أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - ذياب مهدي آل غلام، أو حين تصبح الذاكرة آخر الأوطان















المزيد.....

ذياب مهدي آل غلام، أو حين تصبح الذاكرة آخر الأوطان


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 16:54
المحور: الادب والفن
    


يا هذا، إن الناس يظنون أن الحروب تنتهي إذا سكتت المدافع، وأحسب أنهم لم ينظروا إلى وجوه الذين عادوا منها، فإن الحرب إذا خرجت من الأرض دخلت في الإنسان، وإذا غادرت الخندق أقامت في القلب، وإذا انطفأت نارها في الميدان بقي رمادها في الذاكرة. ومن رام أن يعرف حقيقة الحرب، فلا يسأل الجنرالات عن خرائطهم، ولا المؤرخين عن تواريخهم، بل يسأل شاعراً عاد منها، أو رساماً حملها في ألوانه، فإن الشعر والرسم يرويان ما تعجز عنه البلاغات العسكرية، ويقولان ما تخفيه البيانات الرسمية. ومن هؤلاء ذياب مهدي آل غلام، النجفي الذي خرج من المدينة حاملاً نخيلها، وعاد إليها حاملاً أعماراً كاملة من الأسئلة. رجل اجتمعت فيه صنائع ثلاثة، فكان جندياً على غير رغبة، وفناناً على سجيته، وشاعراً على قدر ما في القلب من وجع. وما اجتمع هذا كله في إنسان إلا صار للذاكرة عنده سلطان، وللماضي في نفسه مجلس لا ينفض. ولقد رأيت أن الرجل كلما كتب حادثة من حياته، لم يكن يكتبها ليحدث الناس بما جرى، وإنما كان يستخرج من الواقعة معناها، ومن اللقاء دلالته، ومن الإنسان حكايته. ولذلك لا تقرأ له حادثة إلا وجدت خلفها زمناً كاملاً، ولا تقف عند شخص إلا وجدت وراءه مجتمعاً بأسره. يا هذا، ليس الفن أن ترسم الوجوه كما تراها العين، وإنما أن ترسم ما أخفته السنون عنها. وليس الشعر أن تصف الكلمات، وإنما أن ترد إلى الإنسان ما سلبته الأيام من صوته. ولذلك بقي الفنان الحق شاهداً، لا على الحوادث، بل على آثارها في الأرواح.
ومن أعجب ما ترويه الذاكرة أنها لا تحفظ الناس بحسب منازلهم، وإنما بحسب أثرهم. فقد ينسى المرء أسماء كثيرة، ولا ينسى ابتسامة رآها قبل أربعين عاماً، وقد تغيب المدن عن الخاطر، ويبقى زقاق صغير يسكن الوجدان. وكذلك كانت حكاية ذياب مع أنوير وريمة، فإنها ليست حكاية رجل التقى امرأة بعد طول غياب، وإنما حكاية زمنين وقفا وجهاً لوجه، ينظر أحدهما إلى الآخر في دهشة لا يملك لها تفسيراً. خرج الجندي في ثمانينيات القرن الماضي إلى حرب لم يخترها، شأن آلاف الشباب العراقيين الذين وجدوا أنفسهم بين بندقية لا يعرفون سببها، وخندق لا يعرفون نهايته. وهناك، في أقصى الجنوب، لم تكن البنادق وحدها تجمع الناس، بل كانت الحاجة إلى رفيق تخفف قسوة الأيام. ومن هذه الحاجة وُلدت صداقة مع أنوير، ذلك الشاب البسيط الذي لم يكن يحمل من الدنيا إلا قلباً صافياً، وحياءً يسبق كلماته. وكان الإنسان يومذاك يعرف الإنسان قبل أن يعرف اسمه. فالخندق يزيل الفوارق التي تصنعها المدن، والخوف يختصر المسافات بين الغرباء، والجوع يجعل الأرغفة أعدل من كثير من القوانين. وهناك تعلّم ذياب أن العراق ليس مدينة واحدة، ولا طبقة واحدة، ولا هيئة واحدة، بل وجوه كثيرة، إذا اجتمعت صارت وطناً.

ثم انقضت الأعوام، وانقلبت الدول، وتغيرت الحكومات، وتبدلت الشعارات، وظل الزمن يعمل عمله في البشر. وللزمن عادة لا يحيد عنها، فإنه لا يكتفي بتغيير الوجوه، بل يبدل معاني الأشياء أيضاً. فالدار التي كانت عامرة تصبح أطلالاً، والطريق الذي كان مزدحماً يصير موحشاً، والإنسان الذي كان يملأ المكان حضوراً يغدو يبحث عن موضع يقف فيه. ولذلك كان اللقاء في الديوانية سنة 2019 أشبه بمحاكمة صامتة للتاريخ. لم يكن السوق هو السوق الذي عرفه الناس، ولم يكن الناس هم الناس الذين خرجوا منه قبل عقود. كان الفقر قد سبق الجميع، وجلس على الأرصفة، وصار جزءاً من المشهد اليومي حتى ألفته العيون. هناك وقف ذياب، لا لأن امرأة طلبت صدقة، بل لأن الذاكرة سبقت البصر. رأى وجهاً يعرفه، لكن الزمن وضع بينه وبين ملامحه طبقات من التعب. وأخذ يسأل نفسه قبل أن يسألها، أهذه هي، أم أن الشبه يصنع أوهاماً؟ فإن الإنسان إذا اشتدت عليه المفاجأة، أنكر ما تراه عيناه حتى يصدقه قلبه. ولما نطق بالاسم، عاد أربعون عاماً في لحظة واحدة. ولم يكن الاسم مجرد حروف، بل كان باباً فتحته الذاكرة، فخرجت منه الأصوات والوجوه والضحكات، وعادت رائحة التراب في السواتر، وأصوات الجنود عند المغيب، وأحلام الشباب التي لم تبلغ أوانها. يا هذا، ما أقسى أن يتعرف الإنسان إلى الماضي، ثم يراه عاجزاً عن إنقاذ أصحابه.
وليس أشد على النفس من أن ترى الجمال وهو يصارع الفاقة. فإن الفقر لا يغير الملامح وحدها، بل يرهق الكرامة، ويثقل الخطوات، ويجعل الإنسان يحمل هم يومه قبل أن يحمل أحلام غده. ومع ذلك بقي في ريمة شيء لم تستطع السنون أن تمحوه، هو ذلك الوقار الذي يمنحه الصبر، وذلك الصفاء الذي يولد بعد كثرة البلاء. وهنا تظهر عين الفنان. فإن غيره رأى امرأة أثقلها العمر، أما هو فرأى تاريخاً كاملاً يختبئ في قسمات الوجه. رأى طفلة كانت تضحك، وشابة كانت تحلم، وأماً حملت أثقال الحياة، وإنسانة لم تفقد إنسانيتها رغم قسوة الطريق. ذلك هو الفرق بين من ينظر بعينه، ومن ينظر بذاكرته. وقديماً قيل إن العين ترى الظاهر، أما القلب فيرى الأثر. وأحسب أن الفنان لا يعيش إلا بالأثر، لأنه يدرك أن الأشياء لا تقاس بما كانت عليه، وإنما بما بقي منها في النفوس. وليس أنوير في هذه الحكاية شخصاً بعينه، بل هو صورة لجيل كامل خرج من الحرب بغير ما دخل إليها. دخلها شاباً يحمل مستقبله، وخرج منها يحمل ماضيه. دخلها ممتلئاً بالأمنيات، وخرج منها مكتفياً بأن يبقى على قيد الحياة. ثم جاءت السنوات التالية، فزادته من أثقالها حتى صار يشيخ قبل أوانه. ولم يكن ذلك شأنه وحده، بل شأن آلاف العراقيين الذين حملوا الوطن على أكتافهم، ثم وجدوا أنفسهم بعد عقود يحملون هموم المعيشة وحدهم. وهكذا تصبح الحكاية الفردية مرآة لحكاية جماعية. فالكاتب الذي يحسن الإصغاء إلى إنسان واحد، يكتب عن شعب كامل. والفنان الذي يرسم وجهاً واحداً بإخلاص، يرسم أمة بأسرها.
ولعل أجمل ما في ذياب أنه لم يحول اللقاء إلى شكوى، ولم يجعله مناسبة لإدانة الأشخاص، بل جعله سؤالاً أخلاقياً عن الزمن نفسه. كيف يستطيع التاريخ أن يأخذ من الإنسان كل هذا، ثم يطالبه أن يواصل الحياة كأن شيئاً لم يكن؟ وكيف يصبح الذين صنعوا الفرح يوماً، غرباء في بلادهم، يبحثون عن يد تمتد إليهم؟ يا هذا، إن الغربة ليست أن تبتعد عن وطنك، بل أن يبتعد وطنك عنك. والغريب ليس من قطع الحدود، وإنما من وقف في المكان الذي ولد فيه فلم يعرفه، أو عرفه فلم يعرفه الناس. ولذلك كان ذياب، وهو يغادر الديوانية، يحمل وجعاً أكبر من وجع اللقاء. لقد أدرك أن الذاكرة تحفظ الناس كما كانوا، أما الحياة فتسير بهم كما تشاء. وما بين الصورتين يولد الحزن الذي لا تصفه الكلمات. ولئن كان ذياب شاعراً، فإن لوحاته لا تقل شعراً عن قصائده. فهو لا يرسم الألوان لتملأ الفراغ، وإنما يجعل اللون شاهداً على التجربة، ويترك للخطوط أن تقول ما تعجز عنه اللغة. وهكذا تتكامل عنده الكلمة مع الصورة، فلا تعرف أهو يرسم القصيدة، أم يكتب اللوحة. وهذا شأن الفنان الحق، فإنه لا يفصل بين الفنون، لأن مصدرها واحد، وهو القلب إذا امتلأ بالتجربة، والعقل إذا تأملها، والضمير إذا أبى أن يتركها تضيع. ولذلك فإن قراءة ذياب ليست قراءة سيرة شخصية، بل قراءة لمرحلة عراقية كاملة، تعاقبت عليها الحروب، والحصار، والانكسارات، والهجرات، ثم بقي فيها الإنسان يحاول أن يحتفظ بما بقي له من ذاكرة.
يا هذا، إن الأمم تحفظ نفسها بالمباني حيناً، وتحفظها بالوثائق حيناً، لكنها لا تبقى حية إلا إذا حفظت ذاكرتها الإنسانية. والذاكرة لا يسجلها المؤرخ وحده، بل يحرسها الشاعر، ويرسمها الفنان، ويرويها الحكاء الذي يرفض أن يسمح للسنين بأن تمحو وجوه الناس. ولهذا أرى أن ذياب مهدي آل غلام لم يكن يكتب عن ريمة، ولا عن أنوير، ولا عن نفسه وحده، وإنما كان يكتب عن العراق الذي يسكن هؤلاء جميعاً. عراق عرف الفرح كما عرف الفجيعة، وعرف الجمال كما عرف الخراب، وعرف الإنسان قبل أن تعرفه السياسات. وتلك هي قيمة الأدب حين يصدق مع نفسه. فإنه لا يغير الماضي، لكنه يمنع النسيان. ولا يعيد الراحلين، لكنه يحفظ أسماءهم من السقوط. ولا يوقف الزمن، لكنه يجعل الإنسان يقف أمامه لحظة، ويتأمل ما صنعه بالأماكن والوجوه والقلوب. وإذا كان لكل فنان لوحة أخيرة يتركها للأيام، فإن أجمل لوحة يتركها ذياب ليست مرسومة على قماش، ولا مكتوبة في ديوان، وإنما هي هذا الإيمان العنيد بأن الإنسان، مهما أثقلته الحروب، ومهما أنهكه الفقر، ومهما طال عليه الغياب، يبقى جديراً بأن يُروى، وجديراً بأن يُتذكر، وجديراً بأن يُنصت إليه. ومن هنا تبدأ مهمة الفن، وتنتهي.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية الوثيقة والتفسير في مشروع المؤرخ غسان متعب الهيتي نحو ...
- الرابع عشر من تموز... حين يتحول السؤال الخاطئ إلى معركة لا ت ...
- صادق ياسين الحلو، المؤرخ الذي ربى العقول قبل أن يكتب التاريخ
- برفسور عبد الأمير كاظم زاهد، سيرة عقل يبحث عن المعنى
- دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق
- دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي م ...
- عبد الأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع
- الشاعر فرج الحطاب؛ كرامة الهامش
- الجنة بوصفها معرفة: قراءة إبستمولوجية في تشكّل الأمل الديني
- من عزلة الكائن إلى يقين المعنى: قراءة معرفية في قصيدة سلام ا ...
- صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا
- الدولة بوصفها شركة التعاقد الجائر مع الدولة لا يمكن أن تكون ...
- الناي الذي بكى على العراق شوقي كريم حسن وثقافة لا تُباع في س ...
- حين تتحول اللغة إلى متاهة: قراءة في -نبؤات- لكواكب الساعدي
- حين يغيب حرّاس الذاكرة مناشدة إلى عماد مجيد المولى الذي ترك ...
- إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص


المزيد.....




- محور الإمبراطورية.. سجل المؤامرات والنفوذ في تاريخ العلاقات ...
- يكاترينبورغ تستضيف قراءات علمية حول تاريخ آل رومانوف ومشاريع ...
- افتتاح معرض في يكاترينبورغ يوثق مراسم تتويج القياصرة الروس ف ...
- خلف كواليس العروض الخطرة والمرحة في عاصمة السيرك العالمية بأ ...
- موسكو تستضيف أكثر من 80 منحوتة لستيبان إرزيا.. أحد أبرز نحات ...
- من الموسيقى إلى التجسس.. كيف تتحول السماعات اللاسلكية إلى ثغ ...
- لقاء بوتين ونيقولاييف: ياقوتيا توسّع حضورها الثقافي بمشاريع ...
- زاخاروفا: روسيا تحافظ على إرث الثقافة الغربية باعتباره جزءا ...
- المصور الفلسطيني فايز أبو رميلة يشارك في مهرجان البندقية الس ...
- مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - ذياب مهدي آل غلام، أو حين تصبح الذاكرة آخر الأوطان