أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الهنداوي - تحت مقص الحلاق














المزيد.....

تحت مقص الحلاق


جمال الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 00:49
المحور: قضايا ثقافية
    


ما زلت أذكر مشواري ذاك كأنَّه الأمس، وكذلك طول الطريق الذي قطعته في تلك الظهيرة، فقد كانت المسافة بعيدة بعض الشيء، ولكني كنت متلهفًا لزيارة هذا المكان تحديدًا، لا لأنَّ الحلاقة لا تُنجز في مكانٍ أقرب، بل لأنَّني لم أكن يومها أسعى إلى كرسي أومقصّ ، بل لطبقة من الزمن كانت ما تزال معلّقةً هناك على الجدران.. محلّ صغير في قلب الحيدر خانة، مكتوب على واجهته محلّ الحلاق "حكمت الحلي"(رحمه الله)، الذي عُرف يومًا بـ"حلاق الملوك والباشوات"،
لم يكن الأمر مجرد انتظار لحلاقة، بل كان نوعًا من الإصغاء.. للحوار مع الخشب القديم، لظلّ المقص، لفراغٍ يبدو وكأنَّه ما يزال يحتفظ بأصوات من جلسوا قبلي. كان في داخلي يقينٌ غامض أن المكان لا يزال يتذكر، حتى لو تغيّر العالم من حوله..أردت أن أكون تحت المقص الذي مر على رأس الملك فيصل الثاني ، وأن أمر من العتبة ذاتها التي عبرها عبد الكريم قاسم، وأن أجلس على الكرسي الذي مر عليه كل رجالات البلد وقتها، أن أستعيد التجربة كما مرّ عايشها أولئك الذين صاروا أسماء في الأخبار والكتب والذاكرة، وأن أستحضر، ولو على سبيل الوهم الجميل، صلةً خافتةً مع المكان حين كان حيًّا بوظيفته الأولى. فالمكان لم يكن يقدّم خدمةً بقدر ما كان يمنح طقسًا من الذاكرة، وفعلًا كدت يومها مع حديث السيد الحلي العذب أحس بمرور الباشا بسيارته من المكان، ويومها، وإنْ كنت خرجت بقصة غير ملائمة لعمري، ولكن كل شعرة سقطت من رأسي كانت تشبه ورقةً من تاريخٍ شخصي وجمعي يتهاوى بهدوء.
نفس المكان ، ولكن بزيارة أقرب ، أضحت تحمل من الأسى أكثر بكثير مما يمكن ان تحمله من الذاكرة، فالمحلّ الذي كان نافذةً على تاريخٍ اجتماعي وسياسي محتدم، تحوّل إلى مخزن تجاري بسيط.. جدرانه التي كانت تحفظ حكايات الناس، باتت تخزن أشياء بلا حكايات. لم يعد الكرسي شاهدًا، بقدر كونه قطعة مهملة داخل فراغٍ وظيفي جديد، كأنَّما أُخرج المكان من سيرته الذاتية قسرًا، وأُلبس هوية لا تشبهه.
هنا يصبح السؤال أعمق من مجرد تغيير وظيفة المكان، إنَّه سؤال يتعلق ببنية الذاكرة الجمعية ذاتها.. فالمكان التراثي، الشاهد، ليس جدرانًا قديمةً قابلةً لإعادة التوظيف حسب الحاجة، بل هو وعاءٌ للخبرة الإنسانية المشتركة، ومؤسسة غير مكتوبة تحفظ ذاكرة المجتمع من التبدد..مما يجعل الحفاظ على هذا النوع من الأمكنة ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لحماية الذاكرة وضمان استمرارية الوعي الجمعي للشعب
حين يُغيَّر المكان جذريًا، لا يُزال مبنى فحسب، بل تُقطع سلسلة من المعاني التي تربط الناس بتاريخهم غير الرسمي. وتفقد الذاكرة الجمعية أحد روافعها الحسية، لتتحول إلى سردية مجردة، منفصلة عن الأرض التي نشأت فيها، لا تجد أماكنها، تفقد قدرتها على التأثير، وتصبح أقرب إلى الحكاية النظرية منها إلى التجربة الحية.. وهنا قد تبدأ المشكلة الحقيقية، حين يُختزل التراث إلى "موقع قابل للاستثمار" ، ويُعاد تعريف الذاكرة بوصفها "مساحة قابلة للتأجير" ..
إنَّ تحويل الأماكن التراثية إلى مطاعم أو مقاهٍ أو مشاريع تجارية لا يبدو، في ظاهره، إلا محاولة لإنقاذها. لكنَّه في كثير من الحالات يتحول إلى نوع من التزييف الهادئ، إذ يُستبقى الشكل ويُمحى المعنى، حيث تُحفظ الواجهة ويُهدم الدور التاريخي والمعنوي للمكان.. فليس كل تراث يصلح لأن يُستهلك..هناك بعض الأماكن لا تحتمل أن تُقلب وظيفتها من دون أن تفقد روحها بالكامل.. كـ"القشلة" مثلًا، المكان الذي شهد تتويج الملك فيصل الأول، وكان قبلها مقرًا للوالي العثماني ولأول حكومة عراقية وطنية بعدها، لا يمكن أن يمسخ ليتحول إلى طاولات متناثرة وأراكيل وقوائم طعام متنوعة، فهو مثل دكانة حلاق مثل "حكمت الحلي" ، ليس ديكورًا قديمًا يمكن إعادة توظيفه، بل كان بنيةً اجتماعيةً صغيرةً، كان جزءًا من شبكة علاقات، ومن سردية مدينة، ومن ذاكرة طبقية وثقافية معقدة.
والأخطر من ذلك هو استنساخ نماذج خارجية بلا مساءلة. فبعض التجارب في مدن العالم حوّلت المصانع القديمة أو البيوت التراثية إلى مقاهٍ فنيةٍ أو فضاءات ثقافية، لكنَّها فعلت ذلك ضمن سياقات مختلفة تمامًا، دعم مؤسساتي، ووعي مجتمعي بالذاكرة، وتوثيق دقيق للوظيفة الأصلية قبل تغييرها. أما حين يُنقل النموذج إلى بيئة مختلفة بلا شروطها، فيتحول إلى قشرة زخرفية لا تحمل إلا اسم "التراث" دون جوهره.
لا يمكننا أن نعد المشكلة تتلخص في الاستثمار بحد ذاته، ولا في ذلك العنوان البراق حول تعظيم الموارد، بل في غياب السؤال المنطقي حول ماذا نخسر حين نربح المكان اقتصاديًا؟ هل نربح حقًا حين نفقد ذاكرة المكان؟ وهل يمكن للكرسي القديم أن يتحول إلى ديكور لمقهى دون أن يُقتل ما كان يمثله؟
المكان التراثي ليس حجرًا فقط، بل هو علاقة بين الإنسان وزمنه، وهو أحد أعمدة الذاكرة الجمعية الملموسة.. وحين تنقطع هذه العلاقة، لا نفقد مكانًا فحسب، بل نفقد طريقةً في تذكّر أنفسنا. تصبح الذاكرة حينها أقل تأثيرًا، لأنَّها بلا جسدٍ مكاني يثبتها في الواقع ويمنحها الاستمرار.
ربما ما نحتاجه اليوم ليس إعادة توظيف التراث بقدر ما نحتاج إلى إعادة احترامه أولًا. أن نترك لبعض الأماكن حقها في أن تبقى كما كانت، حتى لو بدت غير "مربحة"، لأنَّ قيمتها ليست في دخلها، بل في قدرتها على حفظ ما لا يُعوّض.
حين خرجتُ وقتها من مخزن "حكمت الحلي" السابق، شعرت أنَّني لم أغادر مكانًا، بل غادرت طبقة من الزمن أُغلقت فجأة. وبقي السؤال معلقًا مثل مقصٍّ قديم: من يحق له أن يغيّر ذاكرة المدن؟ ومن يقرر أن الذاكرة لم تعد صالحة للاستخدام؟



#جمال_الهنداوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أرشيف الظلال
- (ظاهرة) أحمديان
- ليس بالمال وحده تصنع الدراما
- الكلمة الضرار
- ناقل الكفر
- موقعة (ألكا)
- الصفق في بازار الكتب
- حقيبة (أم مكة)
- التطبيع الثقافي .. حقاً؟؟
- العطر
- ما بعد (غزة).. ليس كما قبلها
- كلام في الحداثة
- موسم الرياض لأهل الرياض.. ما الخطأ في ذلك؟
- اختبار الضمير
- أنتخاب.. أم تزكية
- المال والثقافة
- أمريكا وأيران.. والعرب بينهما
- (سيلفي) خلف النعش
- حديث الدراما
- معاوية..درامياً


المزيد.....




- وسائل إعلام تكشف عن خطط واشنطن لإنفاق 500 مليون دولار من الأ ...
- لقطات توثق لحظة وقوع زلزال كبير بشمال ولاية كاليفورنيا الأمر ...
- -إيران تدعم حماس-.. عباس عراقجي: حرب غزة ستُطرح في المحادثات ...
- القوات الإسرائيلية تقتل فلسطينياً في الضفة الغربية.. وسموتري ...
- -القهوة وقشور جوز الهند-.. البنتاغون يختبر تصنيع ذخائر من مو ...
- روبيو يطمئن قادة الخليج: واشنطن لن تتخذ أي خطوة تمس أمن حلفا ...
- أوروبا.. عودة واشنطن والملف الأوكراني
- ترامب يدخل في مشادة كلامية حادة تخللها صراخ مع سيناتور جمهور ...
- طائرة روسية بأنظمة ومحركات محلية بالكامل
- عراقجي وبن فرحان يبحثان هاتفيا مستجدات المفاوضات الأمريكية ا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الهنداوي - تحت مقص الحلاق