أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - الهلوسة / قصة قصيرة















المزيد.....

الهلوسة / قصة قصيرة


فلاح العيفاري

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 23:56
المحور: الادب والفن
    


بعد أن اصبح في حالة سكر شديد , تصاعدت ضحكاته في الحانة التي دخلها قبل عدة ساعات , اندمجت ضحكاته مع ضجيج السكارى الذين ازدحمت بهم هذه الحانة , صرخ بصوت جهوري :
- دعونا نثرثر .
استجاب له أحد السكارى , سأل :
- أي ثرثرة ... ؟
- لتكن ثرثرتنا فوضوية .
انتشرت ضحكاته في كل ارجاء الحانة , تشجع سكارى أخرون فأطلقوا ضحكاتهم الحرة دون خوف , لا أحد في هذه الحانة يبحث عن سبب لهذا الضحك المتواصل , امتلأت الحانة بضجيج القهقهات العنيفة , قال :
- يا قوم , قبل بضعة سنين قفزت و لم استطع تجاوز العارضة , سقطت و لم يرحمني أحد .
لم يتوقف الضحك , قال :
- لأني حاولت أن أقول " لا " , ظهر أحد الشرطة المقنعين , تبعه طابور من الشرطة السرية .
ارتفع سؤال من أحد السكارى :
- هل إن ما تقوله هو مطلع لقصيدة ...؟
لم يهتم لهذا السؤال , استمر في ثرثرته :
- كررت المحاولة مرة أخرى , قفزت , لكني لم استطع تجاوز تلك العارضة , فسقطت على الأرض , و هكذا ظل الفشل يلاحقني .
صفق له أحد السكارى الذي ظن أن وقت التصفيق قد حان , أما هو فقد رفع يده و هي ممسكة بكأس العرق العراقي و باليد الأخرى أخذ يحيّ الذي صفق له , أفرغ ما في الكأس من عرق في معدته الخاوية إلا من هذا العرق المر , تداخلت اصوات الضجيج المنطلقة من كل اركان الحانة بطعم العرق الحاد , فبصق ما في فمه على الارض و هو في حالة من الأشمئزاز العميق .
تذكر انه في وقت مبكر من حياته حاول التفوق في فن السياسة , حينها لم يكن يعرف خطورة ما كان يفعله , فكان الفشل و الألم في انتظاره , تصاعدت ضحكاته , صرخ بأعلى صوته :
- لا .
انتظر سماع الصدى , لم يأتي أي صدى , صرخ مرة أخرى :
- انا الذي قال " لا " .
لم يرتد الصدى ايضا , رفع كأسه , قال مخاطبا السكارى الذين لا بكترثون لما يقوله :
- يا ايها الضائعون , دعونا نكمل ثرثرتنا الفوضوية , سأبدأ انا الثرثرة .
قال أحد السكارى :
- ثرثر بما تشاء فنحن في حانة , و الثرثرة في الحانات مسموح بها في كل زمان و مكان .
استمر في ثرثرته :
- لقد كان لي صديقان , الصديق الأول صار قاضيا و صرت انا أمامه متهما , أما الصديق الثاني فقد أختار أن يكون مخبرا في الشرطة السرية .
امتزجت رائحة العرق مع ثرثرته و صوت سكران كان يتقيأ في الجانب الآخر من الحانة , شعر و كأنه هو المتهم الوحيد بين كل هؤلاء السكارى , لذلك صرخ :
- لا .
تخيل و هو في هذه الهلوسة انه مصلوب على شجرة نخيل , يسمع صوتا قادما من السماء البعيدة يقول له :
- لا تخف .
رفع رأسه ليرى السماء , لم يجد السماء و وجد بدلا عنها سقف الحانة و فيه بضعة مصابيح معتمة , تحدث مع سقف الحانة :
- لكنهم احالوني للمحكمة .
تكاملت عنده الصور التي تشكلها الهلوسة , فضحك حين حضر المحامي ليدافع عنه بعد أن أصبح هذا المحامي متهما قبل أن يتكلم , ثم حاول محامي ثاني الحضور لقاعة المحكمة لكنه مات قضاءا و قدرا قبل ان تبدأ جلسة المحاكمة , تخبط بألمه أمام القاضي , كان دفاعه عن نفسه ضعيفا و مبعثرا , استعان بالهلوسة العميقة فرى عصفورا أهداه زهرة , لكن القاضي غضب من وقاحة العصفور فأمر بإعدام العصفور و حرق الزهرة , امتزج غضب القاضي بصخب السكارى , حاول فهم ما يجري حوله , لكن دون جدوى , احس بتعب شديد , و عطش شديد , شرب قليلا من العرق المر فزاد عطشه , ذهب الى الحمام , أراد غسل رأـسه كي يصحو من هذه الهلوسة , تأمل نفسه في المرآة , كان يضحك لكن صورته في المرآة كانت تبكي , رأى نفسه و قد قبضت عليه الشرطة السرية و وضعوه في زنزانة صغيرة , لم يصدق ما جرى له , تحدث مع نفسه :
- هل هذا معقول ...؟
تخيل أن في الزنزانة المجاورة معتقل أخر , قالوا له أن هذا الشخص المعتقل خطير جدا , لاحظ أن هنالك ثلاثة من الحراس المدججين بالسلاح يراقبون جاره الذي يقولون عنه أنه شخص خطير , اراد معرفة حقيقة هذا الخطير , سأل أحد الحراس :
- ما قصة هذا الشخص الخطير ...؟
أجابه الحارس :
- انه لا يتألم .
- لا يتألم ...؟ الأمر غريب ...!
استمر الحارس في شرحه :
- الأغرب من ذلك انه يرفض أن يموت .
- لا يتألم و يرفض أن يموت ...؟
تمنى لو أن حالته تصبح كحال جاره العنيد , و تمنى أن يراقبه عشرات الحراس المدججين بالسلاح , لكنه اكتشف أن زنزانته بلا باب و بلا حراس يمنعونه من الخروج , خرج من الزنزانة و عاد الى الحانة , اعاد دعوته للسكارى :
- دعونا نضحك و نثرثر .
ضحك حتى غرقت عيناه بالدموع , حاول السيطرة على توازنه و الخروج من حالة الدوران حول نفسه , لم يستطع , سقط على الأرض , صرخ أحد السكارى :
- استدعوا سيارة الاسعاف .
قال شخص آخر :
- لا داعي , انا طبيب .
فحصه الطبيب و بعد أن تم سكب الماء على وجهه استفاق , سأل :
- ما هي حالتي يا دكتور ...؟
أجابه الدكتور و كله ثقة بما يقوله :
- عليك التفاهم معهم , و الأفضل هو أن تتعاون معهم .
- أنا فعلا اريد التفاهم معهم و التعاون ايضا معهم , لكن قل لي يا دكتور من هم ...؟
ضحك الطبيب و هو يقول :
- الذين يريدون معرفة بعض الأسرار منك .
أصابته الدهشة و أخذ يردد مع نفسه :
- أي أسرار ...؟ ليس لدي أسرار .
نهض ليقود الصخب و الضحك و الثرثرة , فخاطب السكارى :
- يا قوم , اضحكوا و ثرثروا , فهذا زمن الثرثرة .
شعر باليأس من هؤلاء السكارى , لا أحد منهم يشاركه الثرثرة , شرب كأسه الأخير , صار يترنح خارج الخانة , يسير دون اتجاه , أخذ يغنى أغنيته المفضلة التي كلها حزن و عتاب , يغنيها حين يعصره الألم , أو حين يحاول الهروب من الهلوسة .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللهاث / قصة فصيرة


المزيد.....




- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...
- مقابلة خاصة - الشاعرة التونسية -ريم الوريمي- ترسم بقصيدتها ل ...
- عراقجي: إرتقاء الدكتور -لاريجاني- شكّل غيابا لاحد الركائز ال ...
- وداعا عادل العتيبي.. رحيل مفاجئ لنجم -طاش ما طاش- يصدم الوسط ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - الهلوسة / قصة قصيرة