فلاح العيفاري
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 08:30
المحور:
الادب والفن
كان الربيع في بدايته و الشتاء قد رحل , هبَ نسيم بارد منعش داعب لحية ابو ياسر التي صبغها الزمن باللون الأبيض , صفف بيده شعر لحيته و هو ينظر الى مسحاته بعينيه التي لازال النعاس يطغى عليهما , حرك مسحاته و كأنه يريد تقبيلها قال لها :
- انتِ مصدر رزقي .
قال هذه الجملة و قد نسي أن مصدر رزقه الحقيقي هو جهده العضلي الذي أخذ يضعف مع تقدم العمر يوما بعد يوم , فمسحاته هي مجرد عدة عمل , لكن لكونها عدة عمله الوحيدة التي رافقته طيلة سنين طويلة أصبح يشعر انه لا يستطيع العمل بدونها أو بإستبدالها بمسحاة أخرى جديدة ليحصل على رزقه اليومي .
تقدم نحو بائع الشاي و تناولت يده قدح الشاي الذي لسعت حرارته أصابعه , لكنه ظَلً ممسكاً به و يده ترتجف , توجه صوب جدار البناية المجاورة , جلس القرفصاء و المسحاة بيد و قدح الشاي باليد الأخرى , وضع المسحاة الى جانبه , احدثَ صوت اصطدام الملعقة الصغيرة بقدح الشاي طقطقات بعثت في نفسه شعور خاص و لطيف , فهو لا يحب شرب الشاي دون أن يسمع هذه الطقطقات , بدأ يشرب الشاي رشفة بعد رشفة , كان مذاق الشاي لذيذ خاصة بعد أن أكمل تناوله للخبز الحار و القيمر الذي تبيعه أم علي للعمال , هي امرأة في الستين من العمر , يبدو من ملامحها و ملابسها أنها من قرى جنوب العراق , أحيانا يضحك على حاله حين يتذكر المثل الذي يقول " عشيرتنا بخير لا ينقصها و لا يعوزها غير الخام و الطعام " , هو يعرف أن المقصود بالخام في هذا المثل ليس الملابس فقط بل ايضا كل احتياجات الإنسان للعيش بقدر بسيط من الرفاهية .
نظر بإمعان للعمال المتجمعين حول أحد المقاولين الذين يأتون الى هذا المكان في فجر كل يوم لأخذ عدد من العمال لمواقع العمل , و كان العمال يتنافسون بشدة للحصول على فرصة عمل لدى هذا المقاول , ظَلً ابو ياسر جالساً في محله لا ينافس باقي العمال فهو يعرف مسبقاً أن هذا المقاول أو غيره من المقاولين لا يأخذونه لكبر سنه , فهم يبحثون عن عمال شباب أقوياء , انه يدرك هذه الحقيقة لذلك يبقى جالساً ينتظر اشخاص يبحثون عن عمال من كبار السن ليقوموا بعمل في حدائق منازلهم , فالشباب غير مرغوب بهم في العمل في المنازل , احيانا تساعده المرأة الجنوبية بائعة القيمر في الحصول على فرصة عمل , فهي ترشد الأشخاص الذين يبحثون عن رجل كبير السن أمين يصلح للعمل في منازلهم , و حين يحصل على فرصة عمل عن طريق بائعة القيمر يشتري منها وجبة من القيمر لأرملة ابنه ياسر الذي مات بمرض السرطان و لحفيده عمار ابن ياسر , حين علم بطبيعة مرض ابنه و انه لا أمل في شفائه . حزنَ كثيراً و قال غاضباً :
- حين كانت الحياة طبيعية و بسيطة لم تكن هذه الأمراض الخبيثة موجودة .
سرح بخياله فسمع صوت حفيده عمار :
- جدو , جدو , اريد لحيتك .
- خذها .
مد حفيده عمار يده الى لحية جده , سأل :
- جدو , لماذا لحيتك بيضاء ...؟
- لأني كبير السن .
- متى يكون عندي لحية مثل لحيتك ...؟
- بعد ستين سنة .
- ستين سنة , يعني كم يوم ...؟
- أيام كثيرة .
- اريد يصير عندي الان لحية مثل لحيتك .
تذكر ابنه ياسر , حدث نفسه بحسرة :
- هذا الطفل مثل ابيه رحمه الله , إنه يستعجل الأمور و قليل الصبر .
امتد نظره الى الشارع علًه يجد شخصاً يبحث عن عامل كبير السن , نهض مستندا على مسحاته و نهضت معه السنين الطويلة التي عاشها و هو يعمل بجد من فلًاح في ارضه التي تركها و جاء ليعيش في مدينة بغداد بعد أن إنقطع عنها الماء و صارت ارض بور لا تصلح للزراعة ثم الانتقال الى هذا العمل المتقطع , يجد فرصة عمل في يوم و قد لا يجد فرصة عمل لعدة أيام , الزمن يجري و حياته تصبح مع مرور الأيام قلقة و عمله غير مستقر , اتجه صوب بائع الشاي ليسلمه الاستكان و ثمن الشاي , و كما يفعل بائع الشاي في كل مرة قال :
- عزيزي ابو ياسر , حساب هذا الشاي عليّ .
- شكرا يا ابني , الله يخليك و يحفظك و يرزقك .
دفع ثمن الشاي , سار بضعة خطوات , اقترب من شاب مفتول العضلات , سلم عليه :
- صباح الخير .
- اهلاً ابو ياسر , صباح النور .
كان صوت الشاب صوتاً متماسكاً يدل على الحيوية و النشاط و القوة , الشاب يمسك مثله بمسحاته لكنها مسحاة جديدة , كان منظرهما و هما واقفين بجانب بعض ينتظران الحصول على فرصة عمل كأنهما ماضيه و حاضره , جلس ايو ياسر على الأرض , أخرج علبة التبغ الفضية , امتدت اصابعه البارعة في لف السكائر , ظل الشاب ينظر بإهتمام لطريقة ابو ياسر السريعة و المتمرسة في لف لفافة التبغ , قدم ابو ياسر للشاب لفافة التبغ , قال الشاب :
- لا , شكر , أنا لا أدخن .
- افضل شيء يا ابني هو انك لا تدخن , ابقى هكذا من اجل صحتك .
دس ابو ياسر اللفافة في فمه , اخرج القداحة , ضغط عليها بإبهامه لتقدح , فلم تقدح , حاول مرة أخرى و ثالثة , فلم ينجح في اشعال سيكارته , انتظر قليلا ثم عاود الضغط على القداحة لكن دون جدوى , قال لقداحته :
- حتى انتِ ...!
كان الشاب مبتسماً و هو يراقب ابو ياسر , قال :
- ابو ياسر , يمكن انتهى فيها البنزين .
نظر ابو ياسر الى الشاب و هو يهز رأسه و يقول :
- انتهى بنزينها و بنزيني ايضا .
نهض مستنداً على مسحاته و اتجه صوب رجل يدخن , قال له :
- ممكن قداحتك اشعل بها سيكارتي ... ؟
قدم له الرجل قداحته , أشعل بها ملفوفة التبغ , عاد و جلس بجانب الشاب , نفث الدخان من فمه ثم أطلق أه تعبيراً عن حسرة عميقة في داخله , إذ كان و هو ينظر الى الشاب يتذكر ابنه , تحدث مع نفسه :
- إن هذا الشاب هو بعمر ابني الذي قتله المرض الخبيث .
مد نظره الى الشارع , الى العمال الذين ينتظرون رزقهم , الى الشاب الذي ذكره بإبنه , ثم أخذ نفساً عميقاً آخر من الدخان بعد أن تذكر ايضا حفيده و كأنه امامه :
- جدو , اريد بابا .
- انا ابوك .
- لا انت جدو ...اريد بابا .
انتبه الى العمال و قد شكلوا حلقة واسعة في وسطها رجل انيق , اسرع و انظم الى الحلقة , أشار الرجل الأنيق الى شاب في ربيع العمر , قال :
- انتَ .
وقف هذا الشاب خلف الرجل الانيق , بعدها أشار هذا الرجل الى الشاب المفتول العضلات :
- وانتَ .
التحق الشاب المفتول العضلات , تبعه عدد من الشبان , انقسم العمال الى مجموعتين , المجموعة الأولى غادرت موقع تجمع العمال مع الرجل الأنيق , أما المجموعة الثانية فقد تفرقت , اقترب من الجدار , جلس القرفصاء في انتظار رب عمل جديد , اشتدت اشعة الشمس شيئا فشيئا و تناقص عدد العمال في موقع تجمع العمال , قرر مغادرة المكان , تحدث مع نفسه :
- لا امل في الحصول على فرصة عمل لهذا اليوم , ربما غدا انشاء الله .
لو سأله أحد الان عن كيف حاله , فبالتأكيد سيقول له ان ابو ياسر بخير لا ينقصه غير الخام و الطعام .
استدار الى الخلف و مسحاته على كتفه , حملها كما يحمل الجندي بندقيته , عاد الى داره و كانه محارب عاد من الحرب مهزوماً , حال دخوله الدار سمع صوت حفيده عمار و هو يركض نحوه :
- جدو . جدو , اريد لحيتك .
- لماذا يا ابن ابني انت مستعجل على اللحية ...؟ ستكون لديك لحية و ستشقى .
جلس في باحة الدار , أخذ يفكر بأمور هامة جدا تخص حياته في السنين المتبقية من عمره :
- سأحيل نفسي على التقاعد , و أظل أعيش في هذا الدار فهو لازال بأسم ابني ياسر رحمه الله , سأشجع أرملة ابني على الزواج من رجل طيب , شهم , يرعاها و يرعى معها ابنها عمار و يسمح لها بالاستمرار في وظيفتها , فوظيفتها رغم كونها بمرتب بسيط لكنها ضمان مهم لها , أما انا فسأزيد من زياراتي لبناتي الثلاثة لقضاء وقت ممتع معهم و مع اولادهم و بناتهم و ازواجهم , الجميل هو أن كل واحدة منهن تعيش في مدينة , واحدة تعيش في الحلة و الأخرى في البصرة أما الصغرى فتعيش في العمارة .
في فجر اليوم التالي ذهب ابو ياسر الى محل تجمع العمال و معه مسحاته , حال وصوله و قف وسط العمال و قال لهم :
- من منكم بحاجة الى مسحاة .
تقدم شاب , قال :
- انا .
قبل أن يسلم مسحاته للشاب , قبًلها و كأنه يودع أحد احبائه , قال للشاب :
- خذ هذه المسحاة هدية مني لك , انها عزيزة عليً , لقد ساعدتني في العمل سنين طويلة .
قبل أن يبتعد عن محل تجمع العمال , التفت الى الوراء لألقاء النظرة الأخيرة , نظرة الوداع لمسحاته .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟