فلاح العيفاري
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 01:07
المحور:
الادب والفن
المزاح اللطيف :
في الركن البعيد في المقهى الكائن في شارع الرشيد وسط العاصمة بغداد ثمة خيوط حمراء للهيب يرقص فوق كومة من قطع الخشب , مع الدخان تأتي رائحة القهوة الزكية , التبغ الهندي العتيق يملئ رؤوس النركيلات , أو كما يسميها المصريون الشيشة , لهذا التبغ مكانة خاصة ضمن هذا التجمع الفولكلوري الجميل , نقوش على زجاج الواجهة الأمامية للمقهى يحمل في طياته تراثاً مُتْعَباً في بعض جوانبه و مُشْرِقاً في جوانب أخرى , ثورة الأمام الحسين على الظلم بدمائها و قوتها الروحية مسطّرة على السجادة الجدارية تُحفّزْ عند الناظر اليها أهمية الشعور بالكرامة و الفخر , أبَارِيق الشاي المخدّر و هي تقبع فوق السماورات الكبيرة الحجم بمعدنها المطلي بالألوان الذهبية و الفضية الجميلة تمنح الدفأ في النفوس , الهدوء و الصخب يتناوبان السيطرة على أجواء هذا المقهى البغدادي العريق , و حين يعجزان يأخذ المزاح اللطيف بين رواده دوره .
التوتر الجميل :
ليس غريباً أن يكون لهذا المقهى القديم بعض الميزاتْ الخاصة التي تمنحه بعض الخصوصية و تجعله مختلف عن الكثير من مقاهي بغداد الأخرى , عمره الطويل , قدم أثاثه , رواده , عماله الذين أمضوا سنين طوال في خدمته و صاروا و كأنهم جزءاً منه , التراث الشعبي البغدادي له حضور في كل ارجائه , حفنة السماورات المتقاعدة المركونة على الرفوف بعد خروجها من الخدمة تُشَكلُ تجمعاً لمخلفات الزمن الأصيل , كل هذا و ذاك يبعث عند المرء و للوهلة الأولى إحساس بتراص الأشياء و تماسكها في هذا المقهى , و إن كل شيء و كل شخص فيه هو جزء من صورة متكاملة غير قابلة للتجزئة , أما طبيعة المشاحنات و المشاكسات الداخلية بين رواد المقهى فلا يستطيع المرء فهمها إلا بعد مرور فترة زمنية كافية يحتاجها لتتبع دوافعها و غاياتها فهي تظهر أحياناً على شكل حوار ساخن بين رواده الذين ينتمون لأجيال مختلفة أو من خلال قهقهات عالية يطلقها شيوخ المقهى لتملئ المقهى بالتوتر الجميل تكون غايتها في الغالب السخرية مما يطرحه بعض شباب الجيل الجديد من أفكار يرونها عبثية , و احيانا أخرى بسبب نكتة مستفزّة تعبر عن الصراع بين قناعات متباينة .
مع مرور الزمن صار رواد المقهى من اجيال متعددة , و الصراع بين الأجيال له عمق خاص و كأنه صراع حضاري , فشيوخ المقهى يعتبرون الجيل الجديد و خصوصاً طلاب الكليات عبارة عن مستوطنين جدد يعملون على تغيير طبيعة الحوار الذي كان سائداً بين رواد المقهى من خلال إضافة مفردات غريبة على شيوخها منها تلك المفردات و المصطلحات المرتبطة بالفلسفة و الادب و الفن المعاصر .
ابو علي :
عصر كل يوم و مع مباشرة الشمس غروبها يدخل ابو علي المقهى حاملاً معه ابتسامته العريضة التي ترافق تحيته للجميع , فهنالك ثلاثي لا يفترقون , ابو علي و المقهى و الغروب و كأن الغروب لن يحصل دون قدوم ابو علي الى المقهى .
ابو علي موظف في احدى الدوائر الحكومية و عمره الوظيفي طويل لذا فهو على وشك الإحالة على التقاعد , لا يخفي ابو علي قلقه على سير عمل الدائرة التي يعمل فيها بعد تقاعده , فهو يشعر و كأن بدونه قد يختل عمل الدائرة , يقول لأصدقائه من رواد المقهى :
- يومياً أشرح للموظفين الأخرين في دائرتي كيف يجب أن يسير العمل بعد تقاعدي .
ابو علي هو كالأجزاء الأخرى من المقهى التي اصبح لها مكانتها الخاصة في قلوب رواده و هو من المعارضين بشدة لتغيير اثاث المقهى العتيق , يدعو دائما الى ترميم الأثاث دون احداث أي تغيير في شكله القديم , فلقد اعتاد ابو علي على كل أجزاء هذا المقهى و المقهى قد اعتاد عليه ايضاً , يكرر كثيراً قوله :
- لا يمكن أن يكون الجديد أفضل من القديم , ليس الأثاث فقط بل حتى الأخلاق القديمة الأصيلة هي الأفضل .
ابو علي ليس الوحيد الذي لا يتغيب عن المقهى إلا نادراً , فحاله كحال زملائه من الموظفين القدماء و المتقاعدين لا يختلف عنهم , و حين يغيب احدهم عن المقهى يقدم اعتذاره للجميع في اليوم التالي و يشرح لهم الظرف الصعب الذي حال دون تمكنه من الحضور , أما إن طال غياب احدهم , فلابد أن يكون قد حصل له شيء على غير ما يرام , عندها يبقى الأخرون في قلق لحين حضوره للمقهى من جديد , إن صفة الثبات و عدم الرغبة في التغيير هو امر مشترك لدى شيوخ هذا المقهى .
لوحة الشرف :
بجانب السجادة الجدارية المنقوش عليها ثورة الامام الحسين ثمة صورة لشاب لم يتجاوز عمره العشرين عام هو الشهيد احمد سلمان الذي استشهد عند نهر الاردن في عملية فدائية اشترك فيها مع فصيل من فصائل المقاومة الفلسطينية , كانت حرارة توديعه لرواد المقهى عند مغادرته الأخيرة اشد من كل مرة , ربما لأن معظم شيوخ المقهى قد شعروا بأن ذلك الغياب سيكون غياباً دائما , في ذلك الوداع الأخير تقدم ابو علي نحو أحمد سلمان بخطى ثابته يضرب بها ارضية المقهى و هو يقول له :
- اريدك تبيض وجوهنا .
- الوداع .
- مع السلامة .
انطلقت الأصوات من كل ارجاء المقهى بحماس شديد :
- مع السلامة يا بطل .
بعد ذلك الوداع بأيام صار احمد سلمان اسماً و رمزا معلقاً على هامش تاريخ المقهى .
حركة التغيير :
منذ بضعة سنين تمكن عدد من طلبة الكليات من اقتحام هذا المقهى , اقتحموه بأدواتهم المختلفة , لعبة الشطرنج التي صارت ميزة يمتاز بها هذا المقهى عن باقي مقاهي بغداد , انواع جديدة من الصحف و المجلات , كتب عن الفن و الادب المعاصر , انماطاً من الحوار في السياسة و الفلسفة و الأدب و الفن , و هكذا احتدم الصراع بين الشطرنج و لعبة طاولة النرد , بين الشعر الحر و بحور الشعر العربي التقليدي القديم , بين الفن التجريدي و الفن الملتصق بالواقع الأصيل , كان صراعاً حاداً و رائعاً لا يخلو من الجمال و المتعة .
نظرية استغلال الفرص :
ابو قاسم رجل متقاعد شكله و ملامحه غريبة نوعا ما , له وجه لرجل متعب تجاوز الستين من العمر , نحيل الجسد , عيناه يبدو عليهما دائما النعاس و التعب , انفه يبدو كبيراً بعد نحول جسده من رأسه حتى اسفل قدميه , يستخدم في صبغ شعره انواع عادية ريخصة الثمن من الأصباغ التي جعلت شعر رأسه ملون بعدة الوان أبرزها الأسود الفحمي و الحني مع ظهور الشعر الأبيض من تحت الشعر المصبوغ , فكاه مبتعدتان عن بعضهما بعض الشيء , تزداد الهوة بين فكيه عند نثره للابتسامات العريضة حال قدومه للمقهى و إلقائه للتحية لكل رواده , يلقبه البعض بصاحب القلب الطيب و هو كذلك , مشكلته المزمنة هي انه حين يضحك يصبح ضحكه متواصلاً لا يتوقف إلا عند حافة الاختناق , لقد تعود عمال المقهى على هذه الحالة , بمجرد بدء ابو قاسم الضحك يهرع احدهم لجلب الماء له لإنقاذه من الاختناق .
بعد أن تََحضر نرجيلته الخاصة يبدأ ابو قاسم لعب طاولة النرد و يحاول اسماع الجميع :
- انا استاذ لعبة طاولة النرد , انا ملك النرد .
اجابه ذات مرة قيس جميل :
- يا استاذ ابا قاسم , إن خبرتك في لعبة طاولة النرد اتت من ممارسة طويلة امدها عشرات السنين لهذه اللعبة البسيطة جداً .
غضب ابو قاسم و رد على قيس جميل :
- افضل لك الذهاب الى ذلك الحي الشعبي عبر الشارع .
- لماذا ...؟
يضحك ابو قاسم و تتباعد فكاه و يكاد يختنق من شدة الضحك و هو يقول لقيس جميل :
- كي تلعب هناك مع الأطفال .
- عفواً استاذ , كنت اقصد أنك فعلاً ملك النرد باعتراف الجميع .
قيس جميل هو أحد شباب المقهى الجدد , إلا انه استطاع بمهارة الدخول بسرعة الى عمق العلاقات الإنسانية التي تربط رواده , مشاحناته مع شيوخ المقهى مستمرة و تبعث شيء من المرح و البهجة في جو المقهى .
حين يلعب ابو قاسم طاولة النرد و يحالفه الحظ يكرر جملته الشهيرة :
- الذكاء هو القدرة على استغلال الفرص .
أما حين يسوء حظه و يخسر يتحول وجهه العابس الى لوحة حزينة , ترتجف شفتاه و يغمض عينيه من شدة الضجر , يحاول البعض استغلال مثل هذه الفرصة لتصفية حسابات سابقه مع ابي قاسم حين كان يكثر من السخرية منهم , في مثل هذه الحالة البائسة حين يخسر ابو قاسم يضعف صوته , لذلك كان يفضل الصمت الى أن يتحسن حظه ليبدأ الضحك من جديد على خصمه المهزوم في لعبة طاولة النرد , فيعيد تكرار مقولته الشهيرة عن قدرة الأذكياء على استغلال الفرص .
الرجل الغريب :
كانت الأمور في المقهى تجري بشكلها الطبيعي الى أن دخله الرجل الغريب , هو ليس غريباً في شكله بل بالعكس هو دائماُ نظيف و جميل المظهر , انيق جداً في ملابسه و في حركاته , إلا أن الغرابة كانت في طريقة تعامله مع رواد المقهى , فسلوكه كان يجلب الانتباه و الاستغراب و الحذر ايضاً , كل رواد المقهى القدماء و الجدد يتذكرون جيداً ذلك اليوم الذي دخل فيها الرجل الغريب المقهى و اغرقه في الغموض و الحيرة , كان يجلس في المقعد الخلفي لسيارته الخاصة التي يقودها سائقه الخاص , توقفت سيارته أمام المقهى , نزل منها و دخل المقهى , دون أن يسلم على أي أحد , جلس على إحدى الأريكات التي صارت في ما بعد مكان جلوسه الثابت الذي لا يتجرأ أي من رواد المقهى الجلوس عليه , و إن جلس فسيسمع عدة نصائح من باقي رواد المقهى بضرورة ترك المكان قبل أن يأتي الرجل الغريب , حال جلوس الرجل الغريب انطلقت بعض الأصوات المتفرقة و خصوصاً من شيوخ المقهى للترحيب به :
- الله بالخير .
هز الرجل الغريب رأسه هزة خفيفة كرد على تحيات رواد المقهى , تسبب هذا التصرف المتعالي و اللامبرر اشمئزاز جميع رواد المقهى و بالأخص الشيوخ منهم , بعدها قرر الجميع , الشيوخ و الشبان , اهمال هذا الرجل الغريب , فحين كان يأتي و يجلس لا يرحبون به و لا يقولون له بعد أن يجلس " الله بالخير " , لا يتحدثون معه إلا نادراً و عند الضرورة فقط .
في كل مرة , عند دخول الرجل الغريب المقهى كان الصمت يسود دائماً كل ارجائها , بخطوات ثابته يتجه الرجل الغريب صوب مكانه الخاص و حقيبته الدبلوماسية السوداء التي لا تفارقه يحملها بيده اليمنى , ينظر الى اليمين ثم الى ايسار قبل أن يجلس , يُخْرِج كتاب من حقيبته السوداء و يبدأ في القراءة , في فترة وجوده في المقهى كان الجميع يخشون الضحك أو الحديث بصوت عالي و يتوقف الحوار في ما بينهم تماما و تتوقف معه المشاحنات و المشاكسات التي كانوا قد اعتادوا عليها , حتى أن ابا قاسم كان يتوقف عن لعب طاولة النرد أثناء وجود الرجل الغريب في المقهى , من حسن حظ رواد المقهى أن الرجل الغريب كان يأتي الى المقهى مرتين فقط في الأسبوع و يبقى فيها لأقل من ساعتين , لذا صار حجم الازعاج الذي يشكله هذا الرجل الغريب لرواد المقهى محدوداً و يمكن تحمله و تجاوزه .
حالة توافق :
ابو علي بابتسامته الواسعة و روحه الطيبة شَكَلَ حلقة وصل بين الجيلين من رواد المقهى , جيل الشيوخ و الجيل الشاب , هو أول شيخ من شيوخ المقهى الذين استطاع الشباب من طلاب الكليات توثيق العلاقة معه .
لإعجاب ابو علي الشديد بالشعر العربي القديم الموزون و المقفى كان هو الضحية الأولى للنقاش الحاد بين هذين الجيلين , لم يتوقف ابو علي عن الدفاع بصرامة و حزم عن الشعر التقليدي , كان دفاعه مستميتاً لدرجة أنه كان يعتبر باقي انواع الشعر ليست بشعر إطلاقاً و إنما شكل من اشكال النثر الجميل , كان سيفه القاطع في حواره مع الشباب هو اللغة العربية الأصيلة التي يرى من خلالها عظمة و روعة بحور الشعر العربي التي لا يمكن أن تقهر , أما الشباب فسلاحهم هو ضرورة التجديد و الانتفاض على كل القيود في الشكل التي تحد من قدرة الانسان على التعبير عن احاسيسه و مشاعره , الشباب يرون أن روعة الشعر تكمن في الأحاسيس و المشاعر الإنسانية المتجسدة في مفردات الشعر الحر , بعكس شيوخ المقهى الذين يعتبرون أن الوزن و القافية هما اساس الشعر و بدون هذين الأساسين لا يجوز تسمية النص بالشعر بل هو شكل من اشكال النثر .
التبدل المدهش و الاصرار :
في البداية , كان دخول طلبة الكليات الى المقهى أمراً غير مرغوب به عند بعض شيوخ المقهى و مقبول عند البعض الآخر منهم , و كان التوتر بين الجيلين يندلع بسبب ابسط الأمور , لكن مع مرور الوقت تداخل الجيلان حتى اصبحا و كأنهما وجهان لحالة اجتماعية واحدة .
التبدل المدهش في سلوك ابي قاسم لم يكن مقبولاً لدى باقي شيوخ المقهى , ابو قاسم الذي كان لا يفوت فرصة تمكنه من السخرية من الجيل الجديد أصبح بقدرة قادر محبوباً جداً من قبل شباب المقهى , لقد تمكن الشباب من كسب ابا قاسم و سحبه من خندق الشيوخ ليكون في صفهم للدفاع عن التجديد , حيث ترك ابو قاسم الجلوس مع الشيوخ و صار يجلس بشكل مستمر مع الشباب و أبعده هذا التبدل عن لعب طاولة النرد و تعلم لعبة الشطرنج , أخذ بعض شيوخ المقهى يوجهون الى ابي قاسم كلاماً جارحاً عسى و لعل ذلك يجبره على العودة الى رشده و يعود الى جيله , احدهم قال له :
- يا ملك النرد , لمَ تركتَ مملكتك التي كنت محترماً فيها و صرت تلميذاً تتعلم لعبة الشطرنج على يد شباب اصغر من اولادك .
يرد عليهم بكل ثقة :
- انها الحتمية التاريخية .
ضحك ابو احمد عند سماعه ابو قاسم و هو يتحدث عن الحتمية التاريخية , سأل مستفسراً عن هذه الحتمية و هل هي لعبة تشبه لعبة الشطرنج .
التطلع الى المستقبل :
أعتبر بعض شيوخ المقهى انتقال ابي قاسم الى صف الجيل الجديد و تركه لعبة طاولة النرد و استبدالها بلعبة الشطرنج بمثابة خيانة لهم , فهم يعتبرون أن غاية لعبة طاولة النرد هي التسلية , و هذا ما يحتاجونه , أما لعبة الشطرنج فهي لعبة تُتعبْ دماغ الإنسان و هم بحاجة للابتعاد عن كل ما يتعبهم جسدياً أو فكرياً , قال ابو فراس , و هو اكثر الشيوخ تشبثاً بما يصفه بالأصالة و التقاليد العريقة , لأبي قاسم :
- إن غضبنا منك ليس لأنك انتقلت الى صف الجيل الجديد بل لعدم المبالات و للسرعة و للسهولة في اتخاذك هذا القرار و كأننا لم نكن اصدقائك لسنين طويلة .
- سأكرر ما قلته لكم , انها الحتمية التاريخية , و هذه الحتمية تكون في أغلب الأحيان مؤلمة .
- من الذي جعل تركك لأصدقائك و جيلك أمراً حتمياً ...؟ بصراحة أقول لك اننا حين نراك و قد اصبحت تلميذاً صغيراً يعلمك شاب بعمر اولادنا لا نحزن عليك فقط بل نحزن على انفسنا ايضاً , لقد تسبب تبدلك السريع صدمة قوية لنا , لقد أضعفتَ موقفنا أمام هؤلاء الشباب .
- اسمع يا صديقي ابا فراس , حين اكون بجانب الشباب و العب معهم الشطرنج و استمع الى الأفكار المعاصرة اشعر بأني لازلت اعيش بحيوية و نشاط و اتطلع الى المستقبل .
- مستقبل ...؟ أي مستقبل تتحدث عنه ...؟ هم شباب و يفكرون في مستقبلهم , و مستقبلهم لا علاقة له بك يا ابا قاسم .
- انك يا ابا فراس لا تؤمن بالتطور , أما انا فقد تطورت .
- براحتك يا ابا قاسم , تطور براحتك .
شطرنج البطل الشهيد :
كان لدى أحمد سلمان شطرنجه الخاص , يجلبه معه حين يأتي الى المقهى و يأخذه معه حين يغادر , لقد كان يفضل اللعب بشطرنجه الخاص لكن في أخر مرة حين غادر المقهى ترك شطرنجه في المقهى , لا شك أن الأمر لم يحدث بالصدفة أو انه نسي أن يخذه معه , إذ من المؤكد انه اراد ترك شطرنجه كهدية للمقهى بعد استشهاده .
أحمد سلمان لم يكن افضل لاعب شطرنج في المقهى إلا ان رواد المقهى يتذكرون فقط اللعبات التي فاز بها , لانهم لا يريدون أن يتصوروا ان البطل الشهيد قد خسر يوما ما , انه الفائز ابدا في نظرهم .
التحدي و الصمود :
حين يجلس ابو قاسم امام رقعة الشطرنج يحضر عدد من شيوخ المقهى للسخرية منه , يضحكون عندما يمد يده ليمسك بإحدى قطع الشطرنج , و حين يفتح فكيه المتراخية كعلامة على التفكير يزداد ضحكهم ليخلقوا حوله جواً مربكاً كي تسهل هزيمته و يزداد ضحكهم عليه , أما الطلبة فهم بعكس الشيوخ يشجعونه و يفرحون حين ينقل احدى قطع الشطرنج نقلة صحيحة و يعبرون عن أسفهم حين يخطأ و ينقل احدى قطع الشطرنج الى المكان الذي تموت فيه تلك القطعة , فيعيدها لكي ينقلها نقلة صحيحة يرضى عنها الشباب , ذات مرة غضب ابو قاسم غضباً شديداً بعد خسارته , فقال للشيوخ :
- ارجوكم دعوني العب , ابتعدوا عني , لقد خسرتُ بسببكم .
كقنبلة موقوتة انفجر ضحك شيوخ المقهى في وجه ابي قاسم بعد خسارته , فزاد غضبه و وصل لدرجة الغليان , دفعه ذلك الى اصدار قرار حاد اللهجة يقضي بمنع اي واحد من شيوخ المقهى الإقتراب منه عندما يلعب الشطرنج , اعلن هذا القرار و فكاه المتراخيان يرتجفان من عنف ثورة غضبه و كان لألوان شعر رأسه المبعثر عاملا مكملا لصورة البؤس الذي كان يعيشه بسبب معاملة اصدقائه الشيوخ القاسية له لأنه تركهم و صار في صف الجيل الجديد , بالتأكيد كان اصدار مثل هذا القرار الصعب أمراً يحز في نفسه كثيراً , إلا أن إصراره اصبح اساساً لكل تصرفاته , و هو في دوامة الحزن و الغضب أخذ يحدث نفسه بصوت مسموع :
- لا مجال للتراجع , لن اسمح لهم في تعطيل مسيرتي نحو التطور , انها مسألة مبدأ .
رد عليه ابو عبد القادر و هو رجل اكبر منه سناً و اكثر منه تجربة :
- أي مبدأ هذا الذي تتحدث عنه ...؟ , انهم اصدقائك الذين يحبونك , حاول أن تتعامل معهم بأكثر حكمة .
- أنا حر في اختيار ممارساتي في الحياة .
ضحك ابو عبد قادر عالياً , قال :
- رغم شيخوختك صرت تتحدث عن حرية الاختيار مثل اصدقائك الشباب , اصبحتَ يا ابا قاسم رجلاً خطيراً ...!
- إعلم يا صديقي ابا عبد القادر أن الشباب الحقيقي هو في الروح و ليس في الجسد .
تدخل قيس جميل , سأل ابا قاسم :
- ماذا تعلمت يا استاذ من تجربتك مع الشباب ...؟
اجابه ابو قاسم بعد أن عاد اليه هدوئه و زال عنه الضجر و الغضب :
- لقد تعلمت أمراً هاماً و هو أن الأنسان يجب أن لا يتوقف عن البحث عن ما هو افضل , التجديد في الحياة يعطي للحياة معنى .
- هل ممكن أن توضح لي أكثر ...؟
- مثلا , لعبة الشطرنج بحاجة الى تفكير مسبق قبل تحريك أي قطعة من قطع هذه اللعبة الرائعة , التفكير نشاط و غذاء لدماغ الانسان , في لعبة الشطرنج يضع اللاعب خطط للفوز , و في الحياة نحتاج دائما لخطط لمواجهة الهموم و المشاكل التي تواجهنا , إن وضع الخطط هو أمر رائع , أما لعبة طاولة النرد فتعتمد على الحظ , النجاح بعد التفكير و بعد وضع الخطط أجمل و اروع من الفوز من خلال الحظ .
- استاذ ابو قاسم , كلامك مقنع جدا .
الرجل الغريب و لعبة الشطرنج :
كبرياء الرجل الغريب منعه من الاقتراب من الشباب الذين يمارسون لعبة الشطرنج , اختار لعب الشطرنج مع نفسه , يضع رقعة الشطرنج امامه , يحرك قطعة بيضاء من قطع الشطرنج فيتبعها بتحريك قطعة سوداء , و هكذا يستمر في اللعب حتى يفوز على نفسه , قال ابو علي بصوت خافت جداً :
- انظروا لهذا الرجل الغريب انه يلعب مع نفسه , يبتسم حين يفوز على نفسه , هل هو مجنون ...؟
أجابه ابو قاسم بلهجة جادة و واضحة :
- دعوه يلعب كيفما يشاء , إنه حر , و لا تتدخلوا في ما لا يعنيكم .
- حر ...؟! صرت يا ابا قاسم تتكلم مثل بعض الشباب .
- نعم , انا عاشرت الشباب اكثر من اربعين يوماً , و مّنْ عاشر قوماً اربعين يوماً صار منهم .
- هل تقصد , انك لست منا ...؟
- لا , انا منكم و منهم .
القطيعة القاسية :
لم تتوقف سخرية بعض الشيوخ من اصرار ابي قاسم على نهجه الجديد , إلا أنهم مع مرور الوقت اقتنعوا بأن قرار ابي قاسم هو قرار نهائي و لا مجال لإجباره على التراجع , لذلك قرروا اتخاذ قرار مضاد لقرار ابي قاسم , كان قرارهم قاسي جداً حيث اتفقوا على مقاطعة ابا قاسم تماماً , أن لا يكون بينهم و بينه لا سلام و لا كلام , زعل مؤلم , لا يبادلونه التحيات , و حين يجلس بعد أن يأتي الى المقهى لا يرحبون به بالقول " الله بالخير " , انه أمر قاسي جدا على ابي قاسم , لقد اعتقدوا أنهم إن فعلوا ذلك ليوم أو ليومين سيتراجع ابو قاسم و يعود اليهم نادماً , لكن إصراره كان أكبر من عنادهم , قال و هو ينظر بغضب لأصدقائه الشيوخ :
- إن قلبي كبير , فلقد علمني عملي كموظف لمدة ثلاثين سنة على اشياء كثيرة أهمها الصبر .
لم تمضي سوى بضعة أيام حتى تراجع الشيوخ عن خصومتهم المصطنعة مع ابي قاسم و بذلك عادت علاقتهم معه الى طبيعتها السابقة , و بذلك تحقق له ما اراد , فقد صار ابو قاسم أحد افراد مجموعة الشباب من جهة و احد أفراد مجموعة الشيوخ من جهة أخرى .
الغروب الأبدي :
انحرفت الشمس الى جهة الغرب , انها لعبتها الجبارة , شروق يعلن بداية نهار جديد , غروب ليأتي بعده ليل , ثم شروق , هذه هي اللعبة التي ابتدأتها الشمس لحظة انبثاق الحياة , سنين مرت على توافق غروب الشمس و قدوم ابو علي الى المقهى , كان ابو علي يكرر مقولته الجميلة :
- لو لم يكن هنالك ثمة غروب لما كان هنالك شروق جميل .
ضمن هذه السلسلة اللانهائية لقدوم الشروق بعد الغروب ثم الغروب بعد الشروق يأتي الكثير من البشر لهذه الحياة و يرحل الكثير منهم عنها و تبقى لعبة الشمس الجبارة سائرة دون توقف .
في هذا الغروب اتجه ابو علي و ابتسامته الواسعة الى غروبه الأبدي , حين سمع ابو قاسم بغروب ابي علي عن الحياة اصابه حزن شديد جداً جعل جسده يرتجف بالكامل , قال ابو قاسم و هو في هذه الحالة من الهياج و التأثر الشديد و دموعه متيبسة في عينيه :
- كان ابو علي رحمه الله انساناً طيب القلب , يحب كل من حوله , رغم انه لم يكن أديبا معروفا بالنسبة للناس خارج المقهى ألا اننا نراه اديبا رائعاً .
خيم الحزن و السكون على جو المقهى و توقف فيه لعب طاولة النرد و الشطرنج و الدومينو , اختفى الضحك و اختفت المشاحنات بين رواد و حل محلها الصمت الحزين , غاب البعض عن المقهى لعدة أيام لأنهم لم يتحملوا رؤية المقهى و ابو علي قد رحل باتجاه الغروب الأبدي .
اثار رواد المقهى حضور الرجل الغريب , فبعد جلوسه اخذ ينظر باستغراب في وجوه الحاضرين , يتفحص الحزن في وجوههم , اخذ يحاول الحديث معهم دون عادته لكنهم رفضوا التحدث معه , فضرب بكف يده كف يده الأخرى , قال بصوت سمعه جميع من في المقهى :
- ما الأمر ...؟
اخذ يبحث في الوجوه , سأل :
- اين ابو علي ...؟
انفجر احد الشباب بالبكاء , أدرك الرجل الغريب أن ابا علي قد توفى , فقال :
- الله يرحمه , كان رجلاً طيب القلب .
عاد الحزن و السكون يخيم على جو المقهى , أما الرجل الغريب فقد اخذ يلعب الشطرنج مع نفسه , و يبتسم حين يفوز .
مواصفات الرجل الغريب :
قد لا يتجاوز عمر الرجل الغريب الأربعين عام , وسيم في ملامحه العامة , رشيق القامة يبدو عليه انه يمارس الرياضة باستمرار , يهتم بمظهره بدرجة كبيرة لذا فإن اناقته هي اناقة فوق مستوى المتوسط , حركاته موزونة بدقة عالية , عند دخوله المقهى تكون تحيته للحاضرين عبارة عن هزة خفيفة برأسه , و كثير من الاحيان لا يرد على تحية الاخرين له , إن اراد أن يرد على التحية فيحرك يده اليمنى بضعة سنتمترات الى الأعلى أو يخفض رأسه قليلا الى الاسفل و هو مبتسم , احياناً كرد للتحية يكتفي بحركة خفيفة في جفني عينيه أو بتحريك حاجبيه الى الاعلى قليلاً , لذلك كان الجميع يتجنب تحيته , الملفت للنظر هو أن حقيبته الدبلوماسية السوداء لا تفارقه ابداً , ما يعرفه الأخرون عن ما في داخل حقيبته هو انها تحتوي في كثير من الأحيان على كتاب واحد و دفتر يكتب فيه احيانا اشياء لا يعرف رواد المقهى عنها شيء , لكن البعض كان يخشى أن هذا الرجل الغريب قد يسجل ما يقولونه في احاديثهم و يرفعها في تقارير الى الجهات الأمنية المختصة , لذلك كانوا يلتزمون الصمت حين يحضر هذا الرجل الى المقهى و حال خروجه منها يباشرون حديثهم بصوت مرتفع و بحرية و دون خوف .
بعد أن يجلس الرجل الغريب في محل جلوسه الخاص , ينظر الى ساعته , يدخن نوع من السيكار الغالي الثمن , يعتقد بعض رواد المقهى انه سيكار خاص يأتيه خصيصاً من كوبا , يُخرجْ كتاب من حقيبته و معه نظارته الطبية , يقرأ بضعة صفحات من هذا الكتاب ثم يعيده الى الحقيبة و يُخرجْ بدلاً عنه دفتره , ينظر الى وجوه كل من في المقهى بعدها مباشرة يكتب بضعة اسطر في دفتره و كأنه قد سجل من حضر الى المقهى و من غاب عنه .
لقد صار جميع رواد هذه المقهى على معرفة بطبيعة الرجل الغريب و حركاته التي يكررها بإنتظام , فهو لا يتكلم مع أحد , لا يسأل أحد , لا يحب الأجابة على سؤال يسأله له أي أحد , لا يجلس قرب أي أحد , لا يتجرأ أحد على الاقتراب منه , يقضي في المقهى فترة محدودة لا تتجاوز الساعتين , يدفع ثمن القهوة التي يشربها مع مبلغ لا بأس به اكرامية لعمال المقهى , يغادر المقهى دون أن تصدر منه أي كلمة يودع بها أي أحد , يجد سيارته الخاصة أمام المقهى في انتظاره , يذهب الى المكان الذي اتى منه , لا أحد من رواد و عمال المقهى يعرف مِنْ اين يأتي هذا الرجل الغريب و الى اين يذهب .
أفكار و مواقف متباينة :
ذات يوم حدثت مشاجرة قرب باب المقهى , خرج بعض رواد المقهى لمعرفة سبب الشجار , أما الرجل الغريب فقد اكتفى بكتابة بضعة ملاحظات في دفتره , يعتقد البعض أنه سَجَّلَ بعض الملاحظات عن ذلك الشجار , يوما بعد يوم أخذ الإشمئزاز في نفوس رواد المقهى من السلوك المتعالي للرجل الغريب يزداد ليصل الى درجة لا تطاق باستثناء ابو قاسم الذي قال :
- اتركوا هذا الرجل يتصرف كيفما يشاء مادام تصرفه لا يؤذي أحد , هو حر في اختيار اسلوب حياته ضمن الحدود التي لا تؤثر على الآخرين , هل ضرب أحداً منكم ...؟ بالطبع لا , هل اسمع أحداً منكم كلاماً جارحاً لمشاعره ...؟ ايضاً لا , هل سرق شيء مِنْ أحدأً منكم ...؟ لا .
أسرع ابو عبد القادر بالقول :
- يا أبا قاسم , لقد سرق هذا الرحل الغريب منا راحتنا , جعلنا نقلق عند حضوره و نخاف من نظراته , لا نعرف ماذا يريد منا , لا نعرف من وراءه يدعمه , نخشى أن نجلس في المقعد الذي صار مخصصاً له , و أمور أخرى كثيرة و تسألنا هل سرق منا شيء , نعم لقد سرق منا اشياء كثيرة , حتى انت يا ابا قاسم صرت لا تستطيع الضحك بحرية في حضور هذا الغريب .
- يا ابا عبد القادر , انت تحرجني , بصراحة انا لا أعرف ماذا يجب أن نفعل , لكن علينا أن نعلم انه حر و قد يكون الخوف الذي في داخلنا هو من صنعنا و ليس بسببه , لنتصرف بكل حرية حين يأتي في المرة القادمة و نرى ما سيفعله هذا الرجل الغريب و كيف سيتصرف حين يرانا على طبيعتنا نتصرف دون قلق و لا خوف منه .
- يا ابا قاسم العزيز , إن في ذلك مجازفة , لكن لنجرب و ليكن ما يكن .
تدخل قيس جميل , قال :
- اتفق مع كلام استاذنا ابي قاسم , قد يكون هذا الرجل الغريب مجرد انسان من عائلة غنية و يرى نفسه اعلى شأناً , لا أكثر من ذلك .
اشترك معظم رواد المقهى في المناقشة حول اسلوب التصرف الضروري و الصحيح تجاه الرجل الغريب , قال أحد الشبان :
- بالتأكيد هذا الرجل معقد جدا , فتصرفه لا يمكن أن يكون تصرف رجل من رجال الأمن .
قال قيس جميل و عيناه ثابتتان صوب الشاب المتكلم :
- اتفق معك , انه معقد , يتعمد جعل تصرفاته غريبة , يفعلها دون سبب و لمجرد جلب انتباه و اهتمام الآخرين , هذه هي عقدته .
قال أحد الطلاب :
- انا ارى أن ليس في تصرفه و سلوكه اي تمثيل , انه هكذا , على حقيقته , يتصرف بسبب ازمة نفسية عنيفة اصابته و حولته الى شخص انطوائي , و الانطوائية مرض نفسي كباقي الأمراض النفسية , ممكن أن يشفى من هذا المرض إذا توفرت له الظروف المناسبة .
- قال كامل حسن و هو طالب قدم قبل حوالي سنة من ريف محافظة العمارة بعد اجتيازه لامتحان البكلوريا ليلتحق بدراسته الجامعية في بغداد :
- قد يكون هذا الرجل متأثراً بالأفكار الوجودية و العبثية معاً , فصار شخصاً أنانياً و متشائماً .
أظهر بعض شيوخ المقهى ارتياحهم لوجود كامل حسن بين شباب المقهى لكونه شاب و متمسك بالإيجابية و يرفض العبثية في السلوك و التفكير .
ضمن هذه المواقف الفكرية المتباينة رأي بعض الشباب أن مناقشة مثل هذه الأمور هي أمر جيد و هام جداً لأنها ستتيح لهم الفرصة للتعبير عن أفكارهم الجديدة المعاصرة و الحديث عن أمراض هذا العصر و ازمة الثقافة و المثقفين .
خندق الشباب و تناقضاته :
لقد سقطت طروحات الجيل الجديد حول الفكر المعاصر كزخات المطر الثقيلة على رؤوس شيوخ المقهى , ازعجهم طرح مثل هذه الأفكار , بعكس ابو قاسم الذي شذ عنهم , فسأل الطلاب بكلمات مترددة خرجت بصعوبة من بين فكيه المتراخيين :
- ما هي الأفكار الوجودية ...؟
أجابه كامل حسن على الفور و بلهجة حازمة و واضحة :
- انها افكار غربية تدفع الانسان الى اليأس .
هز ابو قاسم رأسه و هو يردد :
- يا ستار ...!
صدر رفض من طالب أخر لما قاله كامل حسن , قال هذا الطالب :
- الوجودية هي جزء من حزمة فلسفات انسانية حديثة , الغاية منها ليس البحث عن حقيقة و غاية وجود الانسان فقط بل حقيقة وجود الوجود نفسه , و هل هناك أصلاً غاية من هذا الوجود , كل هذا تختصره الوجودية بجملتها الشهيرة " انا أفكر إذن انا موجود " فالفكر هنا هو الذي يدل على وجود الوجود و غايته .
رد كامل حسن و هو يبتسم ابتسامة لا تخلو من السخرية .
- ليس هنالك افكار مجردة أو مطلقة الحدود , الفكر يتشكل من الواقع و ليس العكس .
رد على كامل حسن شاب شعره كث و كأنه يتكلم عن حلم جميل :
- حين يدرك الإنسان معنى الحرية اللامتناهية , الحرية اللامحدودة , الحرية الكامنة في قلب الإنسان الحق , الأنسان الموسيقى , الأنسان ال ...
اوقفه كامل حسن :
- توقف , ما هذا ...؟ أتريد أن تغني ...؟!
- لا , اردت أن أعبر عن الحس الداخلي بالحرية الداخلية الكامنة في عمق الروح الإنسانية .
ضحك كامل حسن , رد على هذا الشاب ذي الشعر الكث :
- انزل اعمق , قل بالروح الإنسانية العميقة الداخلة في اعمق اعماق الوجود .
- أرجوك , لا تستهزأ و تسخر من أفكاري .
ضرب كامل حسن الطاولة تعبيراً عن رفضه , قال له :
- يا اخي , إن كل الأفكار مرتبطة بالواقع حتى لو كانت لا تبدو كذلك , إن معطيات الواقع الذي نعيشه هي التي تعطي لأفكارنا معنى و هي التي تضع لهذه الأفكار حدودها , باختصار إن الفكر هو انعكاس للواقع و تفسيراً له , لذا فالفكر الصحيح هو الفكر الذي يفسر الواقع و الظرف الموضوعي الذي يمر به بشكل صحيح .
- افكارك نعرفها , يتحدث بها الذين يؤمنون بالمادية الجدلية .
بعد أن سمع ابو قاسم هذا الحوار الذي لم يألفه من قبل , قال للشباب :
- الأمر صار صعباً عليّ , يبدو انه من الأفضل لي أن اعود الى جماعتي شيوخ المقهى و اعود اليكم بعد أن تنتهون من هذا الجدل .
احتدم النقاش بين طرفي الحوار , حيث اخذ كامل حسن يحاول جاهداً اثبات لاواقعية الأفكار المثالية التي تعتبر أن الواقع هو من نتاج الفكر , و إن هذه الأفكار تبعد الإنسان عن الفهم الصحيح للواقع و عن كيفية تطوره , كذلك شن هجوماً قاسياً على الفكر العبثي , و أوضح مفهومه للحرية حيث قال عنها انها وعي الضرورة , أما الشاب ذو الشعر الكث فقد أطال كثيراً في توضيح افكاره , استمر الجدل لأكثر من ساعة دون نتيحة , تدخل في هذا الجدل شبان أخرون , أما شيوخ المقهى فظلوا مستمعين لمجريات هذا الحوار المتعب .
بدون قرار مسبق و دون أي علاقة لما يجري في المقهى من حوارات فكرية مضطربة وجد الشباب انفسهم في مناقشة جادة حول اسباب و نتائج نكسة حزيران 1967 , و لماذا اصرت الحكومات العربية على تسميتها نكسة و ليس هزيمة , جرفهم تيار النقاش الحاد و الجاد الى المقاومة الفلسطينية و المؤامرات الرامية الى إضعافها ثم تصفيتها , لو لم يتدخل ابو قاسم لتطرقَ الشباب لكل القضايا و المشاكل في العالم و كأنهم مكلفون بإيجاد حلول لمشاكل جميع الشعوب , قال ابو قاسم للشباب :
- سمعت الحوار الذي دار بينكم و لم افهم الكثير منه , لذا اقترح أن في كل يوم تتناولون موضوعاً واحداً فقط , لأن تناول كل المواضيع دفعة واحدة سوف لن يكون مجدياً و سيختلط الحابل بالنابل , سأعطيكم عناوين مواضيع للحوارات القادمة اسمعها باستمرار في الحوارات السياسية و الثقافية التي يذيعها الراديو , من هذه المواضيع :
- الفكر المعاصر في الفن و الأدب , الامبريالية , الحرية , البناء الاشتراكي , اسماعيل ياسين و دوره في نهضة الكوميديا العربية , و غيرها من العناوين .
ضحك الجميع , قال كامل حسن :
- سنطلق عليك يا ابا قاسم لقب " الشيخ الشاب " , ما رأيك في هذا اللقب ...؟
- موافق .
لعبة الشطرنج الحرجة :
اقترح قيس جميل على الشيخ الشاب لعب الشطرنج معه , قيس جميل متمكن جداً من لعبة الشطرنج بعكس الشيخ الشاب الذي هو مبتدأ في هذه اللعبة , قال الشيخ الشاب :
- انا موافق بشرط واحد .
- ما هو ...؟
- ان تخرج وزيرك الشيطان من اللعبة .
- تقصد العب معك بدون وزير ...؟
- نعم .
- موافق .
بعد لحظات اصبح الشيخ الشاب ابو قاسم و قيس جميل وسط حلقة من المتفرجين على لعبتهم المشوقة و الحرجة , لم تمضي إلا دقائق حتى سمع الجميع قيس جميل و هو يقول :
- كش ملك .
مات ملك الشيخ الشاب وسط ضحك المتفرجين .
الزائر الجديد :
في يوم من شتاء بارد كان المطر يحاصر المقهى , مكث جميع رواد المقهى في الداخل انتظاراً لتوقف المطر , لكن زخات المطر لم تتوقف بل إشتدت حتى امتلأ رصيف شارع الرشيد المحاذي للمقهى بالمياه الجارفة لكل الأوساخ المتراكمة على جانبي هذا الشارع , فأصبح من الصعب خروج رواد المقهى في مثل هذا الجو .
في الركن الخلفي للمقهى كانت شعلة اللهب الحمراء ترقص فوق كومة قطع الخشب المحترق , بعض رواد المقهى اتخذوا من هذا الركن ملاذاً يخفف عنهم البرد و الإنخفاض المفاجئ في درجات الحرارة , رغم انقضاء الوقت المحدد لبقاء الرجل الغريب في المقهى , هو في العادة اقل من ساعتين , إلا أن الرجل الغريب فضل البقاء في المقهى لحين تحسن الجو و توقف زخات المطر , ترك سيارته تنتظره قرب المقهى , هذه هي المرة الوحيدة التي يبقى فيها الرجل الغريب في المقهى فترة أطول من المعتاد .
حملت زخات المطر شبح رجل يرتجف من البرد , اقتحم هذا الرجل المقهى , سار بسرعة جنونية نحو شعلة النار , وقف بجانبها و هو يثرثر بكلمات غير مفهومة , من المؤكد أن المطر و البرد و الرياح دفعت بهذا الرجل الى داخل المقهى , سارع بعض رواد المقهى بمساعدته في استبدال ملابسه المبللة بأخرى تبرع بها أحد عمال المقهى الذي يتخذ من المقهى مكاناً لعمله و لمبيته , شيئا فشيا أحس هذا الزائر الجديد بالدفأ , لسبب لا أحد يعرفه أختار الزائر الجديد الجلوس بجانب الرجل الغريب , طلب كأس شاي كبير , مع كل رشفة من الشاي يشربها يصدر منه صوت دلالة على ارتياحه من حاله و هو يجلس منتشي في هذا المقهى الذي وفر له الدفأ و الشاي الساخن , بدأ مرة أخرى إطلاق ثرثرته التي صارت مسموعة و واضحة وسط السكون الذي خيم على المقهى :
- اربعة سنوات تحوي على سنة كبيسة واحدة , الماء الساخن يستخدم في عمل الشاي , الموت هو نهاية حتمية لكل شيء حي , إذا افترضنا عدم تعارض البديهيات الرياضية مع فهمنا لتطور القرد و تحوله الى إنسان فإن الحقيقة ستظهر , كل القضايا مرنة لدرجة لا يمكن تحديد ابعادها الجيوسياسية بسهولة , كل شيء يتطور دون توقف , النجوم تدور , الأسعار ترتفع و لا تنخفض , الإنسان يُسحقْ بشكل مستمر دون توقف , يموت الإنسان , يجوع الإنسان , هذه أمور ليست مهمة فكل شيء يبقى في حركته المستمرة , القوانين نفسها معرضة ايضاً للسقوط عندها ستتحول الحقيقة الى كلمات مبعثرة و ثرثرة لا قيمة لها كثرثرتي البعيدة عن المنطق .
نظر الشيخ الشاب ابو قاسم للرجل الغريب الصامت و الزائر الجديد الذي لا يتوقف عن الثرثرة فوجدهما حالتين متناقضتين لا يمكن أن يتواجدا معاً في هذا المقهى , تحدث ابو قاسم مع ابو عبد القادر , قال له :
- صمت غريب و ثرثرة غريبة سيتداخلان و يقضي كل واحد منهم على الاخر , ماذا سيفعل الرجل الغريب و بجانبه ثرثرة لا تتوقف , بالتأـكيد سيجزع من ثرثرة هذا المجنون و يترك المقهى , لذا علينا أن نشجع الزائر الجديد ليكون أحد رواد المقهى الدائمين و يكون محل جلوسه في نفس الأريكة التي يجلس عليها الرجل الغريب .
- و هل تعتقد يا ابا قاسم أن ثرثرة الزائر الجديد ارحم من صمت الرجل الغريب ...؟
- بالطبع لا , لكن بعد أن يتمكن الزائر الجديد بثرثرته المجنونة من إزاحة الرجل الغريب عن المقهى عندها سيكون من السهل علينا ابعاد هذا الزائر الجديد عن المقهى .
- ماذا لو فشلنا في ابعاد هذا الزائر المجنون الثرثار ...؟
- لا تخف , إترك الأمر لي .
- كيف لا أخاف و مقترحك سيوقعنا في مشكلة اكبر قد تجبرنا جميعا على ترك المقهى و تسليمه لهذا الثرثار المجنون .
- يأ أخ ابا عبد القادر , إن المجانين لا يحبون البقاء في مكان بشكل دائم , لذا تراهم يتنقلون من مكان الى آخر .
- اعذرني يا ابا قاسم إن قلت لك إن مقترحك غير مقبول , لأن المجانين يمكن أن يستقروا في مكان بشكل دائم و لا يمكن لأحد ابعادهم عنه و اعطيك مثل على ذلك , يوجد في الزقاق الذي اسكن فيه مجنون يعيش في بيت خرب منذ اكثر من عشرين سنة , و أهل الزقاق يقدمون له الطعام و كل ما يحتاجه هذا المجنون فقد اعتادوا على وجوده معهم , هل تريد أن يبقى هذا المجنون الثرثار طيلة العمر معنا كي نجن نحن ايضا و نصبح جميعنا مثله ثرثارين ...؟
- إذ لم يغادر الثرثار المقهى طوعا فسنجبره على مغادرتها بالقوة , فهو ليس كالرجل الغريب الذي قد يكون مسنوداً من قبل جهات عليا في الحكومة .
- هل تعتقد يا عزيزي ابا قاسم إن طرد المجانين أمراً سهلاً , بعضهم يكون خطيراً جداً إذا استخدمت معه العنف , ماذا لو اقدم هذا المجنون على كسر كل زجاج الواجهة الأمامية للمقهى بالحجارة , أو قام برد فعل أقوى من ذلك , ماذا سنفعل ... ؟
تراجع ابو قاسم عن مقترحه الخطير الذي رفضه ليس ابو عبد القادر فقط بل جميع شيوخ المقهى .
التوافق الذي ارعب رواد المقهى :
بعد عدة ايام من قدوم الزائر الجديد الى المقهى حدثت مفاجئة ارعبت كل رواد المقهى , فبعد ان دخل الرجل الغريب المقهى و جلس في مقعده الخاص سلم على المجنون الثرثار , رد عليه الثرثار بثرثرة طويلة ادهشت الجميع حيث تحدث عن الصراع في الشرق الأوسط و الشرق الأقصى و تداعياتهما على العلاقات الدولية , اخرج الرجل الغريب سيكار كوبي غالي الثمن و أخذ يدخن و بجانبه يجلس المجنون الثرثار الذي أصبح زميله بعد توافق غريب بين صمت الرجل الغريب و ثرثرة المجنون , طلب الثرثار من صاحبه الرجل الغريب اعطائه سيكار , اخذ الأثنان يدخنان السيكار الكوبي الغالي الثمن , احدهم صامت لا يتكلم و الآخر يثرثر دون توقف .
الارتباك :
تسبب التوافق بين الثرثار المجنون و الرجل الغريب الصامت الارتباك و القرف في نفوس جميع رواد المقهى , قال الشيخ الشاب ابو قاسم و قد بانت على وجهه ضحكة بليدة :
- اللي ما يرضى بجزة , يرضى بجزة و خروف .
عاد الثرثار يلقي محاضرته المجنونة بصوت بسمعه جميع مَنْ في المقهى :
- ليس في العالم شخص واحد يستطيع التخلص من الظلم , فإن لم يجد مَنْ يظلمه فسيظلم نفسه , كلنا مظلومين , الاباء يدخنون و يمنعون ابنائهم من التدخين و الأبناء يريدون تقليد ابائهم , البحث عن الحقيقة في المستنقعات الفكرية لا تجدي نفعاَ , حقاً إن البحث المستمر عن الحقائق المطلقة أمر متعب , إلا إن الموت الفكري هو أسوء بكثير من الموت الجسدي , و أن أبشع انواع الموت هو الموت الأخلاقي , فحين يصبح الانسان بلا أخلاق يتحول الى كائن خطيرً جداً , لذا انا اثرثر دائماً من أجل انهاء الظلم و اعتقال كل الضباط في مديرية الأمن العامة و ضد الاباء الذين يدخنون و يمنعون ابنائهم من التدخين و ضد شرطة المرور التي تقيد حريتي و تمنعني من السير في الشوارع كيفما أشاء .
توقف الثرثار عن ثرثرته قليلاً ليعرف ردة فعل الرجل الغريب على ما طرحه من اراء مجنونة , همس الثرثار المجنون في اذن الرجل الغريب الصامت و كأنه يطلب منه الاذن لإكمال ثرثرته التي لا تنتهي , يبدو أن الرجل الغريب قد أذن للثرثار في البدء من جديد في إطلاق دوامة من الثرثرة الفوضوية :
- لم أقصد ايذاء قطتي التي احبها , لكني اخاصمها لأن مداعبتها لي كانت قاسية فقد تركت خربشتها أثاراً في وجهي , لقد طردتها , لكن في المرة القادمة سأجلبها معي الى المقهى .
البحث عن حل :
صرخ ابو عبد القادر دون ارادة منه :
- لا , لا يمكن أن تستمر هذه الحالة .
لم يعر الثرثار أي اهتمام لصراخ ابو عبد القادر و ظل يثرثر , نهض قيس جميل و قال :
- انا ايضا لا استطيع تحمل هذا الوضع المقرف .
ايدهم احد شيوخ المقهى بصوته العجوز المتقطع :
- إما أن يتوقف هذا المجنون عن ثرثرته أو أن يترك المقهى .
أكد ابو عبد القادر انه مع بقاء الرجل الغريب في المقهى و طرد الثرثار المجنون , لكن الشاب ذا الشعر الكث تدخل , قال :
- الثرثار رجل مجنون , دعوه يمارس جنونه بحرية .
سخر قيس جميل مما طرحه الشاب ذا الشعر الكث , قال :
- هل هذه هي الحرية التي تقصدها , حرية الفرد على حساب المجتمع ...؟
قال صاحب الصوت العجوز بصوت خافت جداً :
- إن المصيبة هي في سلوك هذا الرجل الغريب , فهو متكبر لا يحترم الأخرين , لابد و أن نجد طريقة تجعله يترك المقهى و نتخلص من إزعاجه , أما المجنون الثرثار فدعوه يثرثر , انه مسكين يمكن أن نوفر له ركن في المقهى يثرثر فيه و نطلب منه أن يثرثر بصوت واطئ .
نهض الشاب ذو الشعر الكث , قال :
- ما رأيكم في أن أكون انا من يتحدث مع الرجل الغريب و اطلب منه أن يتصرف بكل حرية كيفما يشاء لكن مع قدر و لو بسيط من الاحترام للأخرين .
أجابه العجوز :
- لا , إما أن يغير هذا الرجل سلوكه الغريب أو أن يترك المقهى .
تحول الجدل بين شباب المقهى و شيوخها الى حوار حول الجنون و انواعه , و هل أن الثرثار مريض نفسياً أم عقلياً , و ما تأثير المجتمع في اصابة الناس بالجنون و غيرها من الأمور ذات العلاقة بالجنون و المجانين الى حوار موسع اشترك فيه معظم رواد المقهى من الشباب و الشيوخ .
ابو قاسم أصبح حراً :
اهتمام معظم رواد المقهى بالثرثار و زميله الغريب انساهم ابا قاسم و تركوه يلعب الشطرنج بحريته دون مضايقة أحد , همس ابو قاسم في اذن كامل حسن :
- أنقذني هذا الثرثار من تدحل الأخرين في شؤوني الخاصة و صرت العب الشطرنج بكل حرية , حقاً إن مصائب قوم عند قوم فوائد .
رغم أن بقاء المشكلة مع الثرثار على حالها دون حل هي من مصلحة ابي قاسم كي يلعب الشطرنج دون مضايقة إلا انه يشارك أحياناً في المناقشات التي تدور في المقهى حول اسلوب التخلص من ثرثرة الثرثار , و بمجرد أن تهدأ النقاشات حول الثرثار يثيرها ابو قاسم من جديد ثم يعود للعب الشطرنج و هو مبتسم فرحان بالحرية التي صار يتمتع بها .
الثورة :
اختار ابو عبد القادر وقتاً اعتقد انه مناسب لثورته لوضع حد للوضع الشاذ الذي صار يطغى على المقهى منذ أن دخلها الرجل الغريب , قال لنفسه و هو يخفي قلقه مما قد يحصل له جراء هذه المو اجهة التي قرر خوضها وفق مبدأ حدوث المصيبة أهون من انتظارها :
- لقد تعبنا من انتظار المصيبة , الوقت المناسب لهذه المواجهة هو أن تتم حين يكون الرجل الغريب وحده بدون وجود زميله الثرثار المجنون , و الان هو الوقت المناسب .
نهض ابو عبد القادر بعد أن توكل على الله و اتجه بخطى ثقيلة نحو الرجل الغريب , كان الرجل لحظتها منهمكا في قراءة كتاب سميك و ما ان وصل قرب الرجل حتى قال له :
- مرحبا استاذ .
- اهل بك يا ابا عبد القادر .
ذُهلَ ابو عبد القادر حين ناداه الرجل الغريب باسمه , تحدث مع نفسه :
- يا للمصيبة انه يحفظ اسمي , يبدو أن اسمي قد ورد في الكثير من التقارير التي رفعها هذا الرجل الغريب الى الجهات الأمنية المختصة .
أشار ابو عبد القادر للمكان الذي يجلس عليه الثرثار المجنون , سأل :
- هل ممكن أن أجلس هنا .
- طبعا , تفضل .
جلس ابو عبد القادر بجانب الرجل الغريب , قال للرجل :
- كيف حالك .
- جيد , و انتَ يا عزيزي ابا عبد القادر كيف حالك ...؟
- انا بخير , جئت اسألك , لماذا أنتَ تحتقرنا ...؟ , لماذا انت تُرهبنا ...؟ , لماذا سلبتَ منا راحتنا ...؟ , لماذا بعثتَ في نفوسنا القلق و الخوف من المجهول ...؟ ارجوك قل لي لماذا تفعل بنا كل هذا ...؟ , كل رواد المقهى شيوخ و شباب ينتظرون الإجابة .
اغلق الرجل الغريب الكتاب الذي كان يقرأه , انتبه ابو عبد القادر الى عنوان الكتاب و كان " الجريمة و العقاب " قال لنفسه :
- يا ستار ., انه يفكر بجريمة ..!
أخرج الرجل الغريب علبة السيكار الغالي الثمن و قدم لأبي عبد القادر واحدة منها , أخذ الأثنان يدخنان السيكار و هم صامتين , نظر الشيخ الشاب ابو قاسم الى ابي عبد القادر و هو صامت و يدخن السيكار , قال :
- لقد اصبح ابو عبد القادر معقداً ايضاً , هل نطلق عليه لقب ابو عبد القادر المعقد ...؟
ضحك البعض و البعض الآخر ظل مرتبكاً , أكمل ابو قاسم قوله :
- أو ربما تحول ابو عبد القادر الى إنسان عبثي و وجودي ...؟
تصاعد ضحك البعض و البعض الأخر ظل يراقب المنظر الذي جمع الرجل الغريب و ابا عبد القادر الذي صار بالنسبة لهم رجل غريب ايضاً , ابتدأ الرجل الغريب حديثه :
- استاذ ابو عبد القادر , أولا : إذا كان وجودي في المقهى يسبب لكم القلق و الإزعاج كما تقول فأنا مستعد أن أخرج من المقهى الأن و لا اعود اليها ابدا , ثانيا : هل اعتديتُ أنا على أحد منكم ...؟ , لا , هل شتمتُ أنا أحداً منكم ...؟ , لا , هل جرحتُ أنا مشاعر أحداًً منكم و لو بكلمة ...؟ , لا , قل لي ماذا فعلتُ انا كي تقلقون و تنزعجون مني .
- يا استاذ , لماذا انتَ لستَ منا , نحن لحد الان لا نعرف عنك حتى اسمك , هذه هي المشكلة .
- ماذا تريدون أن تعرفوا عني ...؟
- ماذا تعمل ...؟ , من أين لك هذه السيارة الفاخرة ...؟ , و إذا كنت رجلاًً غنياً جداً , فلماذا تأتي و تجلس في هذا المقهى البسيط الذي ليس فيه سوى الناس البسطاء ...؟ , انه أمر مقلق جعلنا كما يقول المثل نضرب الأخماس بالأسداس دون نتيجة .
- اولاً : ليس مهم أن تعرفوا اسمي , ثانياً : انا غني و هذه سيارتي الخاصة و السائق الذي يقودها يعمل عندي كسائق لسيارتي و يجلب لي ايضاً بعض ما احتاجه مقابل راتب مجزي , فهل هذا يزعجكم ...؟ ثالثاً : انا لا اريد أن أكون واحداً منكم , انا اريد أن اكون لوحدي فقط , يمكنكم تسميتي بالمعقد , بالانطوائي , هذا شأنكم , فأنا لا تهمني مصطلحاتكم و نعوتكم .
- سؤال أخير , ماذا تكتب في دفترك ...؟ , احيانا كنا نعتقد أنك تكتب عنا شيء ما .
- يأ استاذ عبد القادر , رغم أن ماذا اكتب و لماذا اكتب هو أمر يفترض انه لا يخصكم مع ذلك سأجيبكَ , أنا اكتب أحياناً في دفتري بعض الخواطر , ليس لأي غرض , لمجرد التسلية فقط .
- شكرا , السلام عليكم .
الرضوخ للأمر الواقع :
عاد ابو عبد القادر الى جماعته و شرح لشيوخ و شباب المقهى كل ما دار من حديث بينه و بين الرجل الغريب فساد الفرح في نفوس جميع رواد المقهى .
هجوم جديد تتعرض له المقهى :
صمت كل رواد المقهى و ساد ذهول كبير وصل الى درجة الرعب بعد ان تعرض المقهى لهجوم مباغت من ثرثرة مجنونة يصاحبها تصفيق عنيف , فقد دخل الثرثار المجنون المقهى مسصحباً معه مجنون أخر , هو يثرثر ثرثرة لا تتوقف و المجنون الآخر يصفق له , أما الرجل الغريب فظل ضمن هذه الفوضى صامتاً يقرأ رواية الجريمة و العقاب , في الناحية الأخرى من المقهى كان ابو قاسم يضحك و قد غمره الفرح بعد أن فاز لأول مرة في لعبة الشطرنج على أحد اللاعبين المتمكنين الذين يلعبون هذه اللعبة بمهارة و بجانبه الشاب ذو الشعر الكث لا يكترث لما يحصل في المقهى يمسك بقلمه , يكتب هذا الشاب في دفتره المتهرئ احدى قصائده السريالية .
الإنحدار :
كثير من الأمور أخذت تتغير و كأن هذا المقهى قد بدأ فعلاًً انحداره نحو التلاشي , يوماً بعد يوم تناقص عدد شيوخ المقهى الذين اختار أغلبهم المكوث في دورهم هرباً من الفوضى , لم يعد هذا المقهى مكاناً مريحاً لطلبة الكليات , ألسنة اللهب الحمراء فوق كومة قطع الخشب المحترقة في الركن البعيد من المقهى بدأت رقصتها الأخيرة بعد أن قرر صاحب المقهى التوقف عن عمل القهوة و الأكتفاء بتقديم الشاي للزبائن , اختفت السماورات ذات المعدن المطلي بالألوان الذهبية و الفضية الجميلة فقد باعها صاحب المقهى لإحدى محلات بيع التحف القديمة .
ادرك ابو عبد القادر أن الزمن بدأ يكتب الصفحة الأخيرة في ملف هذا المقهى , أقترب من صاحب المقهى , سأله :
- هل صحيح ما سمعته عن نيتك بيع المقهى ...؟
- هذا صحيح يا ابا عبد القادر , لقد بعته فعلا و قبضت ثمنه و سيستلمه المالك الجديد بداية الشهر القادم , و علمت أنه سيهدم هذا المقهى ليبني على ارضه محلات تجارية .
- ماذا عن عمال المقهى الذين قضوا معظم حياتهم في العمل فيه ...؟
- أتفقتُ معهم , سأمنحهم جزء من ثمن بيع المقهى , اني أعتبرهم شركائي في ملكية هذا المقهى .
- هل استطيع الطلب منك شيء اراه مهم جداً .
- انا موافق على طلبك يا عزيزي ابا عبد القادر قبل أن اسمعه .
- انا سأغادر بغداد للعيش في المتبقي من عمري في القرية التي ولدت فيها , هل استطيع اخذ ثلاثة اشياء من المقهى , صورة الشهيد أحمد سلمان و الشطرنج الذي تركه الشهيد هدية للمقهى و السجادة الجدارية المسطر عليها ثورة الأمام الحسين على الظلم , سأقدم هذه الاشياء الثلاثة هدية للمقهى الصغير في قريتي , لذلك المقهى البسيط المطل على نهر الفرات .
نظرة الوداع :
في صباح اليوم التالي خرج ابو عبد القادر من المقهى و معه الأشياء الثلاثة التي طلبها من صاحب المقهى , عند خروجه من المقهى وجد أمامه ابا قاسم في انتظاره , سأله :
- هل تنتظر أحد هنا ...؟
- نعم , انا انتظركَ .
- هل تريد مني شيء ...؟
- نعم , اريد الشطرنج الذي تركه الشهيد أحمد سلمان هدية لنا , سأحافظ عليه و سأستخدمه لتعليم أحفادي فن التفكير .
- طيب , خذ هذا الشطرنج , انه لك , انتَ تستحقه فعلاً .
احتضن ابو قاسم الشطرنج و غادر المكان , أما ابو عبد القادر فقد منح المقهى نظرة وداع حزينة و غادر المكان باتجاه قريته و هو يستعيد بعض من ذكرياته مع نهر الفرات الذي سيعود اليه .
#فلاح_العيفاري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟