|
|
الدكتور علي كمال: الجنس والنفس في الحياة الانسانية1/ 2
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 20:46
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كتاب "الجنس والنفس في الحياة الانسانية" للدكتور علي كمال من الكتب التي أثارت اهتمام القرّاء والباحثين في قضايا النفس الإنسانية وعلاقتها بالغريزة الجنسية، إذ يحاول المؤلف أن يقدّم رؤية نفسية واجتماعية وفكرية لموضوع الجنس بعيدًا عن التناول السطحي أو الإثارة الرخيصة. فالكتاب لا ينظر إلى الجنس بوصفه مجرد فعل بيولوجي، وإنما باعتباره طاقة نفسية واجتماعية تؤثر في تكوين الإنسان وسلوكه وعلاقاته ومشكلاته الداخلية. ومن هنا جاءت أهمية هذا العمل، لأنه يربط بين عالم النفس الخفي وبين إحدى أقوى الغرائز الإنسانية وأكثرها تعقيدًا. يقول المؤلف في مقدمة كتابه هذا: "لم يكن هذا الكتاب من ضمن أولوياتي في الكتابة، ولعله لم يكن في ذهني على الاطلاق، وهو لذلك ربما يأتي قبل أوانه وفي غير زمانه. والذي يفسر هذه الولادة الطارئة والمبكرة، هو انني دعيت قبل بضع سنوات لإلقاء بحث في مؤتمر عالمي يعقد في بغداد تنظمه الرابطة العالمية لتنظيم الأسرة، وطلب إليّ أن يكون البحث في موضوع من المواضيع المتعلقة بالحياة الجنسية، وقبلت التكليف وأنا لم أتأمل بعد مدى اتساع عالم الحياة الجنسية ومتاهات مجاهل هذه الحياة، وصعوبة الاستقرار على ناحية منها لتكون موضوعاً للبحث. كما اني لم أفطنِ في حينه لما يكتنف البحث في المواضيع الجنسية من محاذير، ذلك أن الأمور الجنسية تظهر أحياناً وفي الكثير من المجتمعات وكأنها أرض حرام، زرع مجالها بما يشبه الألغام من التزمت والجهل والتحيز وسوء الظن وخطأ الفهم والحساسية والنفاق، وغيرها من المواقف، التي لها ليس فقط ان تعيق البحث العلمي والهادئ في هذه المواضيع، وانما أيضاً أن تواجه الباحث فيها بخطر الانجراف، وكأنه يضع خطاه في الرمال المتحركة يغيض فيها قبل أن يدري". ويضيف: " هنالك كما هو معروف تخلف كبير في ثقافتنا الخاصة والعامة حول المواضيع الجنسية من حيث طبيعة ومسالك هذه الحياة ومن حيث ابعادها ومشاكلها إلى غير ذلك من الأمور المتعلقة بها. وهذا لا يقتصر على الثقافة الفردية لعامة الناس، وانما يشمل أيضاً أولئك الذين يجب ان يلموا بالحقائق الأساسية والمناسبة عن الأمور الجنسية، فالمناهج الدراسية المقررة أو غير المقررة وفي جميع مراحل الدراسة من ابتدائية ومتوسطة وثانوية، وفي الكليات والجامعات، تكاد تكون خالية ان لم تكن خالية كلياً من أي إشارة إلى المواضيع الجنسية، وفي كليات الطب لا تدرج الحياة الجنسية في مناهجها، ويغض النظر عنها عادة حتى في تلك المجالات من الدراسة التي تتطلب بالضرورة الإِحاطة بها". "إن مثل هذا الواقع يعكس قيام حالة من الحرج فيما يتعلق بالأمور الجنسية، وما يتسبب عنه ذلك من النهي والتكتم والجهل، وقد لا يكون ذلك الخطر الوحيد من هذا الاغفال. ولعل الخطر الثاني والأعظم هو أن الفجوة الناجمة عن هذا الاغفال لها ان تملأ بفيض من المعلومات الخاطئة والضارة والعبثية والتي لها ان تزيد من سوء الفهم من ناحية وان تشوه الحياة الجنسية للجيل الناشئ وإلى الحد الذي قد يتعذر فيه إصلاحه في المستقبل بأي وسيلة تثقيفية أخرى. ومع إدراكنا للمحاذير الكامنة في تناول المواضيع الجنسية بصورة صريحة، إلا أن بالإمكان تجاوز هذه المحاذير باتباع الأساليب التثقيفية الموضوعية والتي اتبعتها بلدان أخرى واجهت مثل هذه المحاذير والحاجة إلى تجاوزها، وكلما فعلنا ذلك بسرعة أعظم، كل ما أمكن لنا تفادي النتائج السلبية للطغيان الاعلامي في المواضيع الجنسية والذي يستهدف الاثارة والعبث والافساد والانحراف، وهي المظاهر التي تعانيها مجتمعاتنا بتزايد وتسارع واضحين ومزعجين". إذ ينطلق المؤلف من فكرة أساسية مفادها أن الإنسان كائن تحكمه دوافع متعددة، وأن الدافع الجنسي ليس منفصلًا عن بقية الجوانب النفسية، بل هو متداخل مع العاطفة والتربية والدين والثقافة والخبرة الشخصية. لذلك فإن أي اضطراب في فهم هذه الغريزة أو التعامل معها قد ينعكس على شخصية الفرد واستقراره النفسي والاجتماعي. وهذه الفكرة تشبه إلى حد كبير ما طرحته مدارس علم النفس الحديثة، خاصة التحليل النفسي عند سيغموند فرويد، الذي اعتبر أن الطاقة الجنسية تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الشخصية والسلوك الإنساني. لكن المؤلف لا يكتفي بالنقل عن النظريات الغربية، بل يحاول أن يقرأ الواقع العربي قراءة خاصة، فيتحدث عن التناقض الذي يعيشه الإنسان العربي بين الكبت والانفتاح، وبين التقاليد القديمة والتغيرات الحديثة. ففي مجتمعاتنا يُنظر إلى الجنس غالبًا باعتباره موضوعًا محرّمًا أو مخجلًا، مما يدفع كثيرًا من الناس إلى الجهل أو الخوف أو الشعور بالذنب. ويرى الكاتب أن هذا الكبت لا يؤدي إلى الطهارة بالضرورة، بل قد ينتج عنه اضطرابات نفسية وسلوكيات منحرفة أو علاقات غير صحية. ومن هنا تأتي دعوته إلى فهم الجنس فهمًا علميًا وإنسانيًا متوازنًا. ومن الجوانب المهمة في الكتاب حديثه عن العلاقة بين الجنس والحب. فالدكتور علي كمال يفرّق بين العلاقة الجسدية العابرة وبين العلاقة الإنسانية العميقة التي تقوم على المودة والاحترام والتفاهم النفسي. ويرى أن اختزال الحب في الرغبة الجسدية يؤدي إلى فراغ داخلي وإلى علاقات هشة لا تستطيع الاستمرار. وفي المقابل، فإن الحب الحقيقي يمنح العلاقة الجنسية بُعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا يجعلها أكثر استقرارًا وعمقًا. وهذه النظرة تؤكد أن الإنسان ليس مجرد جسد، بل هو كيان متكامل من المشاعر والعقل والرغبات والقيم. كما يناقش الكتاب أثر التربية في تشكيل الوعي الجنسي. فالطفل ـ كما يرى المؤلف ـ لا يولد منحرفًا أو مريضًا نفسيًا، وإنما تتكون شخصيته عبر الأسرة والمجتمع والخبرات المبكرة. وعندما تكون التربية قائمة على التخويف والقمع والحرمان، فإن الطفل قد ينشأ وهو يحمل صورة مشوشة عن جسده وعن العلاقات الإنسانية. أما التربية المتوازنة التي تجمع بين التوجيه الأخلاقي والمعرفة الصحيحة، فإنها تساعد الفرد على بناء شخصية سليمة قادرة على التحكم في رغباتها دون قمع أو انفلات. ويتوقف الكاتب أيضًا عند قضية المرأة في المجتمعات الشرقية، موضحًا أن كثيرًا من التصورات السائدة حول المرأة والجنس ناتجة عن موروثات اجتماعية لا عن حقائق علمية أو دينية. فالمرأة كثيرًا ما تُعامل بوصفها مصدر فتنة أو موضوعًا للرغبة، بينما يتم تجاهل إنسانيتها وحقها في التعبير العاطفي والنفسي. ومن خلال هذا الطرح يحاول المؤلف أن يدعو إلى نظرة أكثر عدلًا وإنسانية تقوم على احترام الطرفين داخل العلاقة الإنسانية. ومن القضايا اللافتة في الكتاب تحليله لمشكلة الكبت الجنسي وآثارها النفسية. فالكبت في نظره لا يعني السيطرة الواعية على الرغبات، وإنما يعني دفنها بطريقة قسرية داخل النفس، مما قد يؤدي إلى التوتر والقلق والانفجار السلوكي. ولهذا يفرّق بين “الضبط” و“الكبت”، فالضبط نابع من وعي وقناعة، أما الكبت فهو قمع يولّد الصراع الداخلي. وهذه الفكرة من أهم الأفكار النفسية التي يناقشها الكتاب، لأنها تفسر كثيرًا من الازدواجية التي يعيشها بعض الأفراد في المجتمعات المحافظة. ويستخدم الدكتور علي كمال لغة تجمع بين الطابع العلمي والأسلوب الأدبي، مما يجعل الكتاب قريبًا من القارئ العام وليس حكرًا على المتخصصين. فهو يشرح الأفكار النفسية بأسلوب واضح، ويضرب أمثلة من الواقع والحياة اليومية، الأمر الذي يمنح النص حيوية وقربًا من التجربة الإنسانية. كما أن الكتاب لا يهدف إلى تقديم أحكام أخلاقية قاسية، بل يسعى إلى الفهم والتحليل، وهو ما يمنحه طابعًا فكريًا وإنسانيًا. ومن الناحية النقدية، يمكن القول إن بعض أفكار الكتاب قد تبدو متأثرة بشكل واضح بالتحليل النفسي التقليدي، خاصة فيما يتعلق بتفسير السلوك الإنساني من خلال الدافع الجنسي. فهناك مدارس نفسية حديثة ترى أن الإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في الغريزة الجنسية وحدها، وأن العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تلعب أدوارًا لا تقل أهمية. ومع ذلك فإن قيمة الكتاب تكمن في جرأته الفكرية وفي محاولته فتح باب الحوار حول موضوع طالما أُحيط بالصمت والخوف.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجنس والنفس في الحياة الانسانية2/ 2
-
كيف جمع رياض داخل نخبة الأدباء بقلب واحد
-
ملامحَنا القديمة
-
معاوية يؤسس أول حكومة مدنية
-
لماذا فشل ساسة الشيعة في الحكم؟
-
في العراق.. طفلة دفعت حياتها ثمنا للرفض
-
يا سيِّدَ الأريج
-
مقولة: الحمد لله على نعمة الإسلام
-
نشيد الفرات الأخير.. قراءة في قصيدة (وفي بغداد صوت)
-
رحم المسافات
-
قراءة في ديوان (هُنا يرقد قلبي) للشاعرة ورود الدليمي
-
ملامحي الأولى
-
الرفاعي وعقدة الدين
-
الرفاعي..رجل دين بلباس أفندي
-
ثقافة تكرار الوجوه
-
قراءة وجودية في المجموعة الشعرية (لهفة لا تعرف السكون)
-
الإنسان المستلب في (حين يصمت التمثال) نقد معرفي
-
علَّ العابرينَ لا يرونَ
-
يحيى السماوي.. حين يتنفس الشعر
-
الرمز المكثّف في قصة (نعل) للقاص رياض داخل- قراءة تأويلية
المزيد.....
-
مصر تخفض مستحقات شركات الطاقة الأجنبية إلى مستويات قياسية تم
...
-
ترامب يتبرأ من اتفاق 2015 مع إيران: لن أكرر كارثة أوباما.. ف
...
-
الجيش الإسرائيلي يؤكد توسيع عملياته البرية في جنوب لبنان
-
السعودية... تقنيات ذكاء اصطناعي لتعزيز خدمات الحج
-
ترمب وحرب إيران.. هل انقلب السحر على الساحر؟
-
-العيد فرحة-.. اليمنيون يتحدون غلاء أسعار الأضاحي وضيق الحال
...
-
أمير قطر يبحث مع الرئيس الإيراني جهود خفض التصعيد
-
الفقد يجمع الضفة وغزة.. هكذا تستقبل عائلات الشهداء عيد الأضح
...
-
شبكات يتناول عودة نذر الحرب في إيران وتهديدات إسرائيلية بهدم
...
-
في غزة.. أضحى بلا أضاح وخيام لا يدخلها العيد
المزيد.....
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
المزيد.....
|