أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الهنداوي - ثقافة الانتباه














المزيد.....

ثقافة الانتباه


جمال الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 01:31
المحور: قضايا ثقافية
    


قد تكون زيارة سريعة تكفي، وليس عليك إلا أن تمر في شارع المتنبي إحدى صباحات الجمعة، لتصل الى نتيجة أن كل الأمور على ما يرام، مظاهر احتفالية واضحة، وجوه كثيرة، كتب تملأ الأرصفة، المقاهي تضج بالأحاديث، والهواتف لا تكف عن التقاط الصور.. ما المطلوب بعد كل هذا لنقول إن الثقافة بخير.
مشهد كهذا يبدو بالتأكيد باعثًا على الاطمئنان، فالثقافة ما زالت قادرة على جمع الناس حولها..والقراء ما زالوا يتجمعون تحت سقف الكلمة، المعارض تتوالى، والمهرجانات لا تنقطع، وحفلات توقيع الكتب تكاد تصبح تقليدًا أسبوعيًا، والجوائز تتكاثر، وصفحات التواصل الاجتماعي تمتلئ بصور الأدباء والفنانين والناشرين..
لكن، ، كما في كل جمعة ، ما إن ينتهي النهار حتى يعود السؤال الى نفس منواله القديم، هل لدينا نشاط ثقافي؟ هل ما نراه ازدهارًا ثقافيًا، أم ازدهارًا لشكل الثقافة؟هنا قد تبدو الإجابة تبدو واضحة اعتمادا على الصورة.. ولكن يبقى هناك الهاجس الذي قد يطرأ على اذهان الجميع، هل اتساع المشهد الثقافي يعني بالضرورة اتساع الثقافة؟
وللأسف ، فإن بين الأمرين مسافة ليست قصيرة.
من نافل القول إننا نجحنا، إلى حد بعيد، في صناعة مشهد ثقافي لافت، خاصة مع مأسسة العديد من الفعاليات الثقافية وتشبيكها بمنظومة الاستثمار الممولة من القطاع الخاص، لكننا لا يمكن أن ندعي أننا تمكنا بالقدر نفسه في صناعة قارئ جديد، أو توسيع دائرة الوعي، أو تحويل الثقافة إلى جزء من الحياة اليومية.. بل يمكن أن نقول أصبحنا نستهلك الثقافة بوصفها حدثًا، أكثر مما نعيشها بوصفها ممارسة.
وهنا لا نقصد التقليل من قيمة هذا الحضور، فمن حيث المبدأ ، كل تجمع حول الكتاب يستحق الاحتفاء والأشادة، لكن القلق يبدأ عندما يصبح الحدث أهم من أثره، والصورة أهم من الفكرة، والأكثر ارباكا ، حين يصبح الوجود في المشهد الثقافي أكثر أهمية من المشاركة في صنعه.. خاصة في بلد أنهكته الحروب والتحولات السياسية والاقتصادية، مثل العراق ، فالثقافة هنا تصبح وسيلة لصون الذاكرة والهوية من التآكل، وحماية الإنسان من أن يصبح مجرد رقم في سجل الأزمات، وهذا ما يجعلها تتجاوز بكثير دورها كنشاط نخبوي أو فعل جمالي؛ لتكون إحدى ضرورات البقاء.
لقد تغيرت علاقتنا بالثقافة من حيث لا نشعر. كان الكتاب، في زمن قريب، بداية لحوار طويل مع الذات، أما اليوم فقد أصبح، في أحيان كثيرة، جزءًا من مشهد يُلتقط وينشر ثم يُطوى مع نهاية اليوم. وصارت معارض الكتب، والندوات، وحفلات التوقيع، محطات لإثبات الحضور الاجتماعي أكثر بكثير من كونها فضاءات للمعرفة.
لقد دخلت الثقافة، مثل غيرها، عصر اقتصاد الانتباه؛ ذلك العصر الذي أصبحت فيه قيمة الأشياء تُقاس بقدرتها على جذب الأنظار، لا بقدرتها على البقاء في الذاكرة. الفعالية الثقافية اصبحت حدثًا إعلاميًا، نجاحها يقاس بعدد الحضور، وعدد الصور المنشورة، وعدد المشاهدات، بينما بقي الأهم خارج الحسابات: ماذا بقي بعد انتهاء الحدث؟
هذه ليست مسؤولية الجمهور وحده، ولا المؤسسة الثقافية وحدها، بل هي نتيجة منظومة كاملة أعادت تعريف النجاح الثقافي. فالجهة المنظمة تبحث عن مهرجان أكبر، والإعلام يبحث عن صورة أكثر جاذبية، والمشارك يبحث عن حضور أوسع، والكاتب يبحث عن انتشار أسرع، حتى أصبح الجميع يدور، بقصد أو من دون قصد، داخل دائرة إنتاج الحدث، بينما تراجع الاستثمار في إنتاج الأثر. أي أن المشكلة ليست في غياب النشاط، وإنما في غياب المشروع؛ إذ ثمة فرق كبير بين ثقافة تنتج حدثًا، وثقافة تصنع تحولًا.
وليس معنى ذلك أن المشهد الثقافي العراقي فقير، على العكس تمامًا. فالعراق ما زال يمتلك كتّابًا وشعراء وفنانين ومترجمين وباحثين يشكلون ثروة وطنية حقيقية. لكن هذه الطاقات ما زالت تعمل غالبًا بصورة متفرقة، بينما يغيب المشروع الثقافي الذي يحول الجهود الفردية إلى أثر اجتماعي مستدام.. المشهد الثقافي العراقي اليوم يبدو وكأنه يتحرك خارج إيقاع المجتمع. فالمعارض تُقام، والكتب تصدر، والمهرجانات تتكرر، لكن أثرها في الوعي العام يتضاءل عامًا بعد آخر..
ولهذا فإن أخطر ما قد نواجهه ليس ضعف الثقافة، بل الاكتفاء بصورة توحي بأنها بخير. فالمشهد قد يكون مزدحمًا، بينما المكتبات تخلو من القراء. والاحتفالات قد تتكاثر، في ظل تراجع عادة القراءة. وقد ترتفع أعداد الإصدارات، فيما يضيق عدد من يقرؤها فعلًا.
ولا ينبغي أن ننظر إلى هذا التحول بوصفه قدرًا لا يمكن مقاومته. فما زال العراق يمتلك رصيدًا هائلًا من المبدعين، والقراء، ودور النشر، والمبادرات الشبابية، وما زال شارع المتنبي، والمكتبات، والمراكز الثقافية، قادرة على أن تستعيد دورها، إذا انتقل اهتمامها من صناعة الحدث إلى صناعة الأثر.
لسنا بحاجة إلى مهرجانات أقل، بل إلى تأثير أكبر. ولسنا بحاجة إلى صور أكثر، بل إلى قراء أكثر. ولسنا بحاجة إلى أن نجعل الثقافة أكثر صخبًا، بل أكثر حضورًا في المدرسة، والجامعة، والبيت، والشارع.
فالثقافة، في نهاية الأمر، ليست ما يحدث على المنصة، بل ما يبقى في العقول بعد أن تُطفأ الأنوار، ويغادر الجميع القاعة.
إننا بحاجة إلى مشروع يعيد الاعتبار لفعل القراءة، وللنقد، وللمكتبة المدرسية، وللمسرح، وللمجلة الثقافية، وللأسئلة التي تزعج العقول قبل أن ترضيها. فالثقافة لا تُقاس بما يقال عنها، بل بما تفعله في الإنسان. وهي لا تنمو بالتصفيق، بل بالشك، وبالفضول، وبالرغبة الدائمة في اكتشاف ما نجهله.
فالأمم لا تفقد ثقافتها حين تتوقف عن إقامة المهرجانات، بل حين تكتفي بالمهرجانات، وتنسى أن الثقافة تبدأ بعد أن ينفض الجمع، وتُطفأ الأضواء، ويجلس إنسان وحيد أمام كتاب، باحثًا عن معنى جديد للحياة.



#جمال_الهنداوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحت مقص الحلاق
- أرشيف الظلال
- (ظاهرة) أحمديان
- ليس بالمال وحده تصنع الدراما
- الكلمة الضرار
- ناقل الكفر
- موقعة (ألكا)
- الصفق في بازار الكتب
- حقيبة (أم مكة)
- التطبيع الثقافي .. حقاً؟؟
- العطر
- ما بعد (غزة).. ليس كما قبلها
- كلام في الحداثة
- موسم الرياض لأهل الرياض.. ما الخطأ في ذلك؟
- اختبار الضمير
- أنتخاب.. أم تزكية
- المال والثقافة
- أمريكا وأيران.. والعرب بينهما
- (سيلفي) خلف النعش
- حديث الدراما


المزيد.....




- -فارس-: إيران أجلت طاقم ناقلة بعد اصطدامها بسفينة أخرى في مض ...
- المشهد يزداد اشتعالًا في الشرق الأوسط: واشنطن وطهران تتبادلا ...
- إيران: نظام القوى الجديد بعد علي خامنئي
- بطاريات الشحن المحمولة.. خطر صامت يؤرق شركات الطيران
- استطلاع: تراجع دعم أردوغان داخل بعض قواعد التحالف الحاكم
- الولايات المتحدة توسع عقوباتها على كيانات حكومية في كوبا
- الدفاع الروسية: استهداف منشآت للصناعات العسكرية في كييف ومين ...
- بلومبرغ: توقف حركة السفن بشكل شبه كامل في هرمز
- ترامب يلقي خطابا الخميس حول معلومات استخباراتية وثغرات أجهزة ...
- رغم مصرعه.. أمير عربي ينتصر على إمبراطور روماني!


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الهنداوي - ثقافة الانتباه