أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - هموم وسط الدخان / قصة قصيرة .















المزيد.....

هموم وسط الدخان / قصة قصيرة .


فلاح العيفاري

الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 12:50
المحور: الادب والفن
    


شَكّل الدخان المنبعث من سيكارته حاجزا يفصله عن رواد الحانة , كان المساء قد مد جذوره في شوارع مدينة بغداد الساكنة , أطفأ سيكارته , وضع رأسه على الطاولة بجانب قنينة العرق العراقي , تباطأت حركة عقارب الساعة المعلقة على حائط الحانة , شيئاً فشيئاً غلبه النوم , لم يعد لصخب الحانة وجود , ايقظه عامل الحانة :
- إنهض , لا يجوز النوم هنا , الأفضل أن تذهب لدارك .
تناول كأس آخر من العرق , قال لنفسه :
- طفل أخر ...؟ ألا يكفي أربعة ...؟
ظن انه كان يحدث نفسه , إلا أن الشخص الذي يجلس في الطاولة المجاورة سمعه , سأله :
- كم طفل لديك ...؟
- اربعة , و الخامس في الطريق .
- الله يكون بعونك .
انساب العرق المر من بين شفتيه بهدوء الى داخل معدته الخاوية فشعر بحرقة خفيفة فيها , تناول ملعقة من اللبن لتخفيف تلك الحرقة , أخذ يعيد حساب المصاريف التي أخذت تزداد يوماً بعد يوم :
- راتب من الوظيفة الحكومية مع أجور لعمل ثاني بعد انتهاء الدوام الرسمي سوف لن يكون ذلك كافيا للمصاريف الجديدة المطلوبة , هل عليّ أن ابحث عن عمل ثالث في الليل , هذا ليس أمرا شاقا بل مستحيلا .
أشعل سيكارة أخرى , سأل نفسه :
- ماذا أفعل ...؟
رد دون تردد :
- لا أعرف .
تناول ملعقة أخرى من اللبن قبل أن يشرب جرعة أخرى من العرق , سحب نفساً عميقاً من سيكارته , نفذ الدخان مع أه عالية نابعة من أعماقه , عاد الدخان يرسم اشباحا لكائنات مجهولة ترقص أمامه . حرك رأسه الى اليمين ثم الى اليسار , بانت له جميع وجوه رواد الحانة و هي متيبسة تحيط بها سحب الدخان غارقة في همومها الخاصة و غير مستعدة لتناول هموم الاخرين بإستثناء الشخص الذي سأله عن عدد اطفاله , نظر اليه هذا الرجل و هو يبتسم , قال :
- فعلا أمرك صعب , اربعة اطفال و الخامس في الطريق , فعلا الزواج ورطة .
شاركه الحديث و هو يهز رأسه :
- نعم انه ورطة , الزواج يسحب الانسان من مشكلة ليدفعه الى مشكلة أخرى أكبر .
تشجع هذا الشخص فنقل كل ما لديه من مزة و بقايا العرق في القنينة شبه الفارغة الى طاولته و جلس امامه , و حال جلوسه رفع كأسه , قال و هو يبتسم :
- أشرب , لا تفكر لها مُدَبر .
رد عليه برفع كأسه :
- بصحتك .
وجه له هذا الشخص سؤالاً :
- ماذا ستسمي المولود الجديد ...؟
- صباح , اراه اسم جميل و يصلح للبنت و للولد .
- فكرة جيدة و اسم جميل .
بعد شربه لكأس آخر من العرق ثقل رأسه فتدلى و هو معلق برقبة متشنجة , ما عاد يسمع صخب الحانة , امتد خياله و تذكر طفولته في القرية التي ولد فيها فنظر الى بضعة ضفادع تقفز جنب الجدول قرب دار ابيه في القرية , امتزجت ألوان الغروب و هي تخترق ماء الجدول الطيني , أخترق صوت أمه غابة النخيل , تناديه :
- جعفر , ارجع للبيت , صار وقت العشاء .
تكسر صوت أمه حين رمى قطعة الثلج في كأس العرق , تمكن من ترك أجواء الحانة و العودة مرة أخرى لذكرى قريته و جدول الطيني , لكن ضيفه الذي شاركه الجلسة دون دعوة منه سأله :
- هل انت حزين , لان الله سيرزقك بمولود جديد ...؟
- لا انا لست حزين , لكني مشتت التفكير , لا أعرف كيف سأدبر أمري , المصارف المطلوبة ستكون أكبر من امكانيتي .
سحب نفس عميق أخر من سيكارته , نفث الدخان , تشكلت حلقات جديدة من الدخان , تأمل من خلال هذه الحلقات النخيل حين كاد ظلها يختفي في الجدول تماما , ركض بسرعة و بحركة اعتاد على تكرارها طار للحظات في الهواء ثم قفز في الجدول , غطس فيه , احدث اصطدام جسده الصغير بسطح ماء الجدول حلقات من امواج لماء طيني , برز رأسه الصغير من بين تلك الأمواج و هو يبتسم , سمع صوت أمه من جديد :
- ارجع يا جغفر , الدنيا صارت ظلمة .
أقترب من جرف الجدول , تسلق الحافة الطينية , خرج ليعود لبيت أهله , سمع صهيل حصان عمه , كان الحصان مربوط بجذع نخلة , اتجه صوب الحصان , ارتجف جسده العاري من البرد قليلا . نظر الى عيني الحصان , تحركت اصابعه الصغيرة تمسح رقبة الحصان , فك عقدة الحبل الذي يربط الحصان بجذع النخلة , هز الحصان رأسه دلالة على الموافقة , قفز بجسده الصغير و جلس على ظهر الحصان , بإشارة بسيطه منه انطلق الحصان مخترقا الطريق الترابي بسرعة عالية , سمع صوت أمه :
- ارجع يا جعفر , لقد حل الليل .
عادت اجواء الحانة , اعاد تشكيل حلقات دخان سيكارته , قال لنفسه :
- العودة الى قريتنا و العيش فيها هي الحل , المصاريف هناك اقل , لا ايجار , لا كلفة لوسائط نقل , الحياة هناك أسهل , سأعود اليها .
في طريق عودته للدار صادف جاره عبد الرحمن , سلم عليه جاره و نقل له الخبر السعيد :
- مبروك , الله رزقك بتوم , ولد و بنت .
من شدة الصدمة صحى و تبخر أثر العرق , رد على جاره :
- يعني صار العدد ستة .
سأله جاره :
- ماذا ستسميهما .
- البنت سأسميها صباح و الولد سأسميه ايضا صباح .
ضحك جاره عبد الرحمن و هو يقول :
- كيف ذلك , إذا ناديت على أحدهم سيأتي الأثنان .
- أعرف , و هذه هي أفضل عقوبة لزوجتي .
اشعل سيكارة أخرى ليشكل حلقات دخان جديدة ينظر من خلالها الى قريته التي سيعود اليها .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخوذة العسكرية / قصة قصيرة
- ورود على الرصيف / قصة قصيرة .
- الإلتزام / قصة قصيرة
- الهلوسة / قصة قصيرة
- اللهاث / قصة فصيرة


المزيد.....




- أطلال نظام مائي مملوكي قرب قلعة القاهرة تكشف كيف تسلّق الماء ...
- الأجاويد.. فنانون سودانيون يتحدون اللجوء في تشاد بالكوميديا ...
- القضاء الإيراني يؤيد حكم السجن بحق المخرج السينمائي الشهير ج ...
- مسية ثقافية لمناقشة رواية -ثلاثية غرناطة- في أثينا
- بأدلة رقمية ووثائق عسكرية.. منصة تركية تفضح زيف الرواية الإس ...
- من الكونغ فو إلى الرقص.. روبوتات يونيتري تتحدى البشر على الم ...
- مصر.. ساويرس يرد على تدوينة -حرب أكتوبر انتصار لإسرائيل- مبر ...
- محاضرة عن الشعر العربي للدكتور إياس ناصر في العاصمة اليوناني ...
- قصر الثقافة والفنون في الديوانية يقدم قراءات نقدية وشهادات ب ...
- مشاهد جوية من أفاميا.. مدينة سورية عمرها 2300 عام على قوائم ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - هموم وسط الدخان / قصة قصيرة .