فلاح العيفاري
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 21:31
المحور:
الادب والفن
إحمرتْ عيناه من كثرة شربه للخمر , قرر مغادرة الحانة فأنهى أخر كأس لديه من الخمر و نهض , وقف عند باب الحانة ليودع روادها :
- ما رأيكم يا اصدقائي السكارى في حانتنا الصغيرة الرائعة بمقولة " إما أن نكون أو لا نكون " ...؟
رد عليه رجل على اعتاب الشيخوخة يجلس في الركن البعيد من الحانة بصوت مبحوح سمعه الجميع :
- من منعك في أن تكون ...؟ يبدو انك لا تريد أن تكون .
- لقد قالوا لي و انا تحت قبضتهم : إياك و أن تكون و إلا سلخنا عنك جلدك , حينها تركت التحدي لأني خفت أن اموت من البرد إذا ما سلخوا عني جلدي .
ضحك العديد من السكارى حين تخيلوا انسان يشعر بالبرد الشديد بعد أن سلخوا عنه جلده , لكنه لم يبالي و أكمل ثرثرته :
- أما الآن , فلقد تغيرتُ إذ أني اريد أن أكون و ليكن ما يكون .
سمع ردا أقوى من الرد السابق من الرجل صاحب الصوت المبحوح :
- انت تدعي الشجاعة لأنك في حالة سكر شديد , لكن حين ستصحو غدا صباحا و تتذكر ثرثرتك الخطيرة ستبكي من الندم .
- لا تستفزني يا رجل و اعلم اني شجاع دائما , فأنا شجاع إن كنت سكران أو صاحي , و إن حان أوان الموت فما عليّ إلا أن اموت و لا اركع , إعلم أن من يريد حقا أن يكون عليه أن لا يخاف الموت و لا البرد حين يُسلخ عنه جلده .
رد الرجل بصوته المبحوح المتقطع بطريقة مختلفة هذه المرة , فقد اطلق قهقهات عالية و مبعثرة جعلت بعض رواد الحانة يضحكون و يسخرون , شعر بغضب شديد من تلك القهقهات , تراجع عن عزمه مغادرة الحانة , طلب من عامل الحانة قنينة خمر جديدة , بعد أن شرب منها كأسا رد على تلك القهقهات :
- اسمعوا يا من في هذه الحانة , بعد جدل معقد مع نفسي قررت ان لا اخشى التحول من إنسان الى رماد لأني اريد أن اكون , من يريد أن يكون عليه أن لا يخشى شيئاً .
سخر الرجل صاحب الصوت المبحوح من ما يسمعه , قال :
- كلام السكران في الليل يمحوه النهار .
إنهمكَ كثيرا في ثرثرته , زال عنه بقايا الشعور بالخوف تماما , نهض و هو يحمل كأسه بيده , بدأ يقص عليهم قصته :
- أنا مدرس تاريخ , فقدت قدرتي على تحمل تدريس التاريخ المزور , من شدة جزعي حرقتُ في ساحة المدرسة الكتاب المقرر لمادة التاريخ , قلت لمدير المدرسة : التاريخ في هذا الكتاب مزور و لا اتمكن بعد الان من تدريسه للتلاميذ , فتدريس التاريخ المزور اشتراك في الجريمة , اتصل مدير المدرسة بالشرطة لترحيلي الى مستشفى الأمراض العقلية , لكن ضابط الأمن لم يفعل ذلك بل اعتقلني و نقلني الى مديرية الأمن العامة , لحد الان لا اعرف ما هي العلاقة بين هذه المديرية و دراسة التاريخ , تعرضت للضرب بكل اشكاله و على كل اجزاء جسدي , علمت أن الأمر ليس غريبا , فهذا هو عمل رجال الأمن , انهم يمارسون وحشيتهم بكل حيوية و نشاط و أخلاص و دون كلل و لا ملل و يعتبرون ما يقومون به هو إداء لواجبهم الوطني , أحالوني للمحكمة , تم الحكم عليّ بالحبس لمدة ستة اشهر فقط , قيل لي انه أقل عقوبة ممكنة على الجريمة التي ارتكبتها و هي حرق كتاب هو من ممتلكات الحكومة و من تأليفها , و إن القاضي قد تساهل في حكمه بسبب الخلل في قواي العقلية .
تناول كأس أخر من الخمر , صمت قليلاً , ثم أكمل قصته :
- بعد ان قضيت عقوبة الستة اشهر لم يطلق سراحي إلا بعد أن وقعت على تعهد بأني سأقوم بتدريس التاريخ المدون في الكتاب المقرر , عدت لعملي في تدريس مادة التاريخ و أقول للطلبة أن هذا التاريخ هو التاريخ الحقيقي و مَنْ يقول عنه انه تاريخ مزور هو عميل لأعداء الأمة , اعترفت أمام الطلبة اني كدت أن أخون الأمة لكن الرفاق في مديرية الأمن العامة صححوا لي مسار سلوكي و تفكيري .
هدأت الحانة حين كان السكارى يستمعون بإهتمام لقصة مدرس التاريخ , بعضهم اعتقد أن المدرس قد فقد عقله و البعض الآخر يرى أنه لا يعرف عن ماذا يتحدث لأنه في حالة سكر شديد , أما هو فقد استمر في ثرثرته :
- تعلمت و انا في ضيافة مديرية الأمن العامة أن لا أعترض و لا احتج على ما هو مقرر من قبل الحكومة و اتعامل معه كأنه أمر مقدس لا يجوز المساس به , و لو سألني أي أحد منكم بعد خروجي مباشرةً من السجن , هل يجب علينا أن نكون أم أن لا نكون ...؟ لكان جوابي هو أن لا نحاول أن نكون لأن في ذلك عذاب لا يطاق .
ما تحدث به المدرس شجع شاب في العشرينيات من العمر و هو في حالة سكر شديد ايضا للحديث عن معاناته التي تصل احيانا لدرجة الهلوسة , قال :
- حلمت في ليلة أمس اني اردت دخول هذه الحانة و رأسي معي فوق جسدي , اوقفني شرطي كان يقف عند باب الحانة , قال لي : هل انت مجنون , تدخل الحانة و معك رأسك , قلت له : ماذا افعل , قال : لا اعرف عليك أن تدخل الحانة دون رأسك , قلت : لكن كيف سأشرب الخمر , قال : لا اعرف هذه مشكلتك , عدت للدار و وضعت رأسي على الطاولة في غرفتي التي اكتب فيها دراسة حديثة عن الحانات في عصر الجاهلية , عدت للحانة دون رأسي , اردت شرب الخمر فلم اجد فمي فانسكب الخمر على صدري فاستيقظت من ذلك الكابوس , تحسستُ رأسي بيدي فوجدته موجود في محله , مشكلتي هي اني لا أعرف كيف اتخلص من هذا الكابوس الذي يأتيني في منامي كثيراً .
ضحك الكثير من السكارى , لكن أحدهم و هو ملقب بشاعر الحانة قال للشاب :
- حديثك عن كيف تدخل الحانة دون رأسك نشط عندي وحي الشعر لكتابة قصيدة جديدة , سأعطيها اسم واقعي يصف حالتك , هلوسة مثقف , مطلعها : مثقف يتخلى عن رأسه , و يرسم على موائد الخمر حزنه .
صفق بعض رواد الحانة و طلبوا من الشاعر قراءة القصيدة كاملة , قال لهم الشاعر :
- حين سأكمل كتابتها سأقرأها لكم , بالتأكيد في يوم آخر .
سأل مدرس التاريخ رواد الحانة بعد أن اصبح من شدة سكره لا يعرف عن ماذا يتحدث :
- هل الحقيقة مهمة في عصر الأقمار الصناعية و هل علينا أن نهرب إذا هاجمتنا مجموعة من الدبابات الحديثة و نحن في هذه الحانة الصغيرة أم علينا أن نقاوم ...؟
قال شاعر الحانة :
- لقد تطور الحديث و صار خطيراً جداً .
اختلط حديث السكارى في الحانة , صار الجميع يتحدثون في آن واحد , لا احد يسمع الأخر و ليس هنالك رابط أو علاقة بين ما يقولونه , غادر الشاعر الحانة و حين وصل الى داره بدأ في كتابة مسرحية من فصل واحد , بطلها رجل مقتول و جثته مرمية على خشبة المسرح , في القاعة كل الكراسي فارغة , أما موضوع المسرحية فهو " أمل مغدور و شرطة مقنًعون " , قبل أن يبدأ فصل المسرحية الوحيد يتحطم المسرح و تجلس الكراسي الفارغة قوق بعضها , لا يبقى في المسرح سوى شرطة يرقصون فرحا , ثم تنطفئ انوار المسرح و يضع الشرطة المقًنعون اقنعة فوق اقنعتهم و يباشرون في توزيع الروايات المليئة بالجنس المبتذل , يتقدم الشرطي الأعلى رتبة نحو مخرج المسرحية , يأمره بوقف عرض المسرحية و هو يقول له : لا أدب و لا فن ينعش الأمل بعد اليوم , يسأله المخرج : لماذا ...؟ , يجيبه الشرطي : لأن الأوامر صدرت , يتساءل المخرج : لماذا صدرت الأوامر ...؟ يجيبه الشرطي : لأن الحاكم قد قرر ذلك , المخرج يسأل : يا شرطي قل لي لماذا قرر الحاكم ذلك ...؟ , يرد الشرطي بغضب : يا غبي , لأن الحاكم يريد أن يبقى حاكم , عندها يتحدث المخرج مع نفسه : الان فهمت ما كان يقصده مؤلف المسرحية من كل هذه الفوضى , قبل أن تسدل الستارة ينهض الرجل المقتول الذي كان مرمي على خشبة المسرح و يصرخ : انا عنيد و لن ابيع صوتي و سأبقى سلطان نفسي , فتصيبه بضعة طلقات و يقتل من جديد .
بعد أن أكمل الشاعر كتابة المسرحية سمع رنين جرس باب داره , فتح الباب فوجد أمامه ضابط و معه شرطيين , قال له الضابط :
- جئت لأخيرك بين أمرين , أما أن تذهب مع هذا الشرطي الى مديرية الأمن العامة بهذه السيارة أو تذهب مع الشرطي الآخر لمستشفى الأمراض العقلية بتلك السيارة .
لم يفكر الشاعر طويلا , بل أجاب بسرعة :
- اختار مستشفى الأمراض العقلية .
سأله الضابط :
- لماذا اخترت مستشفى الأمراض العقلية ...؟
أجابه الشاعر بسرعة :
- لأني عاقل .
قبل أن يصعد الشاعر للسيارة التي ستنقله طوعا الى مستشفى الأمراض العقلية سأل :
- هل استطيع أخذ ما كتبته من شعر و مسرحيات عبثية معي ...؟
رد الضابط بحزم :
- لا يمكنك أخذها , سأخذها معي الى مديرية الأمن العامة بأعتبارها اداة الجريمة .
حال صعود الشاعر للسيارة و جد داخلها مدرس التاريخ يجلس و هو يبتسم , سأله :
- لماذا كان هذا هو خيارك ...؟
- لأني عاقل .
- و انا كذلك .
بعد أن تحركت السيارة , أطلق مدرس التاريخ و شاعر الحانة قهقهات توحي للآخرين انهما من المجانين و لا شك في ذلك .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟