فلاح العيفاري
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 21:03
المحور:
الادب والفن
كان متعباً و رأسه ثقيلاً من كثرة تناوله للخمر , دخل الى فندق من الدرجة الرابعة في احدى ضواحي مدينة باريس , دفع أجرة غرفة لليلة واحدة , حقيبته الوحيدة كان يحملها على ظهره , اتفق مع إمرأة , سألته عن رقم غرفته , كانت امرأة بيضاء , شقراء الشعر , طويلة القامة , بدينة الجسد نوعا ما , وجهها مدور يميل للإبتسامة الدائمة , عيناها محمرتان بتأثير ما تشربه من انواع مختلفة من المشروبات المُسَكِرة التي تحصل عليها مجاناً من زبائنها .
صعدتْ المرأة الشقراء السلم الحلزوني , صعد ورائها , توقفت للحظة لتسترد انفاسها , توقف للحظة ليسترد انفاسه ايضا , ظَلّ صامتا , نظرتْ اليه بنظرة لا يعرف معناها , فنظر اليها بدهشة , واصلت الصعود , صعد ورائها و جسده يتحرك في الممرات الضيقة و السلالم الحلزونية مقلداً طريقة حركتها , تتجه مؤخرتها الى اليمين تتجه مؤخرته الى اليمين , تتجه مؤخرتها الى اليسار تتجه مؤخرته الى اليسار , أحست بأنه يسخر منها فنظرتْ اليه نظرة احتجاج و تمتمت بجملة بلغتها الفرنسية و لهجتها الشوارعية التي لم يفهم منها شيئاً , ربما شتمته , توقف عن تقليد طريقة مشيتها و أخذ ينظر الى ارقام الغرف يبحث عن الغرفة التي استأجرها , يقرأ أرقام الغرف , 26 , 27 , 28 , ... لازال امامه سلالم حلزونية و ممرات ضيقة طويلة كي يصل الى غرفته , أخذ يلهث , يريد الوصول الى غرفته ليستريح .
في الطابق الرابع من بناية الفندق كانت هنالك قاعة تنطلق منها موسيقى صاخبة جداً , أنه لا يحب الموسيقى الصاخبة كثيرا , فهذه الموسيقى تزيد من توتره احيانا , لسبب ما توقفتْ المرأة الشقراء أمام باب القاعة ثم دخلتها , ظَلً ينتظرها خارج القاعة , اراد أن يعرف ما يجري داخل القاعة , تحرك خطوة بعد خطوة حتى وجد نفسه أمام كتلة بشرية متراصة من النساء و الرجال بأعمار مختلفة يتحركون بعنف على ايقاع موسيقى ابرز ما فيها هي ضربات الطبل , ضربة , ضربتان , ضربة , مجموعة ضربات متناسقة , اجساد الكتلة البشرية تتحرك مع وقع هذه الضربات , مؤخراتهم تتحرك الى الأمام ثم الى الخلف , الى اليسار ثم الى اليمين , مصابيح القاعة تبث الوانها المتعددة بشكل متقطع بتوافق مع ايقاع الموسيقى الصاخبة , انتابته رغبة في مشاركة هذه الكتلة البشرية رقصها العنيف , لكن التعب و الحقيبة التي يحملها على ظهره حالت دون أن يفعل ذلك .
ضربات الطبل سحبته سنين الى الوراء , اعادته ذاكرته الى ذلك الصباح الذي غير الكثير من حياته , كان في ساحة الاستعراض العسكري الصباحي حين كان يؤدي الخدمة العسكرية الالزامية في العراق , ايقاع عسكري منتظم على الطبل , ضربة , ضربتان , ضربة , و تستمر الضربات , سار ضمن الطابور صامتا لا يفكر في شيء اطلاقا , افزعته صرخة عريف الفصيل :
- قف .
وقف الطابور , لسبب لا يعرفه ضحك ضحكة ليست ذات معنى , ذُهِلَ عريف الفصيل و استغربَ جميع الجنود في الطابور من ضحكته الغير مبررة و هم ينظرون اليه بدهشة , صرخ عريف الفصيل في وجهه :
- لماذا تضحك ...؟
لم يتوقف عن الضحك , اجاب العريف :
- انا لا اعرف لماذا اضحك .
أمره عريف الفصيل :
- ازحف .
زحف على ارض ساحة المعسكر الترابية و هو يضحك , أمره عريف الفصيل بالنهوض , نهض و هو يضحك , أمره العريف بالتوقف عن الضحك , حاول التوقف عن الضحك الغير مبرر و هو يضحك , غاص في سيل جارف من الضحك , أحاله عريف الفصيل للضابط , صرخ الضابط في وجهه :
- لماذا لا تطيع أوامر عريف الفصيل .
- سيدي , كيف أطيعه و انا اضحك .
- لا تضحك , ازحف في ذلك الوحل .
أخذ يزحف في الوحل و هو يضحك , أطلق الضابط صرخة قوية جداً تدل على غضبه الشديد :
- قف .
وقف و قد تلطخ من اسفله الى اعلاه بالوحل , استمر الضابط في صراخه :
- لماذا تضحك ...؟
قال و هو يحاول كبت ضحكتة الهستيرية :
- نعم سيدي , انا احاول التوقف عن الضحك , لكني مصاب بداء الضحك دون سبب , صدقني يا سيدي انا مريض , اضحك دون ارادة مني .
لم ينفعه ما قاله للضابط من تبرير , بعد أيام وجد نفسه أمام محكمة عسكرية , اصدرت هذه المحكمة خلال اقل من ثلاث دقائق حكما عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة السخرية من عريف الفصيل و ضابط السرية , تمكن في المحكمة من السيطرة على نفسه و خنق ضحكته فقد كان أمام قضاة في المحكمة العسكرية يحملون رتب عسكرية عالية جداً , حينها قال لنفسه :
- لو لم اخنق ضحكتي و اسيطر على نفسي لحكم عليّ بعقوبة أشد بكثير , ربما بالأعدام رمياً بالرصاص .
هزته المرأة الشقراء و اخرجته من ذكرياته حين كان يضحك دون سبب في ساحة المعسكر , خرجتْ المرأة من القاعة , خرج خلفها , بدأ يقرأ ارقام الغرف من جديد 51 , 52 , 53 , ... , تحدثت المرأة معه , أيقن أن لغته الفرنسية ضعيفة , فهي تتحدث الفرنسية بلهجة شعبية باريسية لم يفهم ما كانت تريده منه , أختار الصمت و عدم الإجاية , وقفتْ المرأة أمام الغرفة 65 , قالت له :
- هذه غرفتكَ .
شعر بالراحة لأنه وصل الى غرفته ليستريح , دفعته الى داخل غرفته و هي تضحك ضحكة داعرة , فهم من كلامها أنها تريد المبلغ الذي اتفقت عليه معه مقدماً , دفع المبلغ و هو يضحك , قالت له :
- لماذا تضحك ....؟
- لقد تذكرت حالي قبل سنين و انا أضحك دون سبب , ضحكات غير مبررة دخلت السجن بسببها و فقدتُ حريتي لمدة ثلاث سنوات .
دون ارادة منه صار يضحك من جديد , تحولت ضحكته الى ضحكة مجلجلة بعد أن اعادته ذاكرته مرة اخرى الى ساحة الاستعراض العسكري الصباحي ثم الى المحكمة العسكرية , قال مع نفسه :
- كيف لا أضحك و كل ما مررت به عبارة عن مهزلة .
صرختْ في وجهه بلهجتها الباريسية الشعبية التي يصعب عليه فهمها , لكنه ادرك انها تطلب منه التوقف عن الضحك , توسل اليها :
- أرجوك دعيني أضحك , لكن أذا كان هذا يضايقك يمكنك المغادرة الان .
- لكنك دفعت لي ثمن ما ستفعله معي .
رد عليها و هو لا يستطيع منع نفسه من الضحك :
- يمكنك الاحتفاظ بالمبلغ و المغادرة الان , هذا لا يشكل لي مشكلة , مع السلامة .
رمت نقوده على وجهه و هي تقول :
- انا لا اقبل هذا المبلغ مقابل لا شيء .
- طيب , خذي النقود و تعالي معي للقاعة التي فيها تلك الموسيقى الصاخبة لنرقص معا , أدعوكِ لشرب كأس ويسكي واحد ليس أكثر , لأني لا أملك الكثير من المال .
- ليكن كأسين .
- اوكي , لنذهب .
تخلص من حقيبته و وضعها قرب السرير , ذهبا معاً الى قاعة الموسيقى العنيفة , كان وسط القاعة نساء , رجال , مراهقين , مراهقات , الكل يرقص على ايقاع هذا الصخب الذي يقوده الطبال , اندمج مع الكتلة البشرية التي تهز نفسها بعنف , اخذ يهز نفسه بحركات عشوائية , فهو لا يعرف شيء عن هذا النوع من الرقص , انتقلا الى احد اركان القاعة ليشربا الويسكي , قال لها :
- بصحتكِ يا أمرأتي الجميلة .
- بصحتك يا ايها المعتوه الذي يضحك دون سبب .
بعد الانتهاء من شربهما للويسكي طلبت منه العودة للغرفة , قالت :
- وقتي ضيق .
رجعا للغرفة , حال دخولهما الغرفة دفعته فسقط على الفراش , قالت له :
- لا تخف .
بسبب هذه الجملة تذكر انه قال لجندي أخر كان مسجون معه في نفس الزنزانة :
- لقد حكم عليً بالسجن مرتين , مرة لأني كنت اضحك أمام عريف الفصيل و ضابط السرية , و مرة أخرى حين شعرت بالحزن و بكيت , فلقد خرجت من عيني دمعتان ساخنتان و انا في ساحة المعركة , ظنّ الضابط اني بكيت بسبب الخوف , قال لي : لا تخف , لم استطع قول الحقيقة و هي اني حزين جداً لأني كنت ارى شباب وطني منقسمين الى مجموعتين يقتلون بعضهم البعض , مجموعة تدافع عن الحكومة و مجموعة متمردة على الحكومة , و من سوء حظي اني كنت في احدى هاتين المجموعتين , فقلت للضابط : لم اعد اعرف أي معنى للخوف , لقد شعرت بحاجتي للبكاء فبكيت , إلا أن الضابط لم يعجبه ردي و احالني للمحكمة العسكرية و حكمت المحكمة عليً بالسجن لمدة سنة واحدة , استغربت كثيرا لأني حين ضحكت حكموا عليّ بالسجن لمدة ثلاث سنوات و لكن حين حزنت و بكيت حكموا عليّ بالسجن لمدة سنة واحدة فقط , بعدها ادركت أن الحكومة تخشى من الضحك لأنه يمثل سخرية منها و لا تخشى كثيرا من البكاء لأنه يدل على الخوف منها .
ابتعد عن الماضي المؤلم الذي كان يعيشه و عاد للغرفة امام المرأة الشقراء , قال لها :
- يمكنك المغادرة الان , اريد أن أنام .
- أتريد أن تنام ...؟
- نعم , فأنا احس بالتعب و الارهاق الشديد .
- لكنك اعطيتني هذا المبلغ , خذه لا اقبله .
بعد أن رمت النقود في وجهه , قال لها :
- لا تغضبي مني , تعالي نامي بجانبي .
خلعت ملابسها , بان صدرها واسعا , شعرها الأشقر غطى رقبتها و نصف صدرها , صفعته و هي تضحك , نهض غاضباً من مكانه , سألها :
- ما بكِ , لماذا صفعتيني ...؟
- لأنك لم تخلع ملابسك .
كما ارادت , خلع ملابسه كلها و اصبح عاريا تماما , قالت له و هي تضحك :
- يمكنك الان أن تضحك دون سبب .
ضحكَ بهستيريا و جسده يهتز مع ايقاع ضحكته التي كانت بلا أي سبب , أما هي فقد ضحكتْ أمام هذا المنظر المضحك , تعبا من الضحك , شعرا معا بالدوار , الغرفة بدأت تدور , دون أن يفعلا أي شيء آخر ناما نوماً عميقاً بعيداً عن تعب الدنيا و همومها و عن اللامعقولية التي تسود العلاقات بين البشر .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟