فلاح العيفاري
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 23:32
المحور:
الادب والفن
إمتد شعاع فجر جديد مخترقاً نافذة غرفة نومه راسماً ظلال صباحية ناعسة , فتح عينيه ثم اغمضها نصف إغماضة , راقب خيوط ضياء الفجر الساقطة على وجه زوجته المستلقية على السرير بجانبه , تحدثَ مع نفسه :
- إنها لازالت نائمة , قد تكون غارقة في احلامها الصباحية .
ايقظتْ حركته زوجته فرأها مبتسمة ابتسامة ناعمة , امتزجت ابتسامتها مع شعاع الفجر , سمع صوتها الخافت اللطيف :
- صباح الخير .
رد عليها مع قُبْلة صباحية :
- صباح النور .
عادتْ زوجته الى نومها الهادئ , دس يده تحت الوسادة و اخرج علبة السكائر , تحركتْ اصابعه بحركة تلقائية و اخرج من العلبة سيكارة و غرسها في فمه اليابس , اشعل السيكارة بعود ثقاب , ظل يراقب الشعلة الصغيرة في رأس عود الثقاب و هي تحرق العود بهدوء حتى نهايته , عاد الى الحديث مع نفسه :
- إن الحياة هي كعلبة كبريت و الأيام كعيدان الثقاب و فجر كل يوم هو الشعلة الصغيرة التي تحرق العود حتى نهايته , كل الأيام ستصبح تباعاً من الماضي , كل عود ثقاب يحترق يتحول الى رماد و لن يعود ابداً , عود بعد عود حتى تصبح علبة الكبريت فارغة فيرحل الأنسان عن الحياة بعد ان يحترق أخر عود ثقاب , هذه هي الحقيقة التي يحاول الإنسان تجاهلها أو نسيانها .
تحرك عنده النعاس من جديد و بفعل دخان السيكارة الأولى في الصباح أحسَ بخدر خفيف مُنعِش يجري في سائر جسده , أكمل حديثة :
- شعاع شروق الشمس الجميل لن يدوم فسيأتي بعده نهار كله هموم , ثم يحين موعد شعاع شمس الغروب ليكتمل احتراق أحد عيدان الثقاب , في فجر اليوم التالي سيبدأ احتراق عود ثقاب أخر و هكذا تجري الحياة نحو نهايتها الحتمية و يصبح الإنسان من العدم .
بعد هموم كل نهار تأتيه أحلام مزعجة في الليل , و مع ذلك يحاول أن يقنع نفسه و يقول لها :
- حياتي جيدة و لا بأس بها .
لم يشأ أن تخرج منه أه مسموعة خشية أن تستيقظ زوجته التي عادةً ما تتأخر في احلامها لغاية الصباح , انها تطلق على أحلامها الأحلام الصباحية , تحرك بهدوء دون ان تحدث حركته اي صوت أو أهنزاز للسرير كي لا يستيقظ ابنه الوديع النائم بجانب أمه , نهض من سريره , حاول إبعاد تفاصيل الحلم المقرف الذي ازعجه في الليل , كان كابوساً , انتابه شيء من القرف حين تذكر بعض تفاصيل ذلك الكابوس , تساءلَ :
- لماذا تأتيني الأحلام المقرفة في الليل , ألا تكفي هموم النهار ...؟
نفث الدخان و هو يكبت أه أتية من عمق روحه , أحياناً يبحث عن أجوبة لأسئلة ليس لها جواب :
- لماذا ليس من حق الإنسان أن يختار أحلامه , لم ليس من حق الانسان أن يحلم كيفما يشاء ...؟
أخذ نفساً أخر من الدخان , هز رأسه و صار يحدث نفسه بصوت سمعته زوجته :
- أحلامي المزعجة صارت اجبارية تفرض نفسها عليّ , بعضها صار كوابيس لا تطاق , لا أعرف كيف اتخلص منها .
قالتْ له زوجته بصوت خافت :
- ما بكَ , هل ازعجك الكابوس اللعين الذي التصق بأحلامكَ ...؟
- نعم , انه هو , صار هذا الكابوس يأتيني في نومي كثيراً لدرجة صرت أكره النوم .
ضحكتْ زوجته ضحكة يغلب عليها النعاس , سألته :
- هل ايضا أضابير و أوراق و ملفات و كتب رسمية كثيرة تلتف حولك في كوابيسكَ ..؟
- نعم , كثيرة جداً , كان كابوساً مقرفاً , إستيقظتُ على أثره في فجر هذا الصباح , انه كابوس من الأضابير و الأوراق الرسمية التي يزداد عددها و تتساقط على ارضية الغرفة الصغيرة التي أعمل فيها لمدة ست ساعات يوميا في الدائرة , كنت في وسط هذه الغرفة ابحث عن كتاب رسمي من بين مئات المذكرات و الكتب الرسمية التي صارت تحتي و بجانبي و فوق رأسي و انا اصرخ : اين انتَ يا ايها الكتاب الخبيث , المدير العام طلب مني أحضارك بشكل مستعجل , لكن الأوراق و الأضابير استمرت تتساقط على رأسي بغزارة كلما أطلقتُ صرخة حتى أصبحت داخل كومة كبيرة من الأوراق , شعرتُ بالأختناق و انا داخل تلك الكومة من الاوراق أبحث عن ذلك الكتاب الهارب مني .
نزلت زوجته من السرير , قالتْ :
- سأعمل لك شاي يجعلك تصحى و يزول عنك إزعاج هذا الكابوس .
أثناء شربه للشاي , قال لزوجته بقدر كبير من الجدية :
- لا أعرف ماذا أفعل , الأضابير و الملفات و الأوراق و الأوامر الإدارية و الكتب الرسمية تطاردني حتى في أحلامي , مضى عليً اكثر من عشر سنوات و انا اعمل داخل غرفة صغيرة فيها عدد كبير من الأضابير , و هذه الأضابير تزداد يوما بعد يوم , كل انسان حين يمسه الجنون يفعل اشياء غريبة و غالباً ما تكون مرفوضة من قبل المجتمع , يؤذي نفسه , يؤذي ناس أخرين بقصد أو دون قصد , يحرق نفسه , يتعرى في الشارع وسط الناس , أما أنا فسينصب جنوني على الأضابير التي تملأ الغرفة التي اقضي فيها ساعات الدوام الرسمي , اتحرك خلالها للبحث عن كتاب رسمي في احدى الأضابير , ثم عن كتاب آخر في إضبارة أخرى , سأحرق الغرفة بكل ما فيها من الأوراق التي تطاردني في أحلامي , و قبل أن أحرقها سأجعلها على شكل كومة كالتي اجد نفسي داخلها في أحلامي الكابوسية , ثم بعد ذلك اشعل النار فيها و أصرخ امام كومة الاوراق و هي تحترق : أحترقي يا ايتها الأوراق اللعينة فأنا الان لست داخلكِ .
عادت زوجته للنوم مرة أخرى , اشتدت حماوة اشعة الشمس الداخلة الى غرفة النوم من شباك الغرفة و غطت وجهها لتوقظها من جديد , ربما من أحلامها الصباحية ايضا , حاولتْ التخلص من اشعة الشمس إلا أن الشمس كانت جادة في ايقاظها , نهضتْ من فراشها , مطت جسدها الرشيق المختفي تحت ثوبها الأبيض الجميل , توجه نظرها نحو زوجها الذي عاد هو ايضاً للنوم مجددا , هزته :
- ابو علاء انهض , صار الصبح .
كان ابو علاء لحظتها يحمل مجموعة من الأوراق الرسمية ليقدمها للمدير العام , كررت ندائها :
- انهض , ابو علاء .
أجاب زوجته :
- استاذ هذه هي الأوراق التي طلبتها .
ضحكتْ زوجته و هي تقول له :
- عدتَ الى احلامكَ تتحدثْ عن الأوراق و الاضابير .
افزعتها حركته المفاجئة و هو يقدم الأوراق للمدير العام , صرختْ زوجته :
- ما بكَ ...؟
- هذه انتِ , قبل لحظة كنتِ المدير العام .
قبل تناوله للفطور تناول سيكارة أخرى , أخذ يدخن و هو يضحك , قال لزوجته :
- لقد تصورت انك المدير العام , كان في يدي مجموعة من الأوراق الرسمية و قد احترق نصفها بحريق اشعلته في كومة من الأضابير , كدتُ أقدم تلك الأوراق المحترقة للمدير العام لكنكِ أيقظتيني .
غسلا وجهيهما لإزالة بقايا النعاس ثم توجها للمطبخ لتناول الفطور , قال :
- انا مُتعبْ , سأطلب اجازة لهذا اليوم , و إن لم يوافق مدير الإدارة على الأجازة سأترك الدائرة و ليكن ما يكون .
- ستنال عقوبة جديدة .
- نعم , سأنال عقوبة , اعرف ذلك , لكني مُتعبْ , لقد تعبت من عملي المزعج بين الأوراق التي لا تنتهي , اضع ورقة في إضبارة و اخرج ورقة من إضبارة , هذا الكتاب طلبه المدير العام و ذك الكتاب طلبه مدير الإدارة , إضبارة رقم كذا , و الأمر الإداري رقم كذا , سكرتير المدير العام طلب الكتاب كذا , مدير الذاتية بشكل مستعجل يريد نسخة من هذا الأمر الإداري , إنها دوامة لا تنتهي .
- يا ابو علاء , لم لا تطلب تغيير طبيعة عملك ...؟
- لعدة مرات طلبت نقلي الى شعبة أخرى , الى عمل أخر , لكنهم دائما يرفضون طلبي بحجة عدم توفر البديل , أو بسبب اني قد صرتُ أتقن عملي و اعرف الأضابير إضبارة إضبارة , و الأوراق ورقة ورقة , هل يريدون إبقائي بين هذه الأضابير و الملفات و الاوراق لحين إحالتي على التقاعد , من المؤكد أني سأصاب بالجنون قبل أن أصل الى سن التقاعد , فبسبب طبيعة عملي لم يعد لي الحق في أن أحلم احلام جميلة هادئة , في اليقظة أوراق و أضابير و في الحلم يعاد المشهد لكن بدرجة أكثر قسوة , أريد التخلص من هذا كله , لكن كيف , لا أعرف .
اثناء تناولهما للفطور اقترحتْ عليه زوجته , أخذ إجازة مرضية , قالتْ :
- قد يرفض المدير منحك اجازة اعتيادية متحجج بأن ظروف العمل لا تسمح , لكنه لا يستطيع منعك من أخذ إجازة مرضية .
- كيف احصل على اجازة مرضية , انا لست مريض , هل يوافق الطبيب على اعتبار الشعور بالقرف و الملل و الضجر من العمل مرض يستحق الإجازة ...؟
- انت بحاجة الى واسطة , انا اعرف في منطقتنا امرأة اسمها أم علي , زوجها مضمد في المستشفى , ربما يمكنه مساعدتك .
- لنذهب اليها الأن .
بعد أن طرق باب بيت أم علي , فتح الباب لهما ابو علي , عرفهما فورا , انهما جيرانه , رحب بهما و دعاهم لدخول داره :
- تفضلوا .
قال ابو علاء لأبو علي :
- شكرا , انا بحاجة لمساعدتكَ في الحصول على اجازة مرضية .
- هل انتَ مريض ...؟
- لا , لكني أشعر بالقرف و الملل و الضجر من طبيعة عملي في الدائرة .
- كم يوم تحتاج ...؟
- بقدر ما تستطيع .
- اسبوع يكفي ...؟
- طبعا يكفي .
- تعال اليوم للمستشفى في حدود الساعة العاشرة , سأتفق مع أحد المرضى , و يفضل أن يكون مصاب بالحمى , أطلب منه تقديم ورقة مراجعتك للمستشفى على انه انتَ , سيكتب الطبيب له الدواء اللازم , و الأجازة لك , أجازة لا تقل عن اسبوع .
- هل هنالك احتمال أن يكتشف الطبيب هذا التلاعب .
- لا , أطمئن , ليس في ورقة مراجعتك للمستشفى صورتك , و الطبيب لا يدقق في مثل هذه الأمور , فكيف سيعرف ...؟
- فكرة مذهلة .
- يا ابو علاء , عليك أن لا نخبر أي شخص عن هذا الموضوع , و سأحصل لك على إجازات بالقدر الذي تحتاجه و ترغب به يا جاري العزيز .
- طبعا . سوف لن أخبر أي أحد إطلاقا , لكن قل لي هل علي أن أدفع للمريض مبلغ مقابل هذا الأمر ...؟
- لا , فانا سأقنعه بأن ما سيقوم به هو خدمة انسانية لشخص محتاج لإجازة من العمل , بالإضافة الى اني سأساعده في الحصول على الدواء مجانا من صيدلية المستشفى , ففي الكثير من الاحيان تقترب كمية الدواء من النفاذ في صيدلية المستشفى , فيقوم العاملون فيها بإبقاء كمية منه للمعارف و الأصدقاء .
- جيد .
بعد حوالي ساعة , صار ابو علاء امام مدير الادارة و معه طلب لمراجعة المستشفى , قال المدير :
- ما هذا ...؟
- طلب لمراجعة المستشفى .
- هل انت مريض ...؟
- عندي اسهال قوي جدا , و إن لم تصدق تعال معي لترى بعينيكَ .
لم يستطع المدير إلا أن يوافق على الطلب و سارتْ الأمور كما خطط لها جاره المضمد ابو علي و حصل على إجازة لمدة اسبوع , قال ابو علاء لجاره :
- لن انسى مساعدتك لي .
- تعال في أي وقت تحتاج الى إجازة , سأحصل لك على إجازة مرضية أخرى لمدة اسبوع أو أكثر .
- يا أخ ابو علي , سنين مضت منذ تعيني و انا لم أخذ أي اجازة مرضية لأن صحتي جيدة و الحمد لله , رصيدي من الإجازات المرضية التي استحقها براتب كامل كبير .
بعد أن انتهت إجازة ابو علاء المرضية تبعها بإجازة مرضية اخرى , مرة يتحجج بأن عنده اسهال شديد , و مرة عنده قبض مستمر لعدة أيام و مرة يعاني من صداع شديد , قال لزوجته :
- الحجج كثيرة و الإجازات المرضية اصبحت كثيرة ايضا .
ذات صباح حين دخل على مدير الإدارة ليطلب مراجعة المستشفى و هو يمسك بطنه و يتلوى من الألم الشديد الذي يمزق امعائه , فاجئه المدير بأمر إداري بنقله من شعبة الأضابير الى شعبة الاستعلامات , قال له المدير :
- لكثرة اجازاتك المرضية تقرر نقلك الى شعبة الاستعلامات .
لم يصدق ما سمعه و ما يراه من أمر أداري بنقله , إستلم ابو علاء الأمر الأداري بيده و هي ترتجف , ثم سـأل :
- هل في شعبة الاستعلامات أضابير ...؟
اجابه المدير و هو يبتسم :
- لا .
- الحمد لله .
زال عنه الألم الذي كان يمزق امعائه و لم يعد يتلوى , قال لمدير الإدارة :
- لا داعي لمراجعة المستشفى , لقد زال الألم .
فرد عليه المدير :
- اعرف أن معاناتكَ و مرضكَ هي من الأضابير , أذهب بسرعة لشعبتك الجديدة و إلا سألغي أمر النقل و ابقيك مع الأضابير لعشر سنوات أخرى .
- شكرا استاذ , مع السلامة .
اتصل هاتفيا بزوجته , قال لها :
- صدر أمر بنقلي الى شعبة الاستعلامات , لقد تخلصت من الأضابير .
- مبروك .
هرول مسرعا الى شعبة استعلامات الدائرة , قدم لمدير شعبة الاستعلامات أمر النقل , قال له مدير شعبة الاستعلامات :
- متى ستباشر عملك في شعبتنا ...؟
أجابه بسرعة و كأنه يريد أن يجعل تخلصه من شعبة الأضابير أمرا واقعا لا رجعة فيه :
- الآن .
أشار مدير شعبة الاستعلامات الى طاولة في ركن الغرفة المخصصة لهذه الشعبة , قال :
- هذه الطاولة مخصصة لك .
- شكرا .
بعد بضعة أسابيع من مباشرته بالدوام في شعبة الأستعلامات , بدأ يشعر بالضجر و الملل من قضائه لساعات الدوام الرسمي دون أن يقوم بأي عمل سوى انتظار انتهاء الدوام الرسمي , تقدم لمدير الاستعلامات بإقتراح :
- أستاذ , عندي اقتراح .
- ما هو ...؟
- أنا مستعد لعمل أضبارة لكل موظف في دائرتنا , أجمع في هذه الإضبارة البيانات عن غياب الموظف عن الدوام و تأخره عن أوقات الدوام الرسمي و اجازاته المرضية و الاعتيادية و حتى الاجازات الزمنية ليكون مرجعاً للإدارة العامة للدائرة لتقييم مستوى إنضباط كل موظف من الموظفين .
انتظر رد من مدير شعبة الاستعلامات على مقترحه , لكن مدير الشعبة فضًل أن لا يرد و قال له :
- يا ابو علاء , عد أجلس في محلكَ .
جلس ابو علاء في محله لا يفكر في أي شيء .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟