أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الهنداوي - ليس بالمال وحده تصنع الدراما














المزيد.....

ليس بالمال وحده تصنع الدراما


جمال الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 22:30
المحور: قضايا ثقافية
    


من الممكن عده حتما.. أو روتينا علينا أن نكابده كل شهر رمضان، وأنه أصبح لزاما علينا كل موسمٍ دراميٍّ أن نناقش عملا إشكاليا تبثه قناة معينة –بالذات- ، وأن نجبر على تقبل مادة إعلامية تزاحم على موقع لها في ذهن المتلقي عبر الجدل المصاحب أكثر مما تفعل عن طريق الفن..
وكان حظنا هذه السنة مع مسلسل "حمدية" الذي حضرنا محاطًا بهالة من النقاشات التي تكاد تبتلع العمل ذاته، مثيرا – قبل أن يرسّخ حضوره الفني – جدلاً يتصل بجهته المنتجة أكثر مما يتصل ببنائه الدرامي ، وكان الحديث عن التمويل أسبق من الحديث عن الجماليات.. والنوايا المكتومة اكثر من البحث عن القيمة الفنية..
وهنا قد لا يكون من المفيد افتراض حسن النية بالقناة، أو بعفوية الضجيج الذي أثير حول العمل حتى قبل أن تعرض حلقاته الأولى، وقد لا يكون من الحكمة أن نعد مثل هذا الجدل هنا ترفًا – أو تجنيا - نقديًا، بل هو سؤال مشروع عن مسؤولية الإنتاج التلفزيوني، وحدود البراءة التي يحاول البعض الاحتماء بها كلما اشتعل النقاش حول عملٍ ما.. وهل يكفي أن تعلن الجهة المنتجة براءتها من التأويلات أو الاعتراضات كي تُعفى من المسؤولية؟ أم أن الإنتاج – في جوهره – فعلٌ ثقافي واعٍ، لا يمكن أن يكون محايدًا أو بريئًا؟
بالتأكيد لن يكون كافيًا أن تقارب الجهة المنتجة الأمر على أن مسؤوليتها لا تتعدى توفير منصة عرض لعمل إبداعي عراقي أولا وأخيرا ، كتبه ومثله فنانون عراقيون ويستحضر في متنه بيئة وحيثيات مجتمع عراقي قبل كل شيء، على أن يعفيها هذا من المسؤولية الاخلاقية والقانونية التي قد تصاحب عرضه، فالإنتاج، في جوهره، قرارٌ ثقافي قبل أن يكون استثمارًا ماليًا. والمال حين يدخل الدراما لا يدخل بصفة هامشيا؛ بل إنه يعيد ترتيب الأولويات، ويصنع اختياراته، ويحدد المساحات المضيئة والمعتمة في النص والصورة.
الإشكال الأعمق في حالة "حمدية" لا يتوقف عند مساءلة الجهة المنتجة، بل يمتد إلى تضخيم العمل نفسه. فالمسلسل – مهما بلغ من حدة الطرح – لا يملك في الغالب أكثر من قدرة محدودة على إحداث الأذى الحقيقي، فأن أقصى ما يمكن أن يفعله، في أحسن أو أسوأ الأحوال، هو أثارة بعض الإزعاج. او القليل من الجدل العابر، قد يربك الذائقة أيامًا، ثم ينحسر مع موجة الموسم التالي..
وهنا قد تكون لنا أسوة – ليست حسنة بالضرورة - مع أعمال سبقت أن تفتحت لها خزائن مشايخ الساحل والصحراء، وتكلفت ما يقترب من ميزانية بعض أشهر الأفلام في العالم ، وتمتعت برعاية وحمائية رسميةعالية المستوى، وتعاملت معها بعض الكيانات على انها مسألة وجودية حدت بها لتجاوز فتاوى وثوابت راسخة، ولكنها مع هذا لم تصمد في ذاكرة المشاهد حتى حلقاتها الأخيرة.. وتبخرت من الذاكرة الجمعية للمتلقي رغم أنه ما زال يحتفظ ويردد مقولات سليم البصري ويحفظها عن ظهر قلب.. ولا أريد الذهاب إلى (أبو المكارم) أو (تفيدة) و(الحاج سلطان) لكي لا نتهم بالشيخوخة.
هنا قد تتجلى المفارقة الحقيقية في التناقض ما بين الأرقام الفلكية التي تسفح بسخاء أقرب إلى السفه، والذهاب حد المغامرة بمواجهة الصدامات القانونية أو الأخلاقية، واستدراج الرأي العام إلى اصطفافات حادة، بينما العمل ذاته – من حيث البنية الفنية – لا يستدعي كل هذا العنف الرمزي.
فإنتاج مسلسل تلفزيوني اليوم ليس بالأمر المعقّد تقنيًا. فأدوات التصوير متاحة، ومنصات العرض متعددة، والكوادر الدرامية موجودة. وكل ما يحتاجه العمل حقًا هو رؤية فنية متماسكة، وليس استعراضات إعلامية.
المؤسف أن بعض الجهات الممولة تدخل هذا الحقل مسلحة بالمال وحده، على اعتبار أن التلويح بدفاتر الصكوك كافٍ لفرض التأثير. لكن هذه الجهات غالبًا ما تخوض معارك خاسرة سلفًا، لأنها تتوهم أن الضجيج يصنع القيمة، وأن الاستفزاز يضمن الخلود. والحقيقة هي أن العمل الذي يفتقر إلى عمق فني أو ضرورة فكرية لا ينقذه التمويل، بل يضاعف هشاشته؛ إذ أن النفورالمجتمعي المسبق الذي قد يرافقه في هذه الحالة يجعله يتحول إلى قضية مؤقتة بدل أن يكون أثرًا مستدامًا.
كما أن أثر الدراما التلفزيونية، في زمن التشبع البصري والتدفق الإعلامي، بات أقل بكثير مما يتصوره المموّلون الذين يدخلون الساحة وكأنهم يخوضون معارك كبرى.. فهم يذهلون أنه كان من الممكن نوال الأكثر بسعر أرخص وجهد أقل من خلال توظيف أكثر ذكاءً للعديد من الاقلام التي تملك الكثير من البلاغة والقليل من الحياء..
في النقاش حول «حمدية» ينبغي إذن أن نميز بين مستويين: مستوى المساءلة الأخلاقية والقانونية – وهو حق مشروع للمجتمع – ومستوى التهويل الذي يمنح العمل حجمًا أكبر من طاقته. فمن الخطأ اعتبار المسلسل – أي مسلسل - حدثًا تاريخيًا، وبالتأكيد لن يكون كل جدل علامة على خطورة حقيقية. ففي الكثير من الأحيان لن يكون الكثير من الصخب ليس إلا مجرد صدى للفراغ.
ما تحتاجه الدراما ليس مزيدًا من الأموال المصحوبة بروح المعركة، بل شجاعة فنية صادقة، تعرف أن التأثير لا يُشترى، وأن الاحترام لا يُنتزع بالصدام، بل يُبنى ببطء عبر نص متقن، وأداء صادق، ورؤية تحترم وعي الجمهور. عندها فقط يصبح الإنتاج مسؤولية ثقافية حقيقية، لا مغامرة مالية فاقدة للأثر.



#جمال_الهنداوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكلمة الضرار
- ناقل الكفر
- موقعة (ألكا)
- الصفق في بازار الكتب
- حقيبة (أم مكة)
- التطبيع الثقافي .. حقاً؟؟
- العطر
- ما بعد (غزة).. ليس كما قبلها
- كلام في الحداثة
- موسم الرياض لأهل الرياض.. ما الخطأ في ذلك؟
- اختبار الضمير
- أنتخاب.. أم تزكية
- المال والثقافة
- أمريكا وأيران.. والعرب بينهما
- (سيلفي) خلف النعش
- حديث الدراما
- معاوية..درامياً
- الإعلام العربي.. بين الفشل والتواطؤ
- صراع السرديات.. معركة وجود
- كتب بلا صور


المزيد.....




- أرامل داعش في مخيم روج.. حلم بالعودة للوطن وبدء حياة جديدة
- تقرير: واشنطن بصدد سحب كامل قواتها من سوريا في غضون شهر
- إيران.. احتجاجات بالجامعات ورسائل للطلبة عبر الهاتف ونفي است ...
- صحف عالمية: أوروبا تشكك في جدوى الضغط العسكري على إيران
- مسلسل -الست موناليزا- يتصدر المشاهدات.. جدل واسع وانقسام جما ...
- قصة صادمة تهز مصر: مهندسة طاقة ذرية في الشارع بلا مأوى
- السلطة الفلسطينية: مستعدون لتولي الحكم والأمن في غزة بدعم عر ...
- -ما وراء الخبر- يتناول تعقيدات ترشيح المالكي والضغط الأمريكي ...
- السيسي ومحمد بن سلمان يبحثان التطورات الإقليمية
- واشنطن تسحب موظفين من سفارتها بلبنان وتحذر من السفر


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الهنداوي - ليس بالمال وحده تصنع الدراما