أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟














المزيد.....

ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 14:05
المحور: الادب والفن
    


كتاب "اعترافات" للكاتب الروسي تولستوي، المطبوع في دار "تبارك" لسنة 2019، بواقع 120 صفحة من القطع المتوسط، وبترجمة محمود محمود. وهو النسخة التي في مكتبتي.
يتناول تولستوي فيه أزمة وجودية عاشها بعد أن بلغ قمة النجاح الأدبي والاجتماعي، لكنه وجد نفسه عاجزا عن إيجاد معنى حقيقي للحياة. فقد أدرك أن الشهرة والثروة والإنجازات لا تمنح الإنسان الطمأنينة إذا ظل سؤال المصير والمعنى بلا إجابة. ومن خلال هذه التجربة الشخصية، يعرض الكاتب رحلة فكرية وروحية انتقل فيها من الشك واليأس إلى البحث عن الإيمان باعتباره مصدرا للمعنى والأمل، كما يرى. وقد اعتمد أسلوبا صريحا وتأمليا، إذ يعترف بضعفه وخوفه وتناقضاته دون محاولة تجميلها. وهذه الصراحة "التولستوية" تمنح النص قوة أدبية وفكرية، لأن القارئ يشعر بأنه أمام تجربة إنسانية حقيقية وليست مجرد أفكار نظرية. كما يستخدم الكاتب لغة بسيطة نسبيا، لكنها تحمل عمقا فلسفيا يجعل القارئ يتأمل في أسئلة الوجود والإيمان والموت.
إذ يرى تولستوي أن العقل وحده لم ينجح في منحه إجابة مقنعة عن معنى الحياة، لأن التفكير المنطقي قاده إلى اليأس. لذلك اتجه إلى دراسة الأديان والفلسفات المختلفة، ثم لاحظ أن عامة الناس يعيشون بإيمان يمنحهم القدرة على مواجهة المعاناة والاستمرار في الحياة. ومن هنا خلص إلى أن الإيمان ليس مجرد معتقد ديني، بل هو مصدر للمعنى والأمل، وأن الإنسان يحتاج إلى غاية تتجاوز المصالح الفردية والرغبات المؤقتة؛ مقلدا بذلك بوذا صاحب الديانة البوذية، كما أعتقد، لأنّ بوذا قد فعل ذلك.
ومن الجوانب المهمة أخرى في الكتاب نقد تولستوي للمجتمع الأرستقراطي الذي كان ينتمي إليه، إذ رأى أن حياة الترف واللهو والانشغال بالمظاهر تخفي فراغا روحيا عميقا. كما انتقد الفلاسفة الذين اكتفوا بالتفسير العقلي للحياة دون تقديم حلول عملية لأزمة الإنسان الوجودية. وبذلك يربط بين التجربة الفردية والواقع الاجتماعي، موضحا في الوقت نفسه أن أزمة المعنى ليست مشكلة شخصية فقط، بل هي قضية إنسانية عامة.
وبالتالي لا يقدم كتاب "اعتراف" إجابات نهائية بقدر ما يدعو القارئ إلى مراجعة أفكاره وقيمه. وتكمن أهميته في صدقه الإنساني وقدرته على تحويل المعاناة الشخصية إلى تأمل فلسفي يمس كل من يبحث عن معنى لحياته. لذلك ظل هذا العمل من أكثر مؤلفات تولستوي تأثيرا حتى لا ينزلق بطرق ملتوية، لأنه يجمع بين الأدب والفلسفة والتجربة الروحية في نص واحد، ويؤكد أن البحث عن الحقيقة رحلة مستمرة تتطلب الشجاعة والتواضع والانفتاح على الذات والآخرين، مع الإيمان بأن قيمة الإنسان تقاس بما يمنحه للحياة من معنى، لا بما يملكه من نجاح أو ثروة أو شهرة.
وقد أنتهى به الأمر إلى أن وزع ثروته على الفلاحين والناس البسطاء، فلم يترك من تلك الثروة أي شيء يُذكر، وعاش بقية حياته كأي انسان بسيط.. وأخيرا مات موت الناس البسطاء من دون صخب وتشييع. وهكذا تنتهي حياة هذا الرجل العظيم، والكاتب الكبير.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
- الغجر والقرج في العراق
- هل وصلت رسالة الحُسين؟
- قلقنا المزمن
- الأسئلة الوجودي في (شمس حمراء)
- الرمز والبُعد الانساني في (ورد السماء)
- ادغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟
- كولن ويلسون: ثمة مقدرة للإنسان أن يصبح كالآلهة
- نوال السعداوي: الرجل والجنس
- تعلّمَ من الجوع
- ماريا كونيكوفا: كيف نفكر بوعي ونتجنب الأخطاء الذهنية
- غوستاف لوبون: سيكولوجية الجماهير
- فروم: الانسان بين المظهر والجوهر
- فرويد: الدين مستقبل وهم
- الدكتور علي كمال: الجنس والنفس في الحياة الانسانية1/ 2
- الجنس والنفس في الحياة الانسانية2/ 2
- كيف جمع رياض داخل نخبة الأدباء بقلب واحد
- ملامحَنا القديمة
- معاوية يؤسس أول حكومة مدنية
- لماذا فشل ساسة الشيعة في الحكم؟


المزيد.....




- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟