أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - ورود على الرصيف / قصة قصيرة .















المزيد.....

ورود على الرصيف / قصة قصيرة .


فلاح العيفاري

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 23:05
المحور: الادب والفن
    


في الركن البعيد عن باب غرفته كان ابراهيم عبد الرزاق يتأمل وجهه من خلال مرآة صغيرة معلقة على الخائط , تساءل :
- هل هذا وجه لشاب عمره لم يتجاوز الثلاثين سنة , انه يبدو وجه لشخص عمره اكبر من ذلك بسنين , بعشرة سنين على الاقل , حقا هذا هو فعل الهموم و تعب السنين .
أخذ يصفف شعر رأسه بعناية غير اعتيادية و يرسم على وجهه ابتسامة من أجل أن يبدو شابا متفائلا عنده أمل كبير في مستقبل غير مجهول , سمع صوت خفيف لحركة باب غرفته الخشبي , حدث نفسه :
- هناك من يحاول فتح باب الغرفة بتأني , أكيد انها أمي .
لمح صورة امه في المرأة و هي تختلس النظر اليه , قال لها :
- أدخلي يا أمي .
دخلت أمه الغرفة , أمعن النظر من خلال المرآة لشيخوختها المبكرة , دار نصف دورة حول نفسه , صار أمام امه , أحنى رأسه انحناءة خفيفة كما يفعل في كل مرة عند تحيته لأمه , انتعش قلب الأم حين رأت ابتسامة ابنها الوحيد و قد اتسعت دلالة على شعوره بفرح عميق , بحركة عفوية اقتربت منه و قَبلتْ رأسه أما هو فقبلَ يدها و هو يقول لها :
- يا اروع أم في الدنيا .
قالت الأم و قد غطى الفرح عينيها :
- اين ستذهب ...؟
- سأذهب لأشم رائحة نهر دجلة و نخيله و طينه , الجو في بغداد في مثل هذه الايام رائع و منعش .
الشعور الغريزي للأم و ريما ورائه اسباب غيبية جعلها تخشى من شيء غريب مجهول قد يحدث , سألته :
- متى ستعود ...؟
- قبل المغيب , قبل غروب الشمس , عندما تودّعني .
ابتسمت أم ابراهيم و هي تسأله باستغراب :
- من ستودّعك ...؟
- الشمس يا أمي .
- الشمس ...؟
- نعم الشمس , النور الدفأ الذي انتظرته طويلا .
- كلمات جديدة تسمعها الأم من ابنها للمرة الأولى , قالت لنفسها :
- من المؤكد أن الأمر له علاقة بفتاة .
استمر في حديثه و الفرح ظاهر على ملامح وجهه :
- يا امي , هي الفرح و النور الذي حلمت به , هي الأمل بالحياة و السعادة .
- يبدو انك تحبها جدا جدا .
- نعم يا امي , احبها بتطرف .
- من هي ما اسمها ...؟
- حين سأعود سأشرح لك كل شيء و بالتفصيل .
دس يده في جيب سرواله , ثم في جيب قميصه , هز رأسه هزة خفيفة , حدث نفسه عن اشياء لها علاقة بالإفلاس المزمن , ادركت الأم عما يبحث ابنها , فأعطته مبلغ بسيط من بقايا الراتب التقاعدي لزوجها الذي توفي و ترك لهما بيت صغير و راتب تقاعدي بسيط , أما ابراهيم فهو يعمل في ايام و يبقى عاطلا عن العمل لأيام أخرى .
خرج لحديقة دارهم الصغيرة و قطف منها زهرتان , واحدة حمراء و الأخرى بيضاء ليقدمها لحبيبته التي سيلتقي بها , قد يكون للون الوردتين الأحمر و الأبيض دلالة ما في نفسه , خرج من الدار و هو في كامل حيويته و نشاطه و كل ما يحتاجه في تلك اللحظة هو أن يغني بصوت لا يسمعه غير حبيبته .
كانت هنالك سيارة تقف مقابل باب دارهم فيها اثنان يبدو من طريقة نظرهم و مراقبتهم للأشخاص الذين يمرون من أمامهم انهم من الرجال المكلفين بحماية أمن الوطن , لم ينتبه ابراهيم لهذه السيارة , سار نحو موقف الباصات العمومية لنقل الركاب , ركب احدى الباصات , تبعته سيارة حماة الوطن , في الطريق قرأ لافتة عريضة و طويلة فيها شعارات لأهداف الحزب و الثورة , هز رأسه و هو يحدث نفسه :
- بهذه الشعارات خدعوا البعض من الشباب المتحمس .
وصل قريبا من مكان لقاء حبيبته , نزل من الباص , توقف سيارة حماة الوطن في مكان يسهل من خلاله تتبع خطوات سير أبراهيم , يبدو أن حماة الوطن يشكّون ان ابراهيم على موعد مع أحد اعضاء التنظيم السري الذي ينتمي اليه , اسرع ابراهيم للقاء مستقبله و حبه , لم ينتظر طويلا حتى بانت له من بعيد فتاته الجميلة و هي متجه نحوه , أسرع نحوها , نزل أحد حماة الوطن من السيارة و سار خلف ابراهيم , في لحظة لقاء ابراهيم بفتاته قدم لها الزهرتان , قال :
- هذه انا و هذه انتِ .
سألته :
- ايهما انا و ايهما انتَ ...؟
- الوردة البيضاء انتِ و الحمراء انا .
شعرت فتاته بشيء من الخوف حين وصف نفسه بالوردة الحمراء , فالوردة البيضاء مفهومة بالنسبة لها , هي السلام و الاستقرار , أما اللون الأحمر فهو اشارة تنبئها بأمر خطير قادم , أمر تخشاه , سارا على رصيف الشارع الموازي لنهر دجلة , تذكرت حديثه عن المستقبل الذي سيسود فيه العدل و يزول منه الظلم , ربطت هذا الحديث بلون الوردة الحمراء فزاد قلقها و خوفها , انها تبحث عن الاستقرار و الهدوء , و ابراهيم يشبه نفسه بالوردة الحمراء , انه التناقض الذي لم تشعر به من قبل , انها المرة الأولى التي وجدت فيها هذا التباين في نظرتهما و تطلعهما للمستقبل .
ظل رجل الأمن يسير خلفهما , لكنه لم يمهلهما كثيرا , تقدم نحوهما و وجه كلامه لإبراهيم الذي اصفر وجهه فجأة :
- هويتك .
نظر ابراهيم الى وجه رجل الأمن فتخيل أن وجهه يمثل كل الشر الذي يخشاه , توقفت احاسيس ايراهيم و تلاشت قدرته على التفكير , التفت الى فتاته الجميلة فرأى الدموع و قد بدأت تنهمر من عينيها و تنساب لتغطي خديها الورديتين الجميل , قدم ابراهيم هويته لرجل الأمن و هو يقول :
- هذه هويتي , ما الأمر , هل هنالك مشكلة ما ...؟
تفحص رجل الأمن الهوية , اقتربت سيارة حماة الوطن منهم , قال رجل الأمن :
- لا , ليس هنالك مشكلة , تفضل معنا , نريد أن نسمع منك الاجابة على بضعة اسئلة بسيطة .
صعد ابراهيم الى سيارة حماة الوطن , انطلقت السيارة بسرعة و في داخلها صيد ثمين مخلفة ورائها فتاة حزينة , سقطت الوردتان الحمراء و البيضاء على رصيف الشارع , تبعثرت اوراقهما فدفعتهم الريح بعيدا عنها , عادت الفتاة من حيث أتت بعد أن ضاع أملها في حياة سعيدة هادئة بلون الوردة البيضاء .
مرت الأيام , ثم الأشهر و تبعتها السنين و لازالت أم ابراهيم تنتظر عودة ابنها الوحيد الذي راح للقاء الشمس فصحبته تلك الشمس معها في ذلك الغروب , لقد اعتادت أم ابراهيم الجلوس على عتبة باب دارها عند كل غروب لعلها ترى ابنها و هو يعود كما وعدها حين قال لها :
- سأعود قبل غروب الشمس .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإلتزام / قصة قصيرة
- الهلوسة / قصة قصيرة
- اللهاث / قصة فصيرة


المزيد.....




- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح العيفاري - ورود على الرصيف / قصة قصيرة .