فلاح العيفاري
الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 20:26
المحور:
الادب والفن
شاب طويل القامة , عيناه سوداوان واسعتان , من كثرة تناوله للخمر طغى الإحمرار في عينيه على بياضها , نظراته صارمة , وجهه أسمر قد يدل على انه من مدن جنوب العراق , قميصه مهترئ يغطي صدرا يلهث بصعوبة .
وقف بثبات و كأنه يسحق الأرض بحذائه المليء بالطين , تقدم الى وسط الحانة , اخذ ينظر يميناً ثم يساراً يبحث عن شخص ما , لم يجد شخصاً يعرفه , اقترب من رجل في الخمسين من العمر يجلس لوحده و أمامه قنينة عرق صغيرة , طلب منه :
- من فضلك , هل ممكن تعطيني سيكارة ...؟
قدم له الرجل سيكارة لكن الشاب كان ينتظر منه أكثر , كأن يدعوه للجلوس لكن الرجل لم يفعل , أخذ السيكارة , اشعلها , أخذ منها نفساً عميقاً , أعاد النظر في وجوه رواد الحانة لعلّه يجد شخصاً يعرفه , مضتْ بضعة دقائق و هو واقف بجانب الرجل , أخذ ينظر الى قنينة العرق العراقي , قال :
- ممكن ...؟
فهم الرجل المطلوب منه , أجابه :
- نعم , ممكن .
جلس أمام الرجل حول طاولته , قال الرجل :
- اعتقد أنكَ بحاجة لكأس من هذا العرق .
- نعم , أنا بحاجة ماسة جداً اليه .
- كأس واحد فقط , ليس لدي اكثر من ذلك لأعطيه لك .
- كأس واحد يكفي .
سأله الرجل :
- اراكَ تبحث في وجوه رواد الحانة , هل انت على موعد مع أحد ..؟
- ليس " لا " و ليس " نعم " .
- كيف ذلك ...؟
- عندي أصدقاء يترددون على هذه الحانة , لذلك كنتُ أتوقع أن اجد أحدهم .
- مفهوم .
اصبح أمام الشاب كأس من العرق , سأل :
- لماذا تجلس لوحدك ...؟
- ليس لدي معارف هنا , و نادرا ما أتردد على الحانات .
- اذن انت لست من رواد الحانات ...؟
- نعم , أنا لست من رواد الحانات .
- تجلس لوحدك , ليس معك شخص تتحدث معه ...؟
- عن ماذا ...؟
- عن السياسة , عن الحب , عن مشاغل الحياة .
- عن السياسة .. ؟ انا لا أحب السياسة , عن الحب ...؟ أنا متزوج و ليست لدي مشاكل عاطفية , عن مشاغل الحياة ...؟ هذه الأمور بحاجة الى رأس إنسان صاحي و ليس الى رأس إنسان مخمور , باختصار ليس هنالك ما يمكن أن اتحدث به مع أي أحد هنا في الحانة .
- لكنك تتحدث معي الآن .
أدرك الشاب أن الرجل مستاء من حديثه معه , قال للرجل :
- هل تريدني ان أجلس بعيدا عنك ...؟
- لا , يمكنك البقاء جالساً هنا , لكن أرجوك لا تتحدث كثيراً .
بجرعة واحدة شرب كل ما في الكأس من عرق , مط شفتيه , أخذ نفس دخان من سيكارته عوضاً عن المزة الغير موجودة , لم يستطع الصمت كما طلب منه الرجل , قال :
- أنا اتابع أخبار الحروب في هذا العصر الذي يعتبره البعض عصراً متمدن , اقرأ عن الجرائم البشعة التي تحدث اثناء هذه الحروب , أتألم من شدة فضاعتها , و احياناً يتوقف عقلي عن التفكير حين اشاهد صور لضحايا هذه الوحشية التي يطلقون عليها الحروب بين الجيوش النظامية .
- انا قلتُ لك , اني لا احب الحديث في السياسة .
- هذه ليست سياسة , هذه جرائم .
- الحديث عنها هو سياسة .
اخذ ينظر لقنينة العرق الصغيرة , لاحظ ان العرق على وشك النفاذ , قال للرجل :
- قنينة العرق شبه فارغة .
- سأطلب قنينة عرق صغيرة أخرى .
استمر في الحديث عن أمور السياسة رغم طلب الرجل أن لا يتحدث في امورها :
- هل تسمع اخبار الحروب .
- ما الفائدة , إن سمعتها أم لا , لقد اعتاد الناس على هذه الأخبار , و هم لا يكترثون لها .
- بالنسبة لي , لا يمكن أن اعتاد على مثل هذه الأخبار , انها تؤلمُني دائما .
نظر الى الرجل ثم الى قنينة العرق الصغيرة التي اصبحت فارغة تماماً , سأله :
- متى ستطلب قنينة العرق .
نادى الرجل على عامل الحانة , حضرت قنينة عرق صغيرة أخرى , قال الرجل له :
- يمكنك أن تشرب من هذه القنينة كأس واحد فقط لا أكثر , لأني سأخذ معي المتبقي لأشربه في داري و ارجوك أن لا تتحدث في السياسة .
شرب قدح العرق في جرعة واحدة و المزة كانت ايضا نفساً عميقاً من دخان سيكارته , سأل :
- هل تعتبر الحديث عن الامبريالية سياسة ...؟
استغرب الرجل من هذا السؤال , قال :
- هل سكرتَ ..؟ طبعا الحديث عن الأمبريالية سياسة .
- سأثبت لك أن الحديث عن الامبريالية ليس سياسة , انه حديث عن النظم الأخلاقية .
ضحك الرجل إذ أنه لم يسمع قبل هذه اللحظة مَنْ يقول أن الحديث عن الامبريالية ليس سياسة بل هو حديث عن الأخلاق , قال الرجل له :
- الحديث معك ممتع , يمكنك شرب كأس أخر و حدثنا عن فهمك للإمبريالية .
اراد الشاب تغيير موضوع الحديث , وجه سؤال مفاجئ للرجل :
- هل تريد أن أقرأ لك قصيدة من تأليفي ...؟
- هل انت شاعر ...؟
- قد أكون أقل من نصف شاعر أو ربما أقل من ربع شاعر , لكن بالتأكيد أنا أكبر من نصف ربع شاعر .
- إسمعنا يا نصف ربع شاعر شيء من قصائدك .
اراد الشاب مرة أخرى تغيير موضوع الحديث , قال :
- لقد توصلت بالأمس الى نظرية .
- هل انت مُنظر , فيلسوف ...؟
- بصراحة , انا لست سياسي و لست شاعر و لا مُنظر و لا فيلسوف , انا سكير .
ضحك الرجل و صار اكثر استعداداً للدخول في حوار مع هذا الشاب الذي يقول عن نفسه انه سكير , سأله :
- ما هي نظريتك الجديدة ...؟
- هي نظرية جديدة و ليست جديدة .
- حول ماذا تتحدث نظريتك ..؟
- عن الخمر .
- ما هي نظريتك ...؟
- الخمر مادة سائلة ...
- و مَنْ قال لك ان الخمر مادة صلبة .
- إصبر , دعني اكمل نظريتي .
- إكمل .
- الخمر هو مادة سائلة سريعة التبخر , له القابلية على إذابة جميع انواع الزيف و النفاق و التملق لدى الإنسان , و له القدرة على التفاعل مع الحقيقة و إظهارها للعلن كما هي دون زيادة أو نقصان , لكن الخمر بحاجة الى عامل مساعد كي يتم تفاعله مع الحقيقية .
- ما هو العامل المساعد ...؟
- العامل المساعد هو الرغبة الحقيقية لدى الإنسان للتحرر و الانعتاق من القيود الاجتماعية .
انتبه الرجل الى نفسه و قد تخلى عن رغبته في الانطواء على الذات و العزلة و صار يتحدث و يشارك قي مناقشات جادة مع هذا الشاب , عرّفَ نفسه :
- انا عباس , و انتً ...؟
- انا محمود , و احيانا اكون شخص أخر .
- كيف ...؟
- عادة اكون محمود لكن حين اشعر بأني لا اطيق هذا الواقع المفروض عليّ أتقمص شخصية أخرى لأهرب من خلالها من الواقع الذي أعيشه , مثلا , اتخيل أني شخص غني جداً ينفق المال دون حدود .
- تقصد , في احلام اليقظة ...؟
- يمكنك أن تسميها أحلام يقظة , لكنها تسيطر علي تماماً لدرجة اشعر اني لست أنا .
أحس الرجل بارتياح لهذا النوع من الحديث قال :
- هل يعجبك الحديث عن الحب ...؟
- بالطبع , فالحب هو الحديث المناسب مع هذه العرق المر .
سكب كميه من العرق في كأسه , اراد شربه دون أن يخفف تركيزه بالماء , قال له الرجل بصوت منفعل :
- لا تشرب العرق دون أن تخفف تركيزه , ضع معه كمية مناسبة من الماء , كي لا ينهش هذا العرق اللعين معدتك .
انصاع لنصيحة الرجل , اضاف كمية من الماء ليخفف تركيز العرق , قال :
- دعنا نقتل الضجر بالحديث , و ليكن حديثنا عن الحب .
بادر الرجل بالقول :
- رغم أن عمري قد تجاوز الخمسين و اني متزوج لكني أحياناً أحب الحديث عن الحب , و أنتَ...؟
- نظرت الى وجهها الجميل فاجتاحتني رغبة في تقبيل خدها الوردي , التقت عيناي بعينيها , شعرت بالخوف من أن أفعل شيء يجب أن لا افعله , تراجعتُ بسرعة , حينها قلت لنفسي , لا تفعل أي فعل متهور , و انتهى ذلك اللقاء .
- ماذا كانت النتيجة بعد ذلك ...؟
- قالت لي : انتَ سألتني عن شعوري نحوكَ , جوابي هو اني لا احبك و لا أكرهك , و ارجوك أن تبتعد عني , سألتها لماذا , قالت أن الحب مسألة لا ارادية .
- كيف افترقتما ...؟
- قلت لها : لكني احبك جداً , قالت لي : ابحث عن فتاة تحبك , أنت انسان رائع , لكني لا احبك بل أحترمك فقط , بعدها بفتره قصيرة علمتُ ان خطوبتها لشخص أخر كانت تحبه قد تمتْ , و علمتُ ايضا اني لم أكن سوى مصدر إزعاج لها .
- هل هي التي جعلتكَ تحبها ...؟
- اعتقد انها كانت جزء من احلام اليقظة التي اعتدتُ على العيش في أوهامها .
- هل احببت فتاة أخرى .
- لا , لكني قد احب واحدة أخرى بشرط أن تأتي هي اليّ و تفاتحني بحبها لي و تقول لي أنها تحبني و لا تستطيع العيش بدوني .
- مستحيل , هذا لن يحصل .
- لماذا ... ؟
- لأنك رجل , و الرجل هو مَنْ عليه البدء في المصارحة .
- لماذا ...؟
- هي الأمور هكذا , لا تسألني لماذا , لكن قل لي لم لا تحاول تغيير طبيعة حياتك ...؟
- لقد سبق و سألني أحد الأصدقاء نفس هذا السؤال , قال لي : لماذا تستهلك نفسك بهذا الشكل المؤلم ...؟
هزَ الرجل رأسه للدلالة على الأسف , قال :
- فعلا , لماذا تستهلك نفسك بهذه الطريقة ...؟ لماذا لا تبتعد عن الفوضى التي أنتَ فيها .
- حاولت لكني لم استطع , كل مرة اقنع نفسي بضرورة بدأ مرحلة جديدة من الحياة , لكني لا أفعل شيء و اعود على ما انا عليه الان , سكير في مرحلة مبكرة من حياته .
- هل انت مدمن على الخمر لدرجة المرض ...؟
- بصراحة , نعم , اعتقد ذلك .
- الأمر سهل .
- كيف ...؟
- أن تحب فتاة أخرى تحبكَ و ستنقذكَ من أحلام اليقظة .
- شكرا على هذه النصيحة .
انتهى ما في قنينة العرق الصغيرة و انتهى هذا اللقاء الذي تعرف فيه على صديق جديد , صديق قدم له نصيحة قديمة سمعها عشرات المرات , عند مغادرته الحانة قال لنفسه :
- كانت مجرد نصيحة في لقاء على هامش حياة أنسان بائس .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟