أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الهنداوي - الكلمة الضرار














المزيد.....

الكلمة الضرار


جمال الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 21:08
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس فتحا لو جادلنا في أن الكلمة على قدر قائلها، وفي زمن انتشار المنصات الرقمية وتعددها نستطيع القول إنها على قدر حضور القائل وجماهيريته وعدد متبعيه، فالكلمة.. قد تتجاوز في بعض الأحوال، كونها رايا شخصيا حد إمكانية تحولها إلى دعوة او تنظير لفعل ما له صداه وتأثيره، لا سيما حين تصدر عن مثقف أو فنان يمتلك تراكما رمزيا يضيف نوع من المصداقية على طروحاته ويسهل تقبلها على المتلقي الاقل ميلا الى التدقيق فيما يرتطم به من كلمات هذا العنوان او ذاك.
وهنا قد يكون هناك الكثير من الخفة في ذلك التبسط والشعبوية الذي يبديها بعض المثقفين فيما يقولون وينشرون دون العناية بكون هذا الهذر - غالبا- ما يتحول إلى لبنة خاطئة في تخليق وعي جمعي زائف،أو في حالات أسوأ قد يكون أساسا لمادة ضرار تحريضية قد تترجم إلى دم ودموع وتهجير واستلاب حريات..ومن هذا المنطلق، لا نعد كلامنا محاكمة أخلاقية بقدر كونه تساؤلا مشروعًا عن مسؤولية المثقف عمّا ينشره، خصوصًا حين تتقاطع الكلمة مع الدم، والمأساة الإنسانية.
لا جدال في أن الفنان أو المثقف الذي نحن بصدد الحديث عنه يمتلك أدوات تقنية عالية، ومنجزًا فنيًا لافتًا، وأفكارًا سبق أن أثارت إعجاب كثيرين، وكنتُ واحدًا منهم بالتاكيد،.. وهذا الإعجاب يعد اعترافًا بموهبة حقيقية وقدرة على الاشتغال الذكي على الفكرة والصورة. غير أن الموهبة، مهما بلغت، لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، ولا تعفيه من مسؤولية الكلمة. فالمثقف لا يُقاس فقط بما ينتجه فنيًا، بل بما يمثّله رمزيًا، وبقدرته على الحفاظ على الحدّ الأدنى من الحسّ الإنساني حين يتعلّق الأمر بمآسي الآخرين.
قد يناقش البعض أن الأمر لا يتعدى منشور في صفحة الفنان الشخصية، والتي أتحرج من الإشارة إلى ما كتبه كمحاولة خجولة في حصر الاضرار، ولكن ما جرى في ذلك المنشور لم يكن عده مجرّد تعبير عن موقف سياسي أو اختلاف أيديولوجي، بل انزلاقً واضح إلى لغة مفرطة في البذاءة، مشبعة بالتشفّي، ومجرّدة للضحايا من إنسانيتهم. والأسوأ من ذلك أن الاعتراضات الهادئة التي قوبلت بها تلك اللغة لم تُقابل بمراجعة أو صمت، بل تحوّلت إلى مناسبة إضافية للسخرية والانخراط الشخصي في الردود العدوانية.. وهنا لا نكون أمام رأي، بل أمام عنف رمزي يستخدم اللغة أداةً للإيذاء، ويحوّل المأساة الإنسانية إلى مادّة تهكّم، في كسرٍ فادح لوظيفة المثقف الأخلاقية.
إن خطورة ما حدث لا تكمن فقط في المحتوى، بل في تطبيع هذا المستوى من العنف اللفظي حين يصدر عن شخصية مؤثرة، ويُترك بلا مساءلة أو تراجع، فالمثقف، شاء أم أبى، قدوة، وصمته أو مشاركته كلاهما يعتبر موقفا لايمكن تجاوزه.. وما ينشره، كما يدور دائما في فضاء التواصل، لا يقف أثره عند حدود المنشور الأصلي. فالكلمة الأولى تفتح الباب، وتحدّد النبرة، وتصنع المناخ.. ليتحوّل بعدها المنشور إلى ما يشبه حفلة جماعية من البذاءة، يشارك فيها متابعون ومريدون استمدّوا شرعيتهم من صاحب الصفحة نفسها
الصدمة هنا ليست شخصية، ولا نابعة من اختلاف في الرأي، بل من انهيار صورة ذهنية لمثقف كان يُنتظر منه أن يكون أكثر وعيًا، وأعمق حساسية تجاه الألم الإنساني. فالاختلاف لا يبرّر التشفّي، والعداء السياسي لا يبرّر الاحتفال بالموت. وحين يسقط المثقف في هذا الامتحان، لا يخسر معركة افتراضية على منصة رقمية فحسب، بل يخسر جزءًا من رصيده الرمزي، ومن الثقة التي منحها له جمهوره بوصفه صوتًا مختلفًا عن الضجيج.
هذه المقالة ليست دعوة للإدانة، ولا مطالبة بمحاكمات أخلاقية، بل محاولة للتذكير بأن الحرية التي منحتها المنصّات الرقمية للمثقف هي ذاتها التي حمّلته مسؤولية مضاعفة. فالكلمة، حين تفقد بوصلتها الإنسانية، تتحوّل إلى أداة هدم، مهما كان قائلها موهوبًا. وربما يكون التراجع شجاعة، وربما يكون الصمت أحيانًا أبلغ من منشور، لكن المؤكد أن المثقف الحقيقي لا يُختبر في لحظات التصفيق والسعة، بل في لحظات الألم، حين يكون الانحياز للإنسان هو الموقف الوحيد الذي لا يحتاج إلى تبرير.
ربما لا تكون المشكلة في منشور كُتب على عجل، ولا في غضب عابر انفلت من لغته، بل في ما تكشفه هذه اللحظات الصغيرة عن هشاشة المعنى حين يُنزَع عنه ضميره. فالمثقف، مثل أي إنسان، قابل للخطأ، لكن الفرق أن خطأه يُرى أكثر، ويُقلَّد أسرع، ويترك أثرًا أبقى. وبين الموهبة التي تدهشنا، والكلمة التي تجرح، مساحة صامتة تستحق التأمل؛ مساحة نسأل فيها أنفسنا عن إنسانيتنا التي يجب أن لا نختلف حولها، ولا أن نلجها في خانة الذي يجوز أو لا يجوز ، مهما اشتدّ الخلاف.. وتقاطعت المذاهب والأعراق، أليس كذلك يا فرزات؟



#جمال_الهنداوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناقل الكفر
- موقعة (ألكا)
- الصفق في بازار الكتب
- حقيبة (أم مكة)
- التطبيع الثقافي .. حقاً؟؟
- العطر
- ما بعد (غزة).. ليس كما قبلها
- كلام في الحداثة
- موسم الرياض لأهل الرياض.. ما الخطأ في ذلك؟
- اختبار الضمير
- أنتخاب.. أم تزكية
- المال والثقافة
- أمريكا وأيران.. والعرب بينهما
- (سيلفي) خلف النعش
- حديث الدراما
- معاوية..درامياً
- الإعلام العربي.. بين الفشل والتواطؤ
- صراع السرديات.. معركة وجود
- كتب بلا صور
- الديكتاتورية الخوارزمية


المزيد.....




- تحقيقات فيدرالية عقب تحطم طائرة خاصة بعد إقلاعها بأمريكا.. إ ...
- لينا غطمة.. المعمارية التي تبني المستقبل من ذاكرة الماضي
- العاصفة فيرن تجتاح نحو أربعين ولاية أمريكية وعشرة ملايين شخص ...
- عقب تطورات اليمن.. السعودية تتطلع لـ -علاقات قوية- مع الإمار ...
- مقترح قانون مكافحة -الأشكال المتجددة من معاداة السامية- في ...
- أخبار اليوم: استعادة آخر رهينة تُنهي أولى مراحل وقف النار في ...
- فرنسا: -تكلموا استنكروا- كاميليا 17 عاما انتحرت لتعرضها للتن ...
- إيران: حزب الله يعتبر نفسه -مستهدفا- في أي هجوم أمريكي محتمل ...
- فيروس بلا لقاح ونسبة وفيات مرتفعة: ماذا نعرف عن نيباه؟
- نعيم قاسم: حزب الله لن يكون حياديا إذا ضُربت إيران


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الهنداوي - الكلمة الضرار