يزن تيسير سعاده
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 08:11
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يبحث الإنسان بطبيعته عن الراحة، لكن الراحة ليست دائماً طريقاً إلى الحقيقة.
فكثيراً ما يفضل الإنسان وهماً جميلاً على حقيقة مؤلمة، لأنه يعتقد أن تأجيل الألم يعني التخلص منه. إلا أن الحياة تعلمنا مراراً أن الحقيقة التي نهرب منها اليوم، تعود غداً بصورة أكثر قسوة.
ومن هنا، يحتل الوضوح مكانة مركزية في مدرسة ميزان القرب.
ففي ميزان القرب، تعد الحقيقة الموجعة أكثر رحمة من الوهم المريح.
ليس لأن الحقيقة لا تؤلم، بل لأنها تمنح الإنسان فرصة للفهم والتصحيح واتخاذ القرار المناسب.
أما الوهم، فإنه يمنح راحة مؤقتة، لكنه يحرم الإنسان من رؤية الواقع كما هو.
في العلاقات الإنسانية مثلاً، قد يختار بعض الناس التمسك بتفسيرات وهمية خوفاً من مواجهة الحقيقة.
فنرى من يقنع نفسه بأن التجاهل ليس تجاهلاً، وأن الغياب ليس غياباً، وأن الفتور ليس فتوراً، فقط لأنه لا يريد مواجهة ما يحدث بالفعل.
لكن العلاقات الصحية لا تبنى على الافتراضات، بل على الوضوح.
فالوضوح لا يقتل الحب، بل يحميه.
كما أن الوضوح مع الذات لا يقل أهمية عن الوضوح مع الآخرين.
فكثير من البشر يعيشون سنوات طويلة وهم يهربون من مواجهة أنفسهم، ومن الاعتراف بأخطائهم أو نقاط ضعفهم أو احتياجاتهم الحقيقية.
إلا أن الإنسان لا يستطيع أن يغير ما يرفض الاعتراف بوجوده.
ولهذا فإن بداية أي تغيير حقيقي تبدأ من الصدق مع الذات.
وترى مدرسة ميزان القرب أن الوضوح لا يعني القسوة.
فليس كل ما نعرفه يجب أن يقال بالطريقة نفسها.
الحقيقة تحتاج إلى حكمة بقدر حاجتها إلى شجاعة.
فالوضوح لا يعني التجريح، كما أن الصراحة لا تعني العنف.
إنه القدرة على قول الحقيقة باحترام، وعلى مواجهة الواقع دون إنكار أو تزييف.
كما تؤمن المدرسة بأن كثيراً من أزمات الإنسان ليست ناتجة عن قسوة الحقيقة، بل عن طول بقائه داخل الوهم.
فالوهم يستهلك الوقت، ويؤجل القرارات، ويجعل الإنسان يعيش في منطقة رمادية لا تسمح له بالتقدم ولا بالتراجع.
وفي النهاية، لا يعد الوضوح الإنسان بحياة خالية من الألم، لكنه يمنحه فرصة لحياة أكثر اتزاناً وصدقاً.
فالإنسان لا ينضج عندما يسمع ما يريد سماعه، بل عندما يمتلك الشجاعة لسماع ما يحتاج إلى سماعه.
وفي ميزان القرب، يبقى الوضوح أحد أهم شروط السلام الداخلي، لأن الإنسان لا يستطيع بناء حياة متزنة فوق أوهام غير مؤكدة.
وفي المقال القادم سنتحدث عن ركن آخر من أركان المدرسة:
الأمان في ميزان القرب: لماذا يحتاج الإنسان إلى الطمأنينة أكثر مما يحتاج إلى الكمال؟
#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟