|
|
خوارزمية الجشع في سيرة معلم
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 18:14
المحور:
الادب والفن
راى في نفسه مشروعا كبيرا أجهضه سوء الطالع. في غرفته الضيقة التي تفوح منها رائحة الورق القديم، يراقب طوابير المباريات تلتهم أحالمه واحدا تلو اآلخر، من اجتياز اختبارات الوظائف اإلدارية التي انتهت برفضه، إلى المقابالت المتكررة في شركات ال تذكر حتى اسمه. تحطمت كبرياؤه على صخرة واقع ال يرحم، ليجد نفسه أخيرا، وبكل ما يحمله من مرارة وانكسار، جالسا خلف طاولة مدرس .في فصل دراسي لم يطمح إليه يوما في البداية، كان التدريس بالنسبة له مجرد مهنة قسرية، عقوبة يمارسها ليقتات. حين المست يداه أول راتب، أدرك شيئا مختلفا. لم يكن المال مجرد ورق لتبادل السلع، انما بالنسبة له لغة القوة التي حرم .منها طويال. تحول اإلحساس بالفشل في قلبه إلى نار تأكل كل القيم التي كان يظن أنه يؤمن بها بدأت الحكاية بدرس خصوصي واحد، ثم صار الفصل الدراسي مجرد واجهة، ومسرحا صغيرا الستدراج الفرائس. صار يرى في عيون طالبه ال عقوال تحتاج إلى تنوير، انما محافظ آباء تفيض بالدراهم. أصبح هشام الروندة أيقونة في حيه، ليس لتمكنه العلمي، لدهائه في تسويق النجاح لمن يدفع .أكثر لم تعد طموحاته تتوقف عند سداد الفواتير. بدأت القطع األرضية تتراكم في ملفاته، وبدأت السيارات الفاخرة تشق طريقها أمام منزله المتواضع، وكأنها قطع معدنية يصفع بها هشام وجه الحياة التي رفضته سابقا. كانت كل سيارة يقتنيها وكل بقعة أرض يضع يده عليها، تمثل انتصارا صغيرا على خيباته القديمة. امام باب المدرسة عند خروج التالميذ يقف مجموعة من االباء وينخرطون في حديث .مطول :السيد عالل عامل بسيط يرتدي مالبس العمل وبصوت خجول وقلق .أستاذ هشام، ممكن كلمة من فضلك؟ بخصوص ابني ياسين- :هشام ينظر إلى ساعته بملل .تفضل يا سي عالل، لكن اختصر من فضلك، لدي التزامات كثيرة- أستاذ، ولدي يقول لي إنك طلبت من التالميذ التسجيل في حصص التقوية )الدروس الخصوصية( في- .بيتك، وإال ستكون االمتحانات صعبة عليهم :هشام بجدية باردة انظر يا سي عالل، القسم فيه أكثر من 40 تلميذا. ال أستطيع شرح كل شيء بالتفصيل للجميع؟ من- .يريد العالمات الكاملة يجب أن يأتي عندي للمنزل ألمنحه االهتمام :السيد عالل .يا أستاذ، أنا أعمل طوال اليوم ألوفر له الكتب واألدوات-
:هشام بتنصل من المسؤولية هذه هي ظروف التعليم اليوم يا سي عالل، الجميع يفعل ذلك. ابنك ذكي، لكن بدون دروس إضافية-، .ستكون أسئلة االمتحانات بالنسبة له مثل طالسم :السيد عالل بحسرة .يعني إذا لم أدفع، سيعاقب ابني بنقط سيئة؟ هذا ليس تعليما، هذا تهديد لمستقبل طفل :هشام يقاطع حديثه ببرود .هذا ليس تهديدا، انه الواقع. ابني وابنك، ومن يدفع يحصل على النتيجة- .يغادر هشام بسرعة دون انتظار رد :السيد عالل يحدث نفسه بألم اهلل يهديك يا أستاذ.. كيف أختار بين لقمة عيش إخوته وبين مستقبله؟ في المساء، حين يغلق على نفسه باب بيته المليء بمفاتيح سياراته الفارهة وعقود أراضيه، كان يقف أمام المرآة، ال يرى ذلك األستاذ الذي طرد من أحالمه، بل يرى رجال سحق المبادئ ليشتري مكانة ال يمكن ألحد أن ينتزعها منه. كان يدرك في أعماقه أن دروسه الخصوصية ليست إال مذبحة للقيم، حيث تتحول المعرفة إلى مجرد سلعة رخيصة، لكنه لم يعد يكترث. لقد استبدل وجع الفشل بلذة الجشع، وأصبح يرى في كل طالب يتملق له من أجل نقطة، مجرد حجرة جديدة في قصره الذي بناه على .أنقاض ضميره في قلب هشام الروندة، لم يعد للتعليم قدسية، بل صار مجرد حقل لتربية الجشع. تحول من أستاذ يلقن المعرفة إلى مقامر يراهن على مستقبل الطالب مقابل حفنة من األوراق النقدية. لم يعد يرى في األقسام سوى أروقة للتسويق، وال في االمتحانات سوى فخاخ محكمة الصنع تجبر اآلباء على الركوع أمام .سطوته المالية بدأ هذا الهوس يمزق خيوط ارتباطه بالوسط التعليمي، ليس فقط ألنه أهمل جوهر الرسالة، بل ألنه أصبح ينظر إلى زمالئه من األساتذة نظرة استعالء ممزوجة بالشفقة. كان يتأملهم وهم يجرون أذيال الفقر والنزاهة، فيشعر بانتصار شيطاني؛ هو الذي امتلك الذكاء ليخرج من سجن الموظف البسيط إلى رحاب المالك الكبير. صار يتردد على المؤسسة كغريب ال ينتمي لجوهرها، يرتدي بذالت باهظة تثير حقد الحراس وتثير تساؤالت المفتشين، وكأنه يلقي بظالل سياراته الفارهة على بوابات المدارس .المتهالكة، معلنا بطريقة صامتة أن المؤسسة قد ماتت، وأن زمن التجارة قد حل تفاقم األمر حتى صار هشام يختلق األزمات التربوية ليخلق الحاجة لدروسه الخصوصية. أصبح يعبث بعقول طالبه، يمنح النقاط لمن يشتري وده، ويحجبها عمن ال يملك الثمن، محوال العملية التعليمية إلى سوق نخاسة فكري. لم يعد يطيق االجتماعات التربوية، كان يراها مضيعة للوقت الذي يمكنه استثماره .في تفقد أراضيه أو مراقبة أسعار العقارات
أصبح وجوده في المدرسة جرحا غائرا ال يندمل. ففي الممرات، لم يعد هشام يرى الوجوه التي تعبره، بل كان يرى أرقاما متطايرة؛ الطالب المجتهد صار بنظره مجرد هامش ربحي، والفقير الذي ال يملك ثمن الدرس بات عبئا يقتطع من زمنه الثمين. كان يمر بين زمالئه ببدلته الفارهة، يراقب تلميذا يرتجف بردا بقميص رث، فيدير وجهه سريعا نحو هاتفه، يعيد حساب أرباحه المتوقعة من حصة المساء، وكأن .دقات قلب ذلك الصغير ال تعني له شيئا أمام رنين العملة الذي صار يتردد في أذنيه كصالة وحيدة لم يكن هشام الروندة يبحث عن شريكة عمر، بل كان يفتش عن حليف استراتيجي في معركته مع العالم. الزواج في عرفه لم يكن ميثاقا غليظا، بل استثمارا طويل األمد، صفقة تضاف إلى سجل ممتلكاته. حين طرق باب تلك المعلمة المطلقة، ابنة العائالت الميسورة، لم يكن دافعه الشوق، بل كان انبهاره بتلك المزرعة المترامية األطراف والفيال التي تشبه في فخامتها قصور الحكايات. دخل البيت .كمن يقتحم حصنا منيعا، ظنا منه أنه وضع يده على الكنز المفقود في األشهر األولى، ارتدى قناعا من الود الذي أتقن حياكته، كان يوزع العبارات الناعمة كأنها قطع نقدية معدنية في يد متسول. لكن، ما إن انقشع ضباب البدايات، حتى كشر الجشع عن أنيابه. مد يده نحو راتبها الشهري، ال حبا في الشراكة، بل رغبة في ابتالع كل ما تملك. حين ردت عليه ببرود حاسم أن مالها حصن ال يخترق، شعر بصفعة دوت في أركان روحه، ال ألنها رفضت اإلنفاق، بل ألنها أفسدت .مخططاته التي بناها على أوهام الثراء :هشام بصوت هادئ ومحسوب أال تظنين أن بقاء راتبك في حسابك الخاص، بينما نتقاسم أعباء هذا البيت، هو نوع من الغربة؟ نحن- .عائلة واحدة يا زهرة، والمال يجب أن يصب في وعاء واحد ليعظم شأنه :زهرة ببرود حاسم الوعاء الواحد الذي تتحدث عنه يا هشام، هو وعاء تملؤه أنت بأحالمك العقارية، ال باحتياجات بيتنا-. .راتبي هو الحصن الوحيد الذي تبقى لي في هذا البيت المليء بالغرباء :زهرة بابتسامة باردة .الحصن؟ يا لسخرية القدر! أنت تتعامل مع زوجتك وكأنه غاز يطرق أبواب قلعتها- :هشام ببرود اعصاب ألم نتفق أن زواجنا شراكة استراتيجية؟- :زهرة وهي تحدق فيه نعم، شراكة. لكنها ليست صفقة لتمويل أطماعك. لقد دخلت معك بيتا ظننته مالذا، ألكتشف أنني- .سكنت في مشروع يحتاج إلى ميزانية ضخمة كي يظل واقفا :هشام يصرخ منفعال وهو يرمي إشعارا بنكيا أكلت ميزانيتنا في الكماليات! كل قرش يضيع في هذا المنزل هو طعنة في ظهري، وفي مشروعي- .الخاص
:زهرة تنفجر بضحكة مريرة مشروعك؟ أي مشروع يا هشام؟ إننا نعيش على حافة هاوية! أتظن أن هذه الفيال العائلة والمزرعة- .والسيارات، ملك لوالدي؟ إنها مجرد واجهة لهيكل نخرته الديون حتى العظم :هشام بذهول وعيناه تجحظ ...ماذا تقولين؟ أنت تبالغين- :زهرة تقاطعه بحدة وصوتها يرتفع اكثر .ال أبالغ. أنا أرى كشوفات حساب والدي الغارق في الديون، وكل مظاهر الفخامة مهددة في اي لحظة- :هشام بصوت خافت مهزوم .لقد أفسدت كل شيء- :زهرة بأسى وبنظرة احتقار كنت تبحث عن ثروة، ووجدت نفسك في زنزانة من الورق. ارحل، فديون العائلة أقل إرهاقا من- .وجودك في حياتي استيقظ هشام في ذلك الصباح على حقيقة أطبقت على أنفاسه مثل وشاح من رصاص. لم يعد البيت في عينيه قصرا يحفظ كبرياءه، بل صار هيكال عظميا لسراب كان يظن أنه ملكه. تلك الجدران الفارهة، واألثاث الذي كان يلمسه بزهو، تحولت فجأة إلى مرايا تعكس عراء روحه؛ لقد تزوج ثروة، فاكتشف .أنه تزوج زنزانة من طراز رفيع، جدرانها مبنية من ديون ال تنتهي، وسقفها مغطى بغبار الفشل بدأ يدرك، بخيبة أمل تقطر مرارة، أن شراكة العمر التي هندسها بعقله الحسابي لم تكن سوى مقامرة خاسرة. سقط القناع عن وجه أحالمه، ووجد نفسه غارقا في صمت المنزل الموحش، صمت ال يقطعه إال رنين هاتفه الذي بات يالحقه بإشعارات التذكير بالديون، وكأن األرقام صارت كائنات حية تنهش ما .تبقى من سكينته تسللت ديدان اإلحباط إلى مفاصل حياته؛ صار يرى في كل تفصيل من تفاصيل يومه فشال ذريعا. انعكس هذا االنكسار الداخلي على سلوكه الخارجي، فأصبح كبركان خامد يغلي، ينفجر ألتفه األسباب، ويفرغ غضبه في كل ما يحيط به. لم تعد الكلمات تخرج من فمه لينة أو متزنة، بل كانت كشظايا زجاج تجرح كل من يقترب منها. الزوجة، التي كانت في نظره يوما بوابة للمجد، أصبحت اآلن رمزا لخديعة القدر، وكل نظرة منها كانت تذكره بعجزه الذي حاول طويال إخفاءه خلف بدالته األنيقة وسيارته .الفارهة أصبح هشام ضيفا ثقيال على نفسه، يهرب من مرآة الغرفة التي صار يتجنب النظر إليها، خوفا من أن يرى ذلك الرجل الذي باع جوهر المعلم ليشتري وهما. كانت خيبته أشد وطأة من الفقر الذي طالما خافه؛ فالفشل في تحقيق المجد الشخصي أشد وجعا من الجوع. في تلك الليالي الطويلة، كان يقف على شرفة الفيال، يراقب أضواء المدينة البعيدة، ويشعر بأن شيئا ما في داخله قد انكسر إلى األبد، شيئا لن .تجبره كل أموال العالم أو كل ساعات التدريس الخصوصي تحول هشام إلى كائن منغلق على ذواته الممزقة، يتذمر من الهواء، من صمت الجدران، من صوت طفله، ومن نبض قلبه الذي بات يذكره كل حين بضياع العمر في طريق ال يؤدي إال إلى سراب. لقد أدرك أخيرا أنه كان يحاول بناء قصر من رمال على شاطئ يغمره المد، وأن كل جهده لم يكن سوى .ركض في حلقة مفرغة، انتهت به إلى أن يكون الغريب الوحيد في بيت كان يظنه يوما وطنه
تحول البيت إلى ساحة حرب صامتة. صار هشام يهرب من هذا الفضاء الفاخر نحو مؤسساته الخصوصية، يقضي الساعات بين سبورات ال روح فيها، ال يعود إال تحت جنح الظالم، كأنما يغشى سجنه الخاص. احتدمت النقاشات، وتالشت مودة لم تكن أصال قائمة على أساس، حتى جاءت تلك :اللحظة التي انهار فيها قناع الزوجة. في نوبة غضب صادقة، ألقت في وجهه حقيقتهم المرة إن هذا البذخ ليس إال قشرة رقيقة تخفي تحتها جبال من الديون المتراكمة على العائلة، وأن راتبها الذي- .طمع فيه، ليس سوى قطرة في بحر من المظاهر الزائفة التي تقتات على بقايا كرامتهم تجمد هشام في مكانه، أحس ببرودة الخواء تتسلل إلى عظامه. كل أحالمه في االغتناء بالزواج تالشت كدخان سيجار رخيص في ريح عاتية. أدرك أنه لم يخدعها، بل خدعه طمعه األعمى. لم يعد يفكر .حينها إال في الهروب، في فك االرتباط بهذا الكابوس الذي ظنه يوما نعيما بينما كان يعد في ذهنه سيناريوهات الطالق والهروب من الغرق، فاجأته بخبر حملها. خمسة أشهر من الخفاء، كانت فيها الحياة تنمو في أحشائها، حاملة معها ثقل المسؤولية الذي لم يكن يوما في حسبانه. وقف هشام أمامها، ال يرى أما لمولود جديد، بل يرى قدرا جديدا يربطه بهذا البيت المتهالك، وبزوجة أصبحت اآلن، بفعل هذا الحمل، سجنا أبديا ال يمكنه منه فكاك. تحول أمله في الثراء إلى مرارة الذعة، وأصبح كل طفل يراه في مدرسته يذكره اآلن بهذا االستثمار الخاسر الذي سيطارد أحالمه طوال ما .تبقى له من عمر في تلك الليلة، كان الصمت في الفيال يضج بضجيج ال يسمعه غير هشام. كان يجلس في مكتبه الوثير، محاطا بأكوام من ملفات األراضي وعقود االستثمار التي بدأت تتآكل مثل ورق قديم. في الغرفة المجاورة، كان طفله يطلق صرخة مفاجئة، صرخة لم تكن بالنسبة لهشام نداء فطرة أو عزفا للحياة، بل .كانت مسمارا إضافيا يدق في نعش أحالمه الكبرى قام هشام من مقعده، اتجه نحو الغرفة، وقف عند العتبة يراقب زوجته وهي تحاول تهدئة الرضيع. في تلك اللحظة، لم ير زوجته، ولم ير ابنه، رأى التكلفة. رأى في تلك اللفات البيضاء التي تحيط بالصغير، أثمانا باهظة كانت كفيلة بشراء هكتار آخر في أرض الميعاد التي يطاردها. لقد صار االبن في نظره .خطأ تقنيا في معادلته الحسابية، ثغرة في خوارزمية جشعه التي ال تقبل القسمة إال على المادة اقترب من المهد ببطء، لم تمتد يده لتلمس وجنة الصغير، بل بقيت معلقة في الهواء كأنها تخشى العدوى، عدوى الفقر أو عدوى االلتزام الذي سيقيده إلى األبد. يتأمل مالمح الطفل باحثا عن شبه .بينهما، لكنه لم يجد إال وجه غريب جاء ليعلن نهاية سطوته على مستقبله :خاطبه في سره بصوت مشروخ أنت لست ابني، أنت حصار جديد. أنت النسخة المصغرة من كل األبواب التي أغلقت في وجهي. جئت- .في توقيت خاطئ، مثل تذكرة سفر لرحلة ال أريد القيام بها، ومثل حمل زائد في سفينة تغرق أصال خرج من الغرفة دون أن ينبس ببنت شفة، وعاد إلى مرآته. نظر إلى وجهه المنعكس فيها، فرأى رجال غريبا يرتدي بدلة غالية، لكن عينيه كانتا باهتتين، فارغتين من أي بريق أبوي. أدرك حينها أن الفراغ الذي يسكنه لم يعد يملؤه مال، وأن الصرخة التي سمعها لم تكن لطلب الحليب، بل كانت اتهاما صارخا .له بأنه مات من الداخل قبل أن يولد طفله في تلك الليلة، أعلن هشام في صمت أعماقه الطالق من إنسانيته. قرر أن يمضي في طريقه كآلة ال تعرف الرحمة، باحثا عن الهروب من تلك الحقيقة التي أسموه فيها أبا. وبينما كان يتأمل صور األراضي المعلقة على جدران مكتبه، أدرك أن ابنه سيكون دائما الخطأ الذي يذكره بأن كل ما جمعه .من أرقام، هو في الحقيقة ثمن بخس لبيع روحه لم ينم هشام، ظل يراقب أرقام حسابه البنكي على شاشة هاتفه، محاوال شراء السكينة من خالل األرقام، بينما كان طفله في الغرفة المجاورة يغفو، غير مدرك أن والده قد اختار التخلي عنه وعن العالم كله،
.من أجل حلم كان في جوهره مجرد وهم رخيص تحولت جدران الفيال التي ظنها يوما كنزا، إلى زنزانة شاهقة. صار هشام يتفنن في اختالق المشاجرات، يفرغ غضبه في زوجته، يحملها مسؤولية الفقر الذي اكتشفه متأخرا، ومسؤولية هذا الطفل الذي أصبح بالنسبة له تجسيدا لخطئه الفادح. لم تعد الحياة بينهما نقاشا، أصبحت استنزافا طويال؛ هي تدافع عن مظهرها االجتماعي بآخر فلس تملكه، وهو يرى في كل درهم ينفقه على ابنه ضياعا لحلمه .الكبير في الثراء والسيادة في إحدى الليالي، وبينما كان رنين هاتف هشام يعلن عن إشعارات بخصومات بنكية متتالية، وبينما كان بكاء الطفل يمأل زوايا المنزل كأنه صوت اتهام، انفجرت الحقيقة العارية. كانت الزوجة ترتدي قناعا من الضعف، لكنها في لحظة يأس، واجهته بانهيار تام، معترفة بأنها لم تعد قادرة على االستمرار في مسرحية الزواج، وأن ديون العائلة قد بلغت ذروتها حتى بات التهديد بالحجز على المنزل واقعا يطرق .األبواب ويشرد ابويها نظر إليها هشام، وفي عينيه لم يعد يسكن سوى الكره والندم. لم تعد تمثل له الزوجة الثرية، بل صارت العبء الذي يعيق انطالقته نحو المجد الذي رسمه في خياله. شعر بأن القيد الذي كان يربطه بها قد انكسر، ليس بفعل الرغبة في الطالق، بل بفعل القناعة المطلقة بأنها لم تعد ذات فائدة. في تلك اللحظة، .اتخذ قراره الصامت، الرحيل كانت اجراءات رفع دعوى الطالق بطيئة ولم تكن درامية، انما باهتة، ثقيلة، تفوح منها رائحة الفشل المرة، هشام يرفض االتفاق على قيمة الحضانة ودفع تكاليف الحياة، رحل الزوج تاركا وراءه طفال لم يعرفه حق المعرفة، وزوجة تفتتت أحالمها تحت وطأة المظاهر، وبيتا يئن تحت ثقل الديون العائلية التي لم تشارك في صناعتها، لكنه كان أول الفارين من حطامها. خرج هشام إلى الشارع، يحمل حقيبة صغيرة، وعقال ال يفكر إال في شيء واحد: كيف يستعيد ضياعه، وكيف يبتعد عن هذه الخسارة البشرية التي تركه القدر خلفه، متوجها من جديد نحو المدارس والدروس، كأنما يركض نحو سراب ال يرتوي .منه أبدا لم تكن السرعة التي كان يقود بها هشام الروندة هروبا من مكان إلى آخر، بل كانت محاولة يائسة للفرار من ظله الذي بات يطارده في كل زاوية. ورغم نداءات األصدقاء التي كانت تحاول كبح جماح جنونه، كان يرى في الطالق طوق نجاة، وفي الطريق الممتد أمامه خالصا من خيبات تراكمت كأحجار .الطوب في جدار مسدود حين تقطعت الفرامل فجأة، لم تكن مجرد عطل تقني، بل بدت وكأنها إرادة القدر التي قررت أن تضع حدا لهذا الركض المحموم. في تلك اللحظة الخاطفة، تحول العالم إلى مشهد سينمائي بطيء، صوت احتكاك المعدن باإلسفلت تحول إلى صراخ، واندفعت السيارة بجنونها المعهود لتلتحم بجسد الشاحنة في عناق عنيف. في طرفة عين، استحال جسد السيارة الفارهة الذي كان يتباهى به، كومة من الحديد .المتشابك، كأنها تابوت من فوالذ يختزل كل صراعاته وخطاياه حين وصلت سيارات الوقاية المدنية واالسعاف، كانت األضواء الزرقاء تمزق عتمة الطريق، والوجوه المذعورة تنعكس على ما تبقى من زجاج مهشم. وسط ضجيج أدوات القطع التي كانت تنهش هيكل السيارة، سحب جسد هشام الروندة من بين األنقاض، جسدا هامدا خاويا من كل تلك األطماع التي كانت .تحركه في ردهات المستشفى الباردة، تحت سقف العناية المركزة، حيث ال صوت يعلو فوق دقات أجهزة التنفس االصطناعي، استلقى هشام بين ضفتي الحياة والموت. هناك، في تلك المنطقة الرمادية حيث تتساوى الماليين مع القروش، وحيث ال أثر ألراض أو عقود أو سيارات، وجد نفسه وحيدا تماما.
غابت صور األرقام والعمالت، وتالشت ضوضاء الدروس الخصوصية، ولم يبق سوى أنفاسه المتقطعة التي كانت تخبره، بصمت ال يحتمل التأويل، أن كل ما بناه من قوة لم يكن سوى هشيم تذروه .رياح النهاية كان جسده المسجى تحت األضواء الكاشفة في الغرفة المعقمة، يبدو ككتاب أغلقت صفحاته قبل أن يكتمل فصله األخير، تاركا خلفه تساؤال معلقا في الهواء: هل كانت هذه اللحظة هي النقطة التي كان يبحث عنها في نهاية رحلته، أم أنها مجرد فصل جديد في قصة لم يعد هو كاتبها...؟ بعد شهور من الصمت المطبق الذي غلف غيابه، طويت صفحة هشام الروندة بال دمعة واحدة تبلل تراب قبره. كان الرحيل باهتا كحياته، بال وداع، بال صديق يذرف حزنا، وبال أثر يذكر لسنوات من الجشع والركض خلف السراب. ووري جسده الثرى وسط زحام المقابر، حيث تساوت أخيرا أقدامه التي طالما مشت في دروب الطمع، مع أقدام الفقراء الذين طالما احتقرهم. لم يمتلك في ختامه سوى .بضعة أمتار من األرض، وهي التي قضى عمره يكدسها ويقتطعها من قوت المحتاجين في المقابل، عادت الزوجة إلى البيت الذي كان شاهدا على انهيارها، لكنه اآلن استحال مساحة للحرية. انتقلت إلى الوريث التركة، األراضي التي كانت ترمز في نظر هشام للسلطة، والسيارات التي كانت تجسد كبرياءه الكاذب. لم تكن هذه األمالك بالنسبة لها مجرد أرقام في حساب بنكي، بل كانت ثمن صمتها وصبرها وجرحها الغائر. أحست بثقل السنين ينداح عن صدرها، واالبن بدا يتلو الكلمات على المسامع، ويركض في ارجاء الغرفة الفسيحة، تشعر بالراحة والفرح الطفولي، تنهدت تنهدة عميقة كأنما .كانت تحمل جبال من القهر، ثم وجدته فجأة يذوب في هواء الغرفة، تاركا خلفه خفة لم تعرفها من قبل بعد رحيل هشام، لم تعد الفيال مجرد مسكن، بل استحالت متحفا للصدى. كانت زهرة تمشي في األروقة الفسيحة، فال تسمع سوى وقع خطواتها الذي يرتد من الجدران كأنها تعاتبها على عمر قايضت فيه سكينة الروح ببريق المظاهر. لم تكن األراضي وال السيارات المكدسة في المرآب سوى أشالء لقصة .ميتة، جثث معدنية وشواهد قبور ألحالم لم تولد في ليالي الخريف الشاحبة، حين كان الضباب يزحف على نوافذ الفيال ليغطي زيف الرخام، بدأت زهرة تعيد ترتيب فوضاها. لم تعد تبحث عن منقذ يكمل مشهد التراجيديا؛ لقد أدركت أن التحرر ليس في .استبدال رجل بآخر، بل في نزع فتيل االستثمار من قلب الحياة ذات مساء، وببساطة ال تليق بضخامة القصور، جلست في الحديقة المهملة. لم تكن تنتظر أحدا. كانت تراقب الشجر الذي نخرته الصراعات، والريح التي تعبث بأوراق العقود المتناثرة على الطاولة. في .تلك اللحظة، شعرت ألول مرة بخفة مرعبة، خفة من ال يملك شيئا ليخسره في ليلة خريفية كئيبة، بينما كانت زهرة تهيم في حديقتها المهملة، محاطة بأسوار الفيال التي تشعرها باالختناق، وجدت شخصا غريبا يجلس في زاوية الحديقة، بعيدا عن أعين الخادمة. كان بوعزة، الذي يتسلل بانتظام ليس لسرقة شيء، بل للقراءة بصوت خافت أمام شجرة قديمة ذابلة، معتقدا أن أحدا ال .يراه .لم تكن قراءته موجهة ألحد، كانت حديثا مع الفراغ، مع الطبيعة التي يراها تذبل مثلما تذبل هي كيف يصبح ضروريا...؟- حين واجهته زهرة، لم يعتذر، ولم يتوتر. نظر إليها بهدوء، وأشار إلى الشجرة التي كانت قد ماتت :تماما في عهد هشام، وقال جملة واحدة
هذه الشجرة ال تحتاج إلى مياه كثيرة، هي تحتاج فقط لمن ال يحسب لها حساب الربح والخسارة.. هي- .تموت ألنها تشعر بأنها مراقبة تلك الجملة اخترقت جدار زهرة العازل. أدركت أن هذا الغريب، الذي ال يملك شيئا، هو الوحيد الذي .يرى روحها التي سحقها هشام باألرقام لم يعد بوعزة يزورها ليأخذ منها، بل ليترك لها فراغا. في عالم زهرة الممتلئ بالضجيج والعقارات واألقنعة، أصبح بوعزة هو المساحة الوحيدة التي ال تطلب منها شيئا. إنه يمثل العدم الجميل. هو يقرأ .لها قصائد ال تفهم معناها التقني، لكنها تفهم خفتها بدأت زهرة تنتظر تسلله ليس كخيانة لزوجها، بل كهروب إلنسان داخلها من سجن فيلتها. هو لم يرمم سيارتها، بل رمم قدرتها على الصمت. صار وجوده ضروريا ألنها ألول مرة، في حضور رجل، ال تحتاج إلى أن تتحدث عن المال، أو األراضي، أو الديون. معه، تستطيع أن تكون ال شيء، وهو الرقي .الوحيد الذي لم يعرفه هشام قط لماذا هذا المدخل أقوى؟- بوعزة هنا يمثل النقيض الفلسفي لهشام؛ هشام كان يرى في الحديقة أرضا للبيع، وبوعزة يرى فيها كيانا يستحق الحديث. العالقة بدأت من روح لروح، من عزلة لعزلة، مما يجعل بوعزة مرآة زهرة التي لم تستطع رؤية وجهها الحقيقي فيها من قبل وأصبح ضرورة ألنها بدأت تكتشف بوجوده أنها حية، .بينما كان وجود هشام يجعلها تشعر بأنها مجرد عنصر في ميزانية لم يظهر بوعزة كفارس من سراب ليمسح دموعها، ولم يأت الحب كصفقة لترميم ما انكسر. بل وجدت زهرة نفسها، في صمت المساء، تغلق باب الفيال الكبير، ليس لتدخل زنزانة جديدة، بل لتمشي في الحديقة دون أن تلتفت إلى الوراء. رأت الطفل يلعب بالتراب، دون أن تفكر في تكلفة تنظيف ثيابه، .ودون أن تقيس مستقبله بميزان الربح والخسارة أدركت حينها أن الجشع الذي لوث حياة هشام لم يكن سوى ظمأ للخلود عبر األشياء. أما هي، فقد اختارت أن تكون فانية، أن تكون إنسانة تحتفي باللحظة، وتترك للزمن أن يلتهم القصور والديون معا. غابت خوارزمية الجشع من رأسها، وحلت محلها طمأنينة العدم. لم تعد الفيال سجنا، ولم تعد الممتلكات قدرا، بل صارت مجرد مادة صماء، بينما كانت هي، ألول مرة منذ سنوات، تبدأ في التنفس بعيدا عن .صخب األرقام، وحيدة، عارية من كل زيف، وحرة كريح ال تسأل عن وجهتها في مساء مطير، جلست في حديقة الفيال، يغمرها شعور باالختناق من كل ما تملك، سمعت صوت محرك السيارة رينو 4 البيضاء المتهالكة، حين التقت نظراتهما، لم يكن هناك رنين عمالت، بل كان صمت األرض بعد المطر. أدركت حينها أن بوعزة لم يكن قدرا، بل كان استراحة لروحها بعد معارك الطويلة
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
-
مجنون طائر الحسون
-
عرش من زجاج تحت أقدام الظل
-
أرواح في مهب الحياد
-
في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
-
حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
-
صرخة في وجه المستحيل
-
ولائم الموت البارد في الظلام
-
بائع الوجبات وانكسار الصمت
-
الهارب من المدينة إلى المغارة
-
الحاج الخازوق وكبش العيد
-
غيبوبة الكلمات والدم
-
الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
-
رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
-
المرتشي والرقم الاخضر
-
رواية( زقوم كرة القدم )
-
زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
-
الحداد والاحمق والصورة
-
الفقيه والطاهية والجارة
-
ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
المزيد.....
-
وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س
...
-
وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س
...
-
من قلب الركام.. شقيقتان تؤسسان -سينما هوس- لإعادة البهجة لأط
...
-
من فوهات انفجارات لإطارات أفلام.. شقيقتان تطلقان -سينما هوس-
...
-
-المشهد كان أشبه بفيلم رعب-.. ماذا نعرف عن أكبر زلزال يضرب ف
...
-
السلطات الإستونية تأمر بإزالة الرموز السوفيتية من المركز الث
...
-
-حدث أسطوري-.. بوتين يشيد بمسابقة موسكو للباليه
-
وزارة الثقافة الروسية تعلن نمو الإقبال السنوي على المكتبات ب
...
-
الثقافة في القدس: فضاء الصمود اليومي وإعادة إنتاج الهوية
-
موسكو.. انطلاق مسابقة الباليه الدولية الـ15 في مسرح البولشوي
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|