، حتى أصبحت مشروعاً درامياً يبحث عن لحظة ميلاده.

بدأت فكرة العمل في أوائل الثمانينيات، ثم اكتملت كتابته عام 1987، لكنه ظل سنوات طويلة حبيس الأدراج قبل أن يرى النور. وكأن هذا العمل، مثل القضية التي يرويها، كان عليه أيضاً أن ينتظر طويلاً، وأن يذوق مرارة التأجيل، قبل أن يجد طريقه إلى الناس.

ولم يكن المسلسل وليد خيالٍ محض، بل كان امتدادًا لذاكرةٍ عاشها الدكتور وليد سيف بنفسه. كان ينظر إلى اللاجئين الذين سكنوا بجوار بيته، ويتأمل وجوههم التي أخفت خلف تجاعيدها حكايات لا تنتهي، ويستمع إلى رواياتهم عن الرحيل القسري، وعن البيوت التي تركوا مفاتيحها في جيوبهم ظناً منهم أنهم سيعودون بعد أيام. فلكل واحدٍ منهم حكايته الخاصة، لكنها كانت جميعاً تنتهي عند الجرح ذاته... فلسطين.

ومن بين كل ما قيل عن هذا العمل، تبقى شهادة امرأةٍ عجوز هي الأكثر وجعاً، والأكثر صدقاً، والأقرب إلى روح التغريبة الفلسطينية نفسها.

كانت قد عاشت النكبة بكل تفاصيلها، ورأت بعينيها القرى وهي تُفرغ من أهلها، والناس وهم يسيرون في طرقات النزوح يحملون أطفالهم وأحلامهم القليلة، وفقدت أحد أبنائها الذي خرج مجاهداً ولم يعد. مرت السنوات، وشاب شعرها، وانحنى ظهرها، لكن قلب الأم بقي واقفاً عند اللحظة التي غاب فيها ابنها، رافضاً أن يصدق أن الغياب قد يكون أبدياً.

وعندما جلست تشاهد التغريبة الفلسطينية مع أبنائها وأحفادها، ووصلت إلى مشاهد التهجير، لم تعد الشاشة شاشة، ولم يعد ما تراه تمثيلاً. اختلط الماضي بالحاضر في عينيها، وعادت فجأة إلى تلك الأيام التي ظنت أنها دفنتها في أعماق ذاكرتها. رأت صفوف اللاجئين كما رأتها يوماً، وسمعت صرخات الفراق كما سمعتها قبل عقود، وشعرت بأن الطريق الذي يسير عليه الممثلون هو الطريق نفسه الذي مشت عليه وهي تحمل وجعها.

ثم التفتت إلى ابنها، وقالت بصوتٍ أنهكه العمر وأيقظته الذكرى:

"يا ولدي، تأمل جيداً فيما ترى، لعلّك ترى أخاك الذي غاب في تلك الأيام."

أي قلبٍ يستطيع أن يسمع هذه الكلمات ولا ينكسر؟

لم تكن الأم تبحث عن ممثلٍ بين الجموع، بل كانت تبحث عن ابنها الذي احتفظت له بمكانٍ في قلبها طوال السنين. كانت تؤمن، رغم مرور العمر، أن الغائب قد يعود، وأن الأمل لا يموت في قلب أم، مهما أخبرها الجميع أن الانتظار انتهى. في تلك اللحظة، انتصرت الذاكرة على الزمن، وعاد الماضي حياً بكل تفاصيله، حتى بدا وكأنه يحدث من جديد.

وهنا بلغ العمل قمته. فلم يعد مجرد مسلسل ناجح، بل أصبح ذاكرةً تمشي على الشاشة، ونافذةً أعادت للناس ما حاول الزمن أن يطمسه. لم يكن انتصار التغريبة الفلسطينية في عدد مشاهديه، ولا في ثناء النقاد، بل في تلك الدمعة التي انهمرت من عين أمٍ أعاد إليها صدقُ العمل ذكرى ولدها الغائب، ولو للحظات.

ولعل أجمل ما قيل عن هذا العمل، وأصدق شهادةٍ عليه، جاءت من كاتبه الدكتور وليد سيف نفسه، حين قال: إن تلك الأم كانت أعظم ناقد عرفه، لأنها لم ترَ ممثلين على الشاشة، بل رأت حياتها كما عاشتها، وظنت أن ابنها الغائب قد يظهر بين وجوه اللاجئين. عندها أدرك أن الفن، حين يصدق، لا يكتفي بأن يُحاكي الواقع، بل يعيده حياً إلى القلوب.

انتهت حلقات التغريبة الفلسطينية على الشاشة، لكنها لم تنتهِ في قلوب من شاهدوها. فما زالت أمٌّ تنتظر ابناً لم يعد، وما زال مفتاح بيتٍ صدئ يعلّق على جدار ذاكرةٍ ترفض أن تنسى، وما زالت أشجار الزيتون تحفظ أسماء أصحابها، وما زالت فلسطين تسكن الحنين أكثر مما تسكن الخرائط.

ولهذا لم تكن التغريبة الفلسطينية مجرد عملٍ درامي، بل كانت شهادةً إنسانيةً خالدة، كتبها وليد سيف بوجع الذاكرة، وجسّدها المخرج الراحل حاتم علي بصدق الصورة، فحفظا معاً فصلاً من تاريخ شعب، وأثبتا أن الدراما ليست وسيلةً للترفيه فحسب، بل وعاءٌ للذاكرة، وجسرٌ بين الأجيال.

رحم الله حاتم علي، وأطال الله في عمر الدكتور وليد سيف، الذي منح فلسطين نصاً سيبقى حياً ما بقيت الذاكرة. فالأوطان قد تُحتل، والبيوت قد تُهدم، والأعمار قد تمضي، لكن الذاكرة لا تُقتلع، والحنين لا يموت، وقلب الأم سيظل يفتش بين الوجوه عن ابنها... حتى آخر العمر.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة
- من جامعة بيت لحم إلى فجر الخليل: نزار بنات وفايز دويك في موا ...
- نزار بنات، غسّان كنفاني، ناجي العلي: حين يُغتال الصّوت ولا ت ...
- نزار بنات... حكاية عمرٍ بدأت بابتسامة وانتهت بوجعٍ لا ينتهي
- نزار بنات: الذين يشبهون الحقيقة لا يعيشون طويلاً
- الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟
- مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات
- بين خليل الأب وخليل الابن... حكاية وفاء في سيرة الشهيد نزار ...
- حين يعود الحجيج... وتبقى غزة ومخيماتها في موسم الألم
- غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
- نزيه القبرصلي... الشهيد الذي كبر قبل أوانه
- غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها
- من النكبة إلى اتفاقيات التطبيع: فلسطين وحيدة في آخر الطريق


المزيد.....




- زيلينسكي يُقيل رئيس الأركان في أعقاب احتجاجات على الإطاحة بو ...
- وزير دفاع أمريكا يكشف -التكلفة التقديرية- لحرب إيران
- جدل في بريطانيا حول تعيينات بورنهام
- ترامب: لم يتم الانتهاء بعد من ضرب إيران.. و-سنتولى أمر الحوث ...
- -رويترز-: ناقلتا نفط سعودي تعودان أدراجهما مع تدخل الحوثيين ...
- الجيش اللبناني: الوحدات العسكرية دخلت بلدة زوطر الغربية ولم ...
- -عصف الرادارات-.. الحرس الثوري يعلن تدمير منظومات إنذار مبكر ...
- كيف تحمي الأطفال من الجفاف في الصيف؟.. طبيب يكشف العلامات ال ...
- مباحثات مصرية إماراتية في أبوظبي تزامنا مع التصعيد الجديد في ...
- رحلة لقاذفات تو-95 الاستراتيجية الروسية


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن