أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - البغلماني طيف غريب في معبد السلطة















المزيد.....

البغلماني طيف غريب في معبد السلطة


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 15:46
المحور: الادب والفن
    


دخل تحت قبة البغلمان بهيأة رجل يحمل أوجاع الناس في حقيبته المهترئة، وبابتسامة رسمت بمداد الوعود الكاذبة. كان يظن أن الأصوات التي حملته على أكتافها لم تكن سوى سلم، لا جسرا نحو الحق. وحين استقر في مقعده الوثير، لم يعد يرى العالم من زوايا الشوارع الضيقة، انما من خلال عدسة مشوشة بالامتيازات. تحت القبة، تتصادم الأفكار وتصاغ القوانين، انه الصمت الذي لا ينطق. لم تكن حنجرته معطلة، بقضيته قد ماتت قبل أن تولد. مرت الدورات التشريعية، ولم يزهر في سجلاته سؤال واحد يغسل دمعة يتيم، أو يداوي انكسار فلاح، أو يرفع الحيف عن مدن تنام على حافة العدم. صار طيفا، مجرد ظل يتردد على أروقة لا تعترف إلا بمن يدفع فاتورة الولاء.
وفي البيت، في تلك الزاوية التي شهدت أيام الكفاف، حدث الانكسار الأعظم. المرأة التي كانت في جوعه خبزا، وفي تعبه وطنا، رآها فجأة في مرآة حياته الجديدة فائضا لا يليق ببريق السلطة. طلقها ببرود شتاء لا يرحم، واستبدل دفء العائلة بدمية شابة، واضعا حياته القديمة في حاوية النسيان، متوهما أن جلود الثعابين يمكنها أن تحميه من شمس الحقيقة.
لكن الأرض التي مشى عليها بغرور المنتصر، بدأت تضيق به. لم يدرك أن القوة الناخبة ليست مجرد أرقام في صندوق مقفل، بل هي ذاكرة جماعية لا تصدأ. حين جاء أوان الحساب، لم تشهر في وجهه خناجر الانتقام الصريحة، بل واجه ما هو أقسى، الجحود الصامت. في يوم كان يظن فيه أن الكراسي تورث، وجد أن الحشود التي صنعته قد أدارت له ظهورها كأنها لم تعرفه يوما. مروا بجانبه كغبار في مهب الريح، لم تكن عيونهم ترمقه بالحقد، بل كانت ترقبه بلا مبالاة مذلة، كأنما ينظرون إلى شيء تافه تخلفت عنه الحياة.
سقط من القمة دون أن يرتطم بالأرض، لأن القمة أصلا كانت وهما. عاد إلى شقته الفارهة، وحيدا مع صدى صوته الذي لم يقل شيئا، يواجه جدران الفراغ التي لم تعد تسمع في الغرفة إلا ندم رجل باع كل شيء، ولم يربح في النهاية إلا ذكريات مهزومة، وضميرا صار أثقل من كل أوزار الدنيا.
في ردهات البغلمان ومجالسه الخلفية، تحول الرجل من كائن سياسي باهت إلى قطعة شطرنج في أيدي الأقوياء. لم يعد يرتدي ملابسه القديمة؛ استبدل قمصان السوق ببدلات إيطالية مفصلة بدقة، وتغيرت مشيته لتصبح أكثر استعلاء، محاولا تغطية ضآلة تكوينه ببريق الأقمشة الفاخرة وساعات اليد التي يلمع معدنها كعين ثعلب يترصد فريسته.الزوجة بصوت مرتجف.

- هل ستتركنا فعلا...؟ هل نسيت سنوات الكفاف؟ تلك الجدران شهدت كفاحك للوصول.
يجمع البغلماني أغراضه دون أن ينظر إليها.
- تلك الأيام كانت للضرورة يا فاطمة. الآن، حياتي تطلبت وضعا مختلفا. أنت.. أنت لا تناسبين صورة القبة.
الزوجة وهي تضرب كفا بكف.
-الصورة أهم من بيتك؟
الزوج البغلماني يقولها بفظاظة.
-السياسة لا مكان فيها لامرأة تشبه الماضي. أنا أحتاج إلى وجه يفتح لي الأبواب، لا وجه يذكرني بالخبز والشاي.
- سامحك الله.

في زاوية من مطعم فاخر يغوص في قلب العاصمة، حيث الضوء خافت كأنه حلم مسروق، جلس وسط تجمهر من حيتان المال ووجوه الاقتصاد التي لا تعرف ملامحها الشفقة. لم تكن المائدة مجرد مساحة طعام، بل كانت منصة لمسرحية عبثية أبطالها رجال يبيعون الضمائر بابتسامات مصطنعة، ونساء يتحركن كالخيال في فساتين لا تستر إلا هشاشة الوجود.
في ذلك الفضاء، كانت الروائح اختلاطا سرياليا، مزيج من عطور فرنسية باهظة تغطي على نتانة الصفقات، ورائحة الخمر التي تعتق الأرواح لتمسخها. كان هو وسطهم، يراقب الكؤوس وهي ترتفع كأنها أسلحة لغزو المستقبل، بينما كان صدى الضحكات العالية يرتطم بالجدران المذهبة فيعود إليه كطنين مزعج يذكره بغربته عن نفسه.

خيل إليه في لحظة انخطاف، تحت وطأة الأضواء التي تتراقص كأنها نجوم كاذبة، أنه غارق في غيبوبة أبدية. كان يراقب النساء اللواتي يطفن حول المائدة، كأنهن كائنات من عالم آخر، لا ينتمين لواقع الأرض الذي تركه خلفه، بل ينتمين لزيف السلطة وبريقها الخادع. في تلك اللحظة، لم يعد الرجل الذي كان يوما يحمل هموم البسطاء في حقيبته المهترئة؛ صار جزءا من الأثاث المترف، دمية من شمع توشك أن تذوب بفعل حرارة الطمع. اشار اليه رجل الأعمال ببرود وهو يقطع شريحة لحم:

- سيدي النائب، القانون الجديد الخاص بتراخيص البناء ليس مجرد نصوص قانونية. إنه... فرص استثمارية.
يرتب البغلماني ربطة عنقه بتوتر.
- لكن.. ألا ترى أن هذا سيطحن الأحياء العشوائية؟ الناس هناك صوتوا لي لأحمي بيوتهم لا لأهدمها.
رجل الأعمال يبتسم ابتسامة صفراء.
-الناس؟ الناس ينسون الوعود في الغد، لكنهم يتذكرون "الخدمات" إذا قدمتها لهم. نحن نوفر لك الميزانية، وأنت توفر لنا "التوقيع". أليس هذا هو جوهر الديمقراطية يا صديقي. يخفض رأسه نحو كأسه.
- أنا.. أنا كنت أظن أن تحت القبة مكان للحق.
رجل الأعمال بصوت حاد.
- الحق هو ما يكتبه أصحاب الرؤوس الكبيرة. اشرب نخبنا، فالسياسة هنا لا تلعب بالضمير، بل بالحسابات.

كان يحاول الإمساك بفتات الحقيقة وسط هذا الضجيج، لكن الخمر في دمه كانت تمحو ما تبقى من توازنه. كل نظرة من رجال الأعمال كانت تخترقه كخنجر، وكل لمسة عابرة كانت تذكره بأن ثمن صعوده كان بيع آخر قطعة من حريته. وبينما كان الضوء ينكسر على الكريستال والماس، كانت روحه تنزوي في الظل، تدرك بمرارة أن هذا النعيم ما هو إلا برزخ بين الوجود والعدم، وأنه في هذه الغرفة المترفة، لم يكن سوى طيف يرقص على حافة جحيم لم يدرك بعد أنه هو من أشعل نيرانه.
ما إن تلامس كلمة السيد النائب البغلماني المحترم جدار أذنه، حتى انقبضت أحشاؤه كما لو أن يدا خفية قبضت على أمعائه بقسوة باردة. لم يكن انتفاخا عاديا، بل كان انتفاخا وجوديا، شعور غريب يشبه تجمع غازات المرارة والخذلان تحت ضلوعه، كأن كل وعودهم العالقة في الهواء قد هبطت فجأة لتستقر في جوفه، فتثقله بكتلة من الضجر والاحتجاج الصامت.
كان يشعر بجسده يتمدد ببطء، لا بفعل الطعام، بل بفعل امتلاء أعضائه بمرارة الكلمات التي لا تؤكل. إن لقبه المدوّي "السيد النائب البغلماني" لم يعد مجرد نعت وظيفي، بل صار ريحا خبيثة تتسرب إلى أحشائه، فتجعل بطنه ينتفخ بتلك الغازات التي لا يخرجها الزفير، غازات العجز المكتوم، ونفخة الكبرياء الجريح التي لا تجد طريقا للتحرر. في تلك اللحظة، كان جوفه يغلي بصمت، ليس من الجوع، بل من شبع مر بكل ما يمثله هذا الاسم من تضخم في المعنى وخواء في الحقيقة. كان بطنه يتصلب ويشتد، يضغط على حجابه الحاجز، فيضيق تنفسه، وكأن الجسد يرفض استيعاب هذا "اللقب" الذي يهبط عليه كالصخرة في بئر عميقة. كلما تردد الاسم في المدى، زاد التورم في الداخل، وكأن خلايا جسده تتمرد، وتنتفخ احتجاجا على هذا الامتلاء القسري بالزيف، محولة أمعاءه إلى ساحة معركة بين هواء الكذب المسموم وحقيقة الألم المكتوم. لقد أصبح جسده مرآة لعصره، ينتفخ بما لا يطيق، ويكاد ينفجر من فرط استيعاب ثقل الأسماء التي تعلو على الأفعال.
لم يكن السقوط مدويا كصاعقة، بل جاء كذبول ورقة في خريف لا يرحم. بدأت الخيوط تنسحب من يديه واحدا تلو الآخر، ليس لأن الوقت قد حان، لأن الأسياد قد انتهوا من تنظيف أيديهم بضميره، في ليلة باردة، التقى بهم في المكان المعتاد، حيث تفوح رائحة الصفقات الكبرى تحت غطاء من القهوة المرة. لم يكن الاستقبال هذه المرة بالابتسامات المعهودة، انما ببرود شتاء قارس. نظروا إليه كمن ينظر إلى أداة صدئة لم تعد صالحة للاستعمال. حين حاول الحديث عن الوفاء بالوعود أو حصته من ذلك الغنيم الذي ساهم في شرعنته تحت القبة، قوبل بضحكات مكتومة تشبه فحيح الأفاعي. قال له أحدهم، وهو يمسح نظارته بوقار مصطنع.

-يا صديقي، السياسة ليست للناشئة، والقرارات التي وقعت عليها كانت من أجل الصالح العام، أما نحن، فمجرد عابري سبيل في اقتصاد متقلب.

في تلك اللحظة، اتسعت عيناه، لا دهشة مما سمعه، بل إدراكا لمدى اتساع الفجوة التي حفرها بيديه بينه وبين الناس. فهم وقتئذ أنه لم يكن شريكا، انما الواجهة التي سيوضع فوقها وزر الفساد حين تنكشف الحقائق. لقد باع كرامته في سوق لا يشترى فيها إلا الوهم، ووجد نفسه وحيدا في مواجهة ريح عاتية، بلا غطاء، وبلا سند. ترنح قليلا بعد كأس ثانية.

- أحيانا أشعر أنني غريب هنا. كل هؤلاء يحبون المال، وأنا.. أنا كنت أحب الناس.
المرأة الشابة تتجاهل كلماته وتفحص خاتمها الماسي.
- لا تكن عاطفيا يا عزيزي. انظر إلى البريق في يدك، وانظر إلى موقعك في الصحف. الناس يحبون الناجحين، ولا أحد يهتم كيف نجحت.
يضحك البغلماني ضحكة باهتة.
- الناس! هؤلاء الذين تظنين أنهم يحبونني، سيشربون نخب سقوطي إذا تعثرت.
المرأة الشابة.
- أنت لن تتعثر. طالما هناك خمر ومال، لن تنظر خلفك. الآن، ابتسم، المصورون يلتقطون صورا لنا.

حاول العودة إلى القبة، لكن أبوابها التي كانت مفتوحة له أصبحت موصدة بقوة نفوذهم. حاول الاستنجاد بالرؤساء الذين كانوا يهمسون في أذنه، فوجد أرقام هواتفهم قد صارت أشباحا لا تجيب. استهلكوه حتى آخر قطرة من حبر توقيعه، ثم ألقوا به في قارعة النسيان كأن لم يكن شيئا مذكورا.
وقف أمام المرآة في تلك الليلة، لم ير البغلماني المهيب ببدلته الإيطالية، بل رأى رجلا مسلوب الملامح، غريبا عن نفسه، وعن بيته القديم، وعن أحلام الناس التي طعنها في الظهر. في تلك اللحظة، تساقط القناع. لم تكن الخديعة في أنهم كذبوا عليه، بل في أنه قبل أن يكذب على نفسه، ليصبح مجرد صدى لأصوات لا تملك من الحقيقة شيئا. كان الصدام مع الحقيقة أشد قسوة من الصدام مع الرجال. لقد أدرك أن ثمن الوصول إلى القمة كان أن يفقد روحه في منتصف الطريق.
عاد إلى الحي، لا كمنتصر يوزع الوعود، بل كغريب ضل طريقه إلى بيته القديم. كانت الشوارع التي شهدت صعوده الصاخب، تبدو اليوم أضيق، وأكثر صمتا، وأكثر نفورا. في تلك الأزقة التي رصفت بآمال البسطاء، كان وقع خطواته يتردد كأنين رجلٍ يجر خلفه أثقال ندمٍ لا ينتهي.
لم يكن هناك استقبال بالأحضان ودعوات لشرب الشاي، بل كانت الأعين هي السلاح الذي واجهه. في المقهى الصغير الذي كان يرتاده يوما قبل أن تغويه كراسي السلطة، لمح وجوه الذين خانهم. لم يصرخوا في وجهه، ولم يقذفوه بالحجارة، فعلوا ما هو أشد إيلاما، توقفوا عن الكلام في حضوره، وكأنهم لا يرون في المكان سوى كرسي فارغ. حاول أن يبتسم، لم يجد في وجوههم إلا مرايا تعكس تفاهته، وبقايا إنسان كان يظن أن المال يشتري له كرامة لا تباع.
في لحظة انكسار أخيرة، حاول أن يخطب فيهم، أن يشرح، أن يبرر، أن يلقي بلائمة فشله على الرؤوس الكبيرة التي تلاعبت به وسحبته الى الوحل. لكن صوته الذي كان يصدح في البغلمان بوعود كاذبة، بدا هنا أجوف، مخنوقا، تافها، لا تجيب عليه إلا نظرات الازدراء المكتومة.
حينها فهم أن المسرحية قد انتهت، وأن الستار الذي أسدلته عليه القوة الناخبة لن يرتفع ثانية. لم يعد يملك من سلطة سوى وجعه، ولا من مكان يأوي إليه سوى ضيق نفسه. وبينما كان يهم بالرحيل، مدركا أن المسافة بين طموحه وبين واقع الناس أصبحت هوة سحيقة لا تجسر، اصطدم بجدار الحقيقة الأخير، أنه مات سياسيا وأخلاقيا قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في ذاكرة مدينته.
مشى مبتعدا، يتآكله الخواء، تاركا خلفه حيا لم يعد يذكره، وكرسيا في البرلمان سيجلس عليه غيره، لكنه سيبقى طوال عمره سجينا لقصته التي لم يكتبها التاريخ، بل كتبها الخذلان. انتهت المسيرة بلمحة صمت جنائزي، حيث لا عدالة إلا في النسيان، ولا عقاب إلا أن تعيش محاصرا بصدى صمت الذين خذلتهم.
في تلك الأيام، صار وجوده في الحي مرادفا للعار، بل تحول اسمه في أفواه الناس إلى شتيمة يتبادلونها في الصباح كطعم مر. لم يعد يمر من زقاق إلا وتلاحقه الهمسات، ولا يجلس في مكان إلا وتفرغ الساحات من حوله. صار كائنا معزولا، غريبا في أرض لم تعد تعرفه، ولا هو يعرفها بعد أن مسختها الأطماع.
في لحظة ضعف وانكسار، حاول العودة إلى بيته القديم، طرق باب الزوجة التي قايضها يوما ببريق زائل. وقف هناك، ببدلته التي فقدت لمعتها، يرتجي صوتا أو نظرة أو حتى ردا قاسيا يشعره بأنه ما زال بشرا. لكنها فتحت الباب، نظرت إليه بعينين تشبهان شتاء قديما لا أمل فيه، وأغلقته في وجهه بصمت كان أشد قسوة من كل الصراخ. كان ذلك الصوت، صوت الباب وهو يوصد، آخر جسر ينهار في حياته.
اصبح الرجل منبوذا، لا أحد يجالسه، لا أحد يلقي عليه السلام، ولا أحد يكترث إن كان حيا أو ميتا. كان يمشي بين الناس كشبح يتجول في جنازته الخاصة، يرى الحياة تدب في عروق المدينة بينما قلبه يبرد تدريجيا تحت وطأة العزلة. أدرك أن القوة الناخبة التي انتقمت منه لم تفعل ذلك بالسجن أو القانون، بل بالسلاح الأكثر فتكا، المحو التام من الذاكرة.
في صباح رمادي، حيث يتسرب الضباب فوق ضفاف الوادي القريب، وجدوه. كان معلقا في شجرة عتيقة، تتأرجح قدماه في الفراغ كبندول ساعة توقفت عن رصد الزمن. كانت الشجرة تظلله بظلالها التي تشبه أصابع عتاب، والوادي من تحته يغني ترنيمة لا تنتهي عن غدر البشر وخواء القلوب.
لم يبك عليه أحد، ولم يذرف الحي دمعة واحدة على من كان يوما يمثل صوتهم تحت القبة. بقي معلقا هناك، كأنما هو إعلان أخير عن خيبة رجل باع كل شيء ليشتري وهما، وانتهى به الأمر وحيدا، بلا اسم، وبلا وطن، وبلا حياة، مكتفيا بالتعلق بغصن شجرة، بينما العالم من حوله يواصل دورانه بلا اكتراث، وكأن شيئا لم يكن، وكأن الرجل لم يمر يوما من هنا.
بعد انطفاء تلك الحياة المعلقة على غصن الخيبة، لم يجد الموت للرجل سكينة. فبمجرد أن انحنت قامته الهزيلة تحت ثقل الحبل، انتصب في أفق الحي جحيم من نوع آخر. لم تكن ديونه مجرد أرقام في دفاتر المحاكم، بل كانت مخالب تنهش ما تبقى من سيرة الرجل وستر أهله.
في سماء الحي، بدا الحديث عن شيكات موقعة على بياض، ومقتنيات لم تدفع في اثمانها، بدأت الطيور الجارحة البشرية تحوم، دائنون، مرابون، ووسطاء كانوا يوما يبتسمون له في ردهات البغلمان، عادوا الآن بوجوه كالحة ووثائق قانونية لا ترحم. لم يأتوا لوداع، بل لاستخلاص أثمان الولاءات الزائفة التي تراكمت كأكوام من قذارة فوق ذمته. توالت الأحكام القضائية كصفعات متتالية، تسحب من تحت أرجل أولاده الأرض والستر، وتجرد زوجته الأولى من بقايا كرامة حفظتها بدموعها.
في ظرف وجيز، تحولت الممتلكات التي جمعها من عرق خديعته إلى حطام معروض للبيع. كانت الجرافات والشاحنات تدخل الحي كأنها أسراب من طيور جارحة، تنهب الأثاث، تقلع الأبواب، وتمزق كل أثر يشير إلى أنه كان يوما سيد القوم. وقف السكان وأبناؤه يراقبون هذا المشهد السريالي، طيور كاسرة ببدلات رسمية وأوراق مختومة، تتقاطر على الحي لتقتسم لحم الرجل وهو لا يزال يترنح في ذاكرتهم كجثة معلقة.
لم يكن الحجز على الأموال فحسب، انما الحجز على الذاكرة. رأى الأبناء بيوتهم تنهب، وذكرياتهم تباع في مزادات علنية لا تخجل. كانت الشوارع تضج بضجيج المتاع المحمول، بينما سكان الحي يقفون في الشرفات، يراقبون تلك الغارات القانونية بصمت يمزجه الشماتة والألم.
لقد استوفى الدائنون حقوقهم من دماء عائلته، واستردوا كل درهم أنفق في سهراتهم الصاخبة. وفي وسط هذا الهرج، لم يتبق من الرجل سوى صدى اسمه الذي أصبح مرادفا للفضيحة. غادر الطيور الجارحة الحي محملين بكل شيء، تاركين وراءهم أطلالا باردة، وأبناء يحملون وزر أب لم يورثهم سوى ديون تحرق الروح، وشجرة في الوادي لا تزال تذكر حبل خذلانه الذي لم يقطع حتى بعد أن أكلت الديون كل ما يملك. رحل الغرباء، وعاد الهدوء إلى الحي، لكنه هدوء جنائزي يلف بيتا صار خاليا، وقلوبا تحطمت تحت وطأة ثمنٍ باهظ للزيف.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
- صرخة في وجه المستحيل
- ولائم الموت البارد في الظلام
- بائع الوجبات وانكسار الصمت
- الهارب من المدينة إلى المغارة
- الحاج الخازوق وكبش العيد
- غيبوبة الكلمات والدم
- الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
- رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
- المرتشي والرقم الاخضر
- رواية( زقوم كرة القدم )
- زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
- الحداد والاحمق والصورة
- الفقيه والطاهية والجارة
- ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
- الافعى ذات السبعة رؤوس


المزيد.....




- كواليس لا تقل جمالا عن المشاهد نفسها.. غولدن لاين تستعيد ذكر ...
- السينما العربية تنافس على جوائز مهرجان -المرآة- الدولي في رو ...
- هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الموسيقى؟
- فنانة مصرية: محمد رمضان أحالني لسائقه.. والعوضي وعدني بالعمل ...
- مصر.. القضاء يصدر حكمه على الفنانة جيهان الشماشرجي
- خريطة اللغات في روسيا.. تنوع قومي مذهل وقوانين تحمي حرية الا ...
- ممثل اليونسكو في المنطقة المغاربية: أولوية المنظمة صون الترا ...
- معرض -مريم- للفنان ناصر الباروني.. ليبيا بوجوهها المتعددة في ...
- الموساد يكشف سر -البروفة النهائية- لاقتحام الأرشيف النووي ال ...
- لافروف يستنكر إلغاء العروض الفنية الروسية في إيطاليا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - البغلماني طيف غريب في معبد السلطة