فلاح العيفاري
الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 22:21
المحور:
الادب والفن
عباس نوري هو أحد الموظفين المستقيمين في عمله , من شدة التزامه بـأوقات الدوام الرسمي نال رضى كل المسؤولين في دائرته , يؤدي التحية للمسؤولين باحترام يتناسب و الدرجة الوظيفية لكل مسؤول , لرئيس الشعبة انحناءة بسيطة مع ابتسامة سطحية , لرئيس القسم انحناءة متوسطة مع ابتسامة معتدلة , و هكذا تتسع ابتسامته و تصبح عريضة جدا و واضحة , يزداد مع ابتسامته إنحناءه كلما واجه مسؤول اعلى درجة , و كما يقول لنفسه دائما :
- الأحترام خاضع لمقياس النسبة و التناسب .
اعلى مسؤول قابله في حياته هو المدير العام , لذلك فهو لا يعرف كيف عليه أن يتصرف لو قابل وزير أو شخص أعلى درجة من الوزير , الأمر بالنسبة له مخيف جدا , هو لا يتمنى , على الأقل في هذه المرحلة من حياته , مقابلة مسؤول اعلى من المدير العام , إذ انه يتصور أن عليه الانحناء لدرجة يقوس فيها ظهره لأقصى حد ممكن إذا ما وجد أمامه شخص بدرجة وزير أو أعلى , و انه قد يتوجب عليه السجود إذا كان امامه اعلى رجل في هرم الدولة , الأمر مخيف جدا بالنسبة له لأنه لم يتدرب جيدا فيما يجب أن يفعله في مثل هذه الحالات الصعبة , أما كيف يتصرف مع أي موظف أقل منه درجة , كالفرّاش الذي يعمل معه في الشعبة , فيرد عليه السلام و انفه مرفوع , يرد عليه السلام دون كلام , حركة بسيطة من رأسه ستكون كافية لإعلامه انه قد قبل التحية .
نتيجة لرضى الموظفين الأعلى منه على حسن سلوكه أخذ يتسلق السلم الوظيفي دون تأخير , سجله الوظيفي نظيف , فيه أوامر إدارية عديدة بالشكر و التقدير له من المدير العام , بالإضافة الى خلو هذا السجل من العقوبات بإستثناء عقوبة واحدة صدرت بحقه في الأيام الأولى من تعينه بسبب غيابه ليوم واحد دون عذر مشروع , و كانت العقوبة قطع راتب لمدة يوم واحد , بعدها لم يتغيب عن الدوام الرسمي إطلاقا , ليس هذا فقط فهو لم يتأخر ابدا عن موعد بدء الدوام , و لا يخرج من الدائرة إلا بعد أن ينتهي الدوام بعشرة دقائق على الأقل , و أكثر من ذلك فهو يحضر الى الدائرة قبل بدأ الدوام الرسمي بفترة كافية تجعله في آمان من أي تأخير محتمل , حتى انه حين يمرض كان يأتي الى الدائرة كي يكسب عطف المسؤولين فيجبرونه على التمتع بإجازة مرضية , لقد تركت تلك العقوبة الوحيدة المحفوظة في سجله اثرا سيئا على حالته النفسية , فهو يعتبرها نقطة سوداء مؤلمة في حياته الوظيفية , و كلما يتذكرها يداهمه الشعور بالقرف , احيانا يسأل نفسه :
- لقد مضى على هذه العقوبة اكثر من سنتين , و رغم اني موظف ملتزم طيلة هذه الفترة التي مضت إلا أن هذه العقوبة اللعينة باقية في سجلي الوظيفي , لا أعرف ماذا أفعل , هل عليّ أن اسحب إضبارتي الشخصية و ارفع منها هذه العقوبة ثم اعيدها الى محلها , قد استطيع فعل ذلك , لكن مثل هذا العمل لا يقوم به موظف مستقيم و ملتزم مثلي .
كان ينظر الى كراسي المسؤولين نظرة احترام و تقدير , يمسح هذه الكراسي بمنديله بعناية , و لولا الخوف من أن يشاهده أحد الموظفين لجلس على هذه الكراسي و تخيل انه أحد المسؤولين الكبار , و مع ذلك كان يدعي أمام الموظفين الآخرين انه لا يسعى و ليس له طموح في تسلق السلم الوظيفي للوصول الى منصب المدير العام , و حقيقة الأمر انه في الكثير من احلام اليقظة كان يتصور نفسه المدير العام يجلس على كرسيه و امامه طاولته الواسعة و فيها ثلاثة اجهزة هاتف مع العُدَد المكتبية الأنيقة جدا .
على النقيض من زملائه الموظفين , ليس لديه اصدقاء بمعنى الصداقة سوى مع موظف اسمه قاسم عبد الجبار , قاسم موظف اقدم منه بسنين عديدة لكنه ادنى منه درجة في الوظيفة , لأن سجل قاسم الوظيفي ممتلئ بالعقوبات نتيجة غيابه أو تأخره عن الدوام الرسمي , قد يكون السبب الذي جعل قاسم عبد الجبار صديقا له هو أنه يعتقد بأن قاسم لا ينافسه إطلاقا في الصعود نحو المجد الوظيفي .
قبل بضعة أيام , أقترح قاسم على عباس الذهاب للجلوس في مقهى او في أي محل خارج اجواء الوظيفة كي يتحدثا كصديقين , تقبل عباس هذه الفكرة و جلس مع قاسم في احدى المقاهى بعد انتهاء الدوام الرسمي , ابتدأ عباس الحديث مع قاسم عن العمل بالرغم من انه يعرف أن قاسم لا يحب الحديث عن أي اشياء لها علاقة بالوظيفة , قال :
- التقيم المعنوي , كالشكر و التقدير الشفهي من المسؤولين ليس مهم بالنسبة لي لأنها أمور ليست مادية ملموسة لا تحفظ في السجل الوظيفي , انا اهتم فقط بالشكر و التقدير المدون على الورق لكونه يحفظ في سجلي الوظيفي .
ضحك قاسم , قال :
- ما اهمية السجل الوظيفي بالنسبة لك ...؟
- هو مقياس لدرجة نجاحي في الحياة .
- لماذا يا صديقي عباس تتحدث عن الوظيفة و عن المدراء و المسؤولين حتى و انت خارج اوقات الدوام الرسمي ...؟
- ماذا تقصد بهذا السؤال ...؟
- حدثني عن كيف تقضي حياتك الاعتيادية , اقصد و انت خارج الدائرة .
- اعيش مع أمي في دارنا الصغير , انجز كل متطلبات العمل المنزلي من غسل الملابس و غسل الصحون و تنظيف الدار و كل شيء , فأمي مريضة لا تقوى على فعل أي شيء , اراجع مع نفسي ما يجب أن اقوم به خلال الدوام الرسمي لليوم التالي , ليس لدي امور أخرى أفعلها . هذه هي حياتي .
- هل تفكر في الزواج .
- حاليا , لا , لكن حين سأصبح رئيس قسم سأبدأ التفكير في موضوع الزواج , انا الآن معاون رئيس شعبة و احتاج للمزيد من الوقت كي أفكر في الزواج .
- ما علاقة الزواج بالوظيفة أو كونك رئيسا لقسم أم لا ...؟
- ارجوك , عليك أن تفهم أنها حياتي و انا مسؤول عنها , احاول أن تسير حياتي كلها بخطوات منتظمة , كل خطوة أو ممارسة في حياتي يجب أن تكون مدروسة بعناية .
- حتى الحب الذي قد يقود للزواج .
- نعم , حتى الحب يجب أن يكون وفق ضوابط و شروط محددة و واقعية .
- يا صديقي عباس انك تبالغ كثيرا , سأكون معك صريح جدا , طريقة حديثك و تعاملك مع الموظفين الآخرين يجب أن لا تحددها درجتك أو درجتهم الوظيفية .
- كلامك غير واقعي , هل تريدني أن اتعامل مع الفراش و المدير العام بنفس الأسلوب , كل شيء يجب أن يكون وفق معايير و سياق واقعي واضح , حتى حين أضحك يجب أن تكون ضحكتي موزونة و في حدود محسوبة مسبقا .
- حتى ضحكتك ...؟!
- نعم حتى ضحكتي , فهل يجوز أن أضحك أمامك مثلما أضحك أمام المدير العام ...؟ بالطبع لا , فأمام المدير العام يجب أن لا أضحك و هو لا يضحك , اضحك فقط عندما اراه يضحك , على أن تكون ضحكتي بقدر محسوب , أي أذا كان من الضروري الضحك أمام المدير العام فيجب أن يكون في حدود مقبولة لديه , على أن لا اسبقه في الضحك , مثلما لا يجوز أن اسير أمامه .
- اتفق معك , بعد أن عاقبني و طردني المدير العام من غرفته ضحكت , فضاعف تلك العقوبة .
استمر عباس في شرح افكاره :
- و حين أجده فرحا ....
- من هو ...؟
- المدير العام , أو رئيس القسم أو حتى رئيس الشعبة .
- ماذا تفعل ...؟
- افرح معه .
- دون أن تعرف سبب فرحه ...؟
- لا داعي لمعرفة سبب فرحهم , المهم هو أن أفرح حين يفرحون .
- و ماذا تفعل حين يحزنون .
- بالطبع احزن معهم .
ضحك قاسم حين تذكر انه رأى عباس نوري و على وجهه علامات حزن مصطنعة و قد استبدل ربطة عنقه بواحدة سوداء اللون , و سأله حينها :
- ما الأمر , لم انت حزين ...؟
- لقد توفيت والدة المدير العام .
- هل تعرفها ...؟
- لا , لكنها أم المدير العام .
- هل ستحزن لو توفيت أمي ...؟
امتكع عباس عن الأجابة لبضعة ثواني , ثم أجابه :
- بصراحة , لا .
- لماذا ... ؟
- لأني لا أعرفها , و لأنك لست مدير عام و لا حتى رئيس شعبة .
يعتبر عباس نوري أن من واجبه كموظف ملتزم أن يحزن لحزن رؤسائه في العمل و يفرح لفرحهم , قال لقاسم :
- انت موظف غير ملتزم و سجلك الوظيفي قد أمتلأ بالعقوبات و ليس فيه أمر أداري واحد لشكر و تقدير من المدير العام لك , لذا لا يمكنك فهم مشاعر الموظف الملتزم مثلي .
- ما هو برنامجك لبقية هذا اليوم ...؟
أجابه عباس :
- كباقي الأيام , سأكون في الدار مع أمي , انجز العمل المنزلي , و انام مبكرا كي استيقظ مبكرا .
- أذن لننهض .
قال عباس لقاسم :
- يجب أن تدفع انت ثمن الشاي , لأني اعلى منك درجة في الوظيفة و رضيت ان اجلس معك .
- طيب سأدفع ثمن الشاي و البيرة التي ستشربها .
- أنا لم اشرب سابقا , لا بيرة و لا أي من المسكرات , انا دائما افضل شرب المنبهات كي اضبط تصرفاتي و التزاماتي خلال الدوام الرسمي و خارجه .
- البيرة شراب خفيف و منعش , سوف لن تسكر بشربك لقنينة بيرة واحد و انا من سيدفع ثمنها لأني أقل منك درجة وظيقية .
- حسنا سأذهب معك للحانة و سأشرب قنينة بيرة واحد فقط و على حسابك كي اتعلم كيف عليّ أن أتصرف في المستقل حين سأدعو أحد المدراء لشرب البيرة على حسابي .
في صباح اليوم التالي , نهض مفزوعا مع ألم و صداع في رأسه , تذكر أنه دخل ليلة أمس مع صديقه قاسم الى حانة في شارع ابو النواس و خرج منها يترنح , لا يتذكر بالضبط كم قنينة بيرة شرب في تلك الليلة .
حين رأى الساعة المعلقة على حائط غرفة نومه تشير الى أن موعد وقت الدوام الرسمي قد فات , ارتدى ملابسه بسرعة جنونية , خرج من الدار دون أن يودع أمه , لم يلتفت الى الوراء رغم انه اسقط احد المارة بعد أن اصطدم به , أعتذر منه بصوت عالي :
- اعذرني , لم اقصد
ازداد لهاثه , مضت الدقائق كأنها ساعات , خرج من الشارع الفرعي , استقل تكسي , اقترب من الدائرة , كان الشارع مزدحما بالسيارات , اعطى سائق التكسي مبلغ دون أن ينتظر باقي المبلغ , نزل من التكسي , تحول سيره الى هرولة , ثم تحولت الهرولة الى ركض سريع , بقى مائة متر , و سيأتي الدرج الطويل , انزلقت قدماه , سقط وسط رصيف الشارع , نهض دون ان يحس بالألم نتيجة سقوطه على الارض , دقيقة و سيكون جالسا أمام مكتبه , فكر بسرعة :
- سأكتب إيضاح عن سبب تأخري الغير مقصود , يجب أن يعذرني المدير العام , فأنا لم أتأخر سابقا عن الدوام الرسمي , حتى اني في الكثير من الأحيان اصل الدائرة قبل موعد الدوام , و سجلي الوظيفي النظيف يشهد على ذلك .
اصبح وجها لوجه أمام باب الدائرة , لكنه وجده مغلقا , تحدث مع نفسه :
- لقد اغلقوه في وجهي , لكن كيف سيدخل المراجعون , انه أمر محيّر و غريب .
نظر الى ساعته فوجدها تشير الى التاسعة و بضعة دقائق , قال لنفسه بصوت مسموع :
- قد تكون ساعتي عاطلة .
مسك أحد المارة من كتفه و أفزعه , سأله :
- ما الوقت ...؟
نظر الرجل الى ساعته , أجابه :
- حوالي التاسعة .
تحول جواب هذا الرجل الى ضربات في رأسه , قال للرجل :
- لكن الباب مغلق .
- اي باب ...؟
- باب هذه الدائرة .
ضحك الرجل , و سأله :
- هل انت موظف في هذه الدائرة ...؟
- نعم , انا معاون رئيس شعبة في هذه الدائرة .
إزداد ضحك الرجل و هو يقول له :
- اليوم عطلة .
غضب من ضحك الرجل , للوهلة الاولى لم يفهم ما قاله الرجل , سأله :
- هل اليوم هو عطلة رسمية ...؟
- نعم , اليوم هو عطلة رسمية .
- ما هي المناسبة ...؟
- لا أعرف , المناسبات صارت كثيرة .
هدأت اعصابه , زال توتره , ابتسم ابتسامة عريضة و قد غمرته الفرحة بعد أن انقذته هذه العطلة من عقوبة قد تأثر على مستقبله الوظيفي , تذكر سهرته مع قاسم ليلة أمس , تحدث مع نفسه بجدية و كأنه اتخذ قرار مصيري :
- من المؤكد أن قاسم هو صديق السوء الذي سيؤثر على حياتي سلبا و خصوصا حياتي الوظيفية , يجب أن اقطع علاقة الصداقة التي تربطني به و سأعتبرها علاقة من الماضي المظلم .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟