|
|
الرمز والبُعد الانساني في (ورد السماء)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 14:19
المحور:
الادب والفن
(1) تقدم قصص مجموعة "ورد السماء" للكاتبة أسماء محمد مصطفى، تجربة أدبية مؤثرة تنبع من عمق المعاناة الشخصية والوعي الإنساني الصادق، حيث تعكس معظم القصص مشاعرها الذاتية، وما يعتمل في قلبها من أحاسيس متدفقة وآلام دفينة ظلت ترافقها زمنا طويلا. وتكشف عن طاقة تعبيرية عالية تجعل السرد مساحة للاعتراف والمواجهة، واستعادة الذكريات المؤلمة التي تركت أثرها الواضح في حياتها، وتحتل مأساة فقدان ابنتها ذات الأعوام السبعة عشر، مكانة محورية في هذه المجموعة حيث يتحول الحزن إلى عنصر فني حاضر في الصور والمواقف والتأملات المختلفة. كما يتضاعف الإحساس بالألم عندما نعلم أن الكاتبة تعاني هي أيضا من مرض ذاته، الأمر الذي يمنح النصوص صدقا عاطفيا كبيرا، ويجعل القارئ أكثر قربا من تجربتها الإنسانية، ولا تقتصر موضوعات المجموعة على الجانب الشخصي وحده، بل تمتد إلى الشأن الوطني العام حيث ترصد الكاتبة ما شهده الوطن من انفجارات وصراعات متواصلة على السلطة، وما خلفته من خوف واضطراب ومعاناة في صفوف المجتمع العراقي. كما تتناول مظاهر الفساد المالي والإداري، وتأثيرها السلبي في نفسية الناس، وتراجع القيم والخدمات والفرص، ومن خلال هذا التداخل بين الخاص والعام. وبهذا تنجح الكاتبة في رسم صورة متكاملة للوجع الإنساني الفردي والجماعي معا. فتغدو القصص مرآة تعكس واقع الإنسان حين يواجه الفقد والمرض والأزمات، وتبرز قدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى دلالة أوسع تتصل بحياة الآخرين وتمنحهم فرصة للتأمل والفهم. لذلك تكتسب هذه المجموعة أهميتها من صدقها الفني وحرارة مشاعرها، وقدرتها على ملامسة الوجدان وإثارة التعاطف، وطرح أسئلة عميقة حول معنى الألم والصبر والغياب، والمقاومة والأمل في مواجهة المحن. كما تؤكد أن الأدب يستطيع أن يكون وسيلة للحفاظ على الذاكرة، ومواجهة الانكسار وبناء معنى للحياة دائما. (2)
في قصة "الوحش المخلبي" تجسد الكاتبة صراعها مع مرض السرطان من خلال صورة رمزية تجعل المرض وحشا شرسا، يحاول النيل من جسدها وروحها معا. وتكشف القصة عن مشاعر الخوف والألم والقلق التي ترافق رحلة المرض، لكنها في الوقت نفسه تبرز قوة الإرادة والإيمان بالحياة. وهي مع ذلك لا تريد أن تشرك زوجها في أشدّ محنتها، خوفا عليه ورأفة به. فالبطلة لا تستسلم لهذا الوحش، بل تواجهه بالصبر والعزيمة والأمل، وتقاوم آثاره النفسية والجسدية بشجاعة كبيرة. ومن خلال هذا الصراع ترسل الكاتبة رسالة إنسانية تؤكد فيها أن مواجهة المرض لا تكون بالاستسلام، وإنما بالتمسك بالأمل والثقة والقدرة على تجاوز المحن مهما كانت قاسية ومؤلمة وصعبة. (3) أما في قصة "حارسة جسر القلوب" فتعتمد الكاتبة على الرمز للتعبير عن واقع الانقسام والصراع بين طائفتين متنازعتين. ويأتي الجسر رمزا للتسامح والسلام والوحدة والتكاتف بين أبناء الوطن. لذلك تحذر الحارسة قائلة: "لا تفعلوا، سيموت كل من يضع قدميه على الجسر وقلبه فيه كره للبقعة الأخرى". في إشارة إلى أن الكراهية تهدم فرص التعايش. كما ترمز "الرسامة الفتية" إلى ابنة الراحلة، فتمنح النص بُعدا إنسانيا مؤثرا، بينما ترمز "الحمائم" إلى الشعب الذي يتطلع إلى الأمن والاستقرار. وهكذا تدعو القصة إلى المحبة ونبذ الفرقة وبناء جسور التفاهم بين الجميع. وكل هذا يمثّل روح الكاتبة المتجسد بالصدق، والتعبير عن عمق إنساني يسكن تلك الروح.
(4)
لذا نجد في قصة "هواجس صاخبة" كيف أن الكاتبة ترسم صورة قاتمة ومؤلمة لما مرّ به الوطن من أحداث دامية وتفجيرات هزّت أمن المجتمع واستقراره. وتستحضر من خلال السرد مشاهد الخوف والقلق التي عاشها الناس في ظل العنف المتكرر، حيث أصبحت الحياة اليومية محاطة بالمخاطر والترقب. وتكشف في ذات الوقت عن الآثار النفسية العميقة التي تركتها التفجيرات في نفوس المواطنين، من فقد للأحبة وشعور بعدم الأمان وتراجع الأمل بالمستقبل. ومن خلال هذه الأجواء المظلمة توثق الكاتبة مرحلة صعبة من تاريخ البلد، مؤكدة حجم المعاناة الإنسانية التي خلفتها الصراعات والاضطرابات المستمرة آنذاك.
(5)
وفي «اللامرئي» تتناول القاصة ظاهرة الإيمان بالخرافات المرتبطة بالجن والعفاريت، مقدمة رؤية نقدية ساخرة تكشف هشاشة هذه المعتقدات، وهي القصة رقم واحد في المجموعة. كما تؤكد "في البدء، لجأت النساء إلى العرّافين. قالوا إنّ جنيّاً نشط في إنْ البلد، وإن الجنَّ يكثر في الأماكن التي تحصل فيها الحروب، ومنها بلدنا الذي اعتاد الاتشاح بالسواد، وعملوا لهنّ أحرازاً، ليحملنها ويحملها أزواجهن وأولادهن وبناتهن". راجع: المجموعة، ص 13 فالقصة تسخر من أولئك الذين يفسرون ما يواجههم من مشكلات وإخفاقات بتدخل قوى خفية تتحكم في حياتهم ومصائرهم، متجاهلين الأسباب الواقعية والمنطقية للأحداث. ومن خلال أسلوبها الساخر، تدعو الكاتبة إلى إعمال العقل والتفكير النقدي بدلا من الاستسلام للأوهام والخرافات. وتكتشف أنه ومن خلال ذلك تجري التصفيات الجسدية من الشخصيات البارزة. كما تؤكد أيضا أن الإنسان مسؤول عن أفعاله وقراراته، وأن تعليق الأخطاء على كائنات غير مرئية لا يؤدي إلا إلى الهروب من الحقيقة وتجنب مواجهة الواقع بصورة واعية.
(6)
لكن في قصة "فراشة الربيع تأتي دائماً" يختلف منطق الكاتبة، حيث تقدم واحدة من أكثر قصص المجموعة إيلاماً وتأثيراً، إذ تستحضر ذكرى ابنتها التي رحلت في السابعة عشرة من عمرها بعد صراع مرير مع المرض الخبيث. كانت الابنة فتاة موهوبة وطموحة، تمتلك شغفا كبيرا بالرسم، وتحلم بمستقبل حافل بالإبداع والإنجاز، وربما هذا الأخير ترك لها ايلاما أكثر على نفسها، حيث أن المرض اختطفها في ريعان شبابها قبل أن تحقق أحلامها. وتعكس القصة مشاعر الحزن والفقد التي تعيشها الأم، فتستعيد ملامح ابنتها وموهبتها وأيامها الجميلة بحنين مؤلم. ورغم هيمنة الأسى على أجواء السرد، فإن صورة الفراشة ترمز إلى الجمال والروح النقية والذكرى التي لا تموت، وكأن الابنة ما زالت حاضرة في قلب أمها، تعود مع كل ربيع لتمنحها الأمل والدفء والذكريات العطرة، بمعنى أن هذه الذكريات بدت لها كسلوى.
(7) جاء في اهداء الكاتبة ما يلي: "ومثلما كنتُ شمساً لسماء، فهي الشمس كذلك وأنا زهرتها التي تتّجه باتجاهها، فقد كانت وما زالت، شعاعي في كل شيء حتى الكتابة". "ولأنني قاومتُ مرضَ السرطان متشبثةً بالحياة حتى أتمكّن من إكمال هذا الكتاب، فإنني لا بُدّ أن أهديه إلى أحبّةٍ كانوا معي في مسيرتي العلاجية وأحاطوني بالمحبّة، ووهبوني دفءَ قلوبهم: وهم: زوجي الحنون، وأمي، وأخواتي، وأخَوَيَّ..." كذلك أُهديه إلى ابنَي أَختي: مصطفى وأمنية، صديقيّ العمر لـ"سماء"... "وإلى روح أبي الذي زارني كثيراً في أحلامي خلال الرحلة... وإلى صديقاتي المقرّبات اللواتي تواصلن معي للسؤال والاطمئنان... وكُلّ من دعمني بكلمات التشجيع أو الدعاء متمنّياً الشفاء لي". "ومن المؤكد أنني مدينة للأطباء الذين أشرفوا على علاجي، لهذا أهديهم هذا الكتاب، وهُم: الأستاذ الدكتور سعد داخل فرحان اختصاصي جراحة الكلى والمسالك البولية وفريقه الطبي، والدكتور منوّر النقاش اختصاصي طب الأورام وفريقه الطبي، والدكتورة زينب علاء الربيعي اختصاصية العلاج الإشعاعي". (8) طبعت هذه المجموعة في "دار السرد" في بغداد لعام 2026، المجموعة من القطع المتوسط، بواقع 144 صفحة، شمل 29 قصة.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ادغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟
-
كولن ويلسون: ثمة مقدرة للإنسان أن يصبح كالآلهة
-
نوال السعداوي: الرجل والجنس
-
تعلّمَ من الجوع
-
ماريا كونيكوفا: كيف نفكر بوعي ونتجنب الأخطاء الذهنية
-
غوستاف لوبون: سيكولوجية الجماهير
-
فروم: الانسان بين المظهر والجوهر
-
فرويد: الدين مستقبل وهم
-
الدكتور علي كمال: الجنس والنفس في الحياة الانسانية1/ 2
-
الجنس والنفس في الحياة الانسانية2/ 2
-
كيف جمع رياض داخل نخبة الأدباء بقلب واحد
-
ملامحَنا القديمة
-
معاوية يؤسس أول حكومة مدنية
-
لماذا فشل ساسة الشيعة في الحكم؟
-
في العراق.. طفلة دفعت حياتها ثمنا للرفض
-
يا سيِّدَ الأريج
-
مقولة: الحمد لله على نعمة الإسلام
-
نشيد الفرات الأخير.. قراءة في قصيدة (وفي بغداد صوت)
-
رحم المسافات
-
قراءة في ديوان (هُنا يرقد قلبي) للشاعرة ورود الدليمي
المزيد.....
-
صوتك بلغات العالم.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الترجمة
...
-
شغف عمره 40 عاما ينتهي بحادث مروع.. تفاصيل الساعات الحرجة لل
...
-
الكويت تسحب جنسيتها من أحد أبرز الكتاب والروائيين العرب
-
من عاصمة البن العالمية إلى مدينة منسية.. هل ينقذ الفن المخا
...
-
كائنات حية وآلات طائرة ومنحوتات غامضة.. من يقف وراء هذه الأع
...
-
4 حكايات في ليلة زفاف واحدة.. هل قال -الكلام على إيه- ما سكت
...
-
بريطانيا: جوقة الأوبرا الملكية تحتفل بانطلاق مونديال 2026 بع
...
-
الثقافة جسر جديد بين موسكو والرباط
-
مكسيم خليل: دولة القانون هي الطريق الوحيد لسوريا القادمة
-
قلعة بعلبك بلا موسيقى هذا الصيف.. لماذا تأجل أحد أعرق مهرجان
...
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|