أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة














المزيد.....

الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 19:47
المحور: الادب والفن
    


عن الرضا .. وعن اليقين الذي يسبق الطريق. هل تأتي الأشياء التي نؤمن بها حقاً، أم أن الطريق إليها هو الذي يغيّرنا؟ أحياناً نحتاج أن نتوقف قليلاً، لا لأن الطريق انتهى، بل لأن الضجيج حولنا أصبح أعلى من صوت أفكارنا. في تلك اللحظة الهادئة يطل سؤال بسيط لكنه عميق: ما معنى الرضا؟
الرضا ليس استسلاماً للحياة، وليس تراجعاً عن الأحلام، وليس إعلاناً بأن ما لدينا يكفينا مهما كان قليلاً. الرضا في جوهره فهمٌ مختلف لطبيعة الطريق نفسه. أن يدرك الإنسان أن ما بين يديه الآن ليس بالضرورة كل ما يمكن أن يكون له، وأن بعض الأشياء لا تأتي حين نطلبها، بل حين تكتمل ظروفها.

قد لا يكون ما بين أيدينا اليوم كل ما تمنيناه، وقد يبدو أحياناً أن بعض الأمور ابتعدت أكثر مما توقعنا. لكن الحياة ليست لحظة واحدة، ولا قراراً واحداً، ولا باباً واحداً يُغلق فتنتهي الحكاية. ما لم يُكتب لنا الآن قد نمتلكه يوماً، لكن في وقتٍ غير الوقت الذي نراه مناسباً. لذلك يبقى للصبر دورٌ خفي في كل ما ننتظره.
الإنسان بطبيعته ينظر كثيراً إلى ما لدى الآخرين، يقارن طريقه بطرقهم، ويظن أحياناً أن الفرص التي ضاعت منه كان يمكن أن تكون له لو تغيّرت بعض الظروف. لكن الحقيقة أبسط وأعمق: لكل إنسان طريقه الخاص، وتوقيته الخاص، وتجارب لا تشبه تجارب غيره.

حين يدرك الإنسان هذه الحقيقة يبدأ بالنظر إلى حياته بطريقة مختلفة. يتوقف عن حساب ما فاته، ويبدأ بتقدير ما بين يديه. لأن الحياة ليست سباقاً بين الناس بقدر ما هي رحلة شخصية لكل إنسان. والرضا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن السعي. بل على العكس، هو أن يسعى بقلب أكثر طمأنينة، مدركاً أن جهده مطلوب، وأن العمل طريق لا بد منه، لكنه في الوقت نفسه يعلم أن النتائج ليست كلها بيده، وأن الطريق أحياناً يأخذ منعطفات لم تكن في الحسبان.
قد يشعر الإنسان بالاستقرار في عمله أو مشروعه، ثم فجأة تحدث تغييرات لم يكن يتوقعها. قد يظن أن الطريق انتهى، لكنه مع مرور الوقت يكتشف أن تلك اللحظة لم تكن نهاية الطريق، بل بداية طريق آخر لم يكن ليتحقق لولا تلك الصدمة الصغيرة. الحياة غالباً لا تغلق الأبواب لتؤذي، بل لتدفع نحو أبواب أخرى لم يكن التفكير في فتحها قائماً. ومن هنا يظهر الفرق بين من يرى الأحداث نهايات، ومن يراها مجرد محطات. الأول يتوقف ويغرق في الإحباط، أما الثاني فيعيد ترتيب أفكاره ثم يواصل السير.

حين يؤمن الإنسان بفكرة ما بعمق، تبدأ قراراته بالتشكل حولها. ما يملأ تفكير الإنسان يتحول تدريجياً إلى سلوك، وما يتحول إلى سلوك يصبح جزءاً من الواقع الذي يعيشه. اليقين يخلق حالة داخلية مختلفة: من يبحث عن الفرص يجدها، ومن يعيش بفكرة الفشل يرى العقبات فقط.

العلاقات الإنسانية، خصوصاً في الحب، كثيراً ما تتجاوز الظروف المادية والإمكانات المتوفرة. هناك من يقبل بالبساطة، ويقدّر الصدق والنية قبل المظاهر، لأن الجوهر في النهاية أهم من الشكل. قد يكون من السهل للإنسان أن يسلك الطريق الأقصر، وأن يبدأ حياة مع أي شريك يوافق على الظروف المحيطة به، لكن في بعض التجارب لا يكون الأمر بهذه البساطة. أحياناً يختار الإنسان شخصاً واحداً فقط، يراه الأقرب إلى روحه، ويتمسك بفكرة الوصول إليه رغم صعوبة الطريق، ليس لأن التعقيدات غير موجودة، بل لأنه يدركها جيداً، ويفهم أن الثقة لا تُبنى بالكلمات فقط، بل بالرحلة المشتركة والصبر المتبادل.
هنا تتجلى قيمة مختلفة عن مجرد الرغبة في علاقة أو الزواج. تظهر قيمة الوفاء للفكرة والإيمان بالشريك الذي اختاره القلب. في زمن أصبحت فيه كثير من العلاقات محكومة بالسرعة والبدائل السهلة، يصبح التمسك بفكرة واحدة نوعاً من الصبر الواعي، لا عناداً فارغاً. بعض العلاقات لا تُقاس بسهولة الطريق إليها، بل بصدق النية في السير فيها. وفي هذه المساحة يظهر ما يمكن تسميته ميزان القرب: ذلك الميزان غير المرئي الذي يقيس المسافة بين القلوب، لا بين الأماكن، ويحدد مدى صدق العلاقة وعمقها، بعيداً عن أي ظرف خارجي أو مكان جغرافي.

ليس كل التريث ضياعاً، وليس كل الصمت ضعفاً. أحياناً يكون الأمر مجرد انتظار للحظة أكثر وضوحاً، ظرف أكثر نضجاً، أو كلمة لم تجد توقيتها الصحيح بعد. في تلك المساحات الهادئة بين القرار والانتظار يعيش الإنسان اختباراً حقيقياً للصبر.
الرضا يصبح حينها أكثر من مجرد فكرة أخلاقية؛ إنه طريقة مختلفة للنظر إلى الطريق نفسه. الإنسان حين يسير بالرضا، ويفكر باليقين، ويترك في قلبه مساحة للأمل ... يصبح الطريق أقل قسوة وأكثر معنى، ويدرك أن بعض الطرق لا تنتهي فجأة، بل تبقى فيها صفحة مفتوحة قليلاً، لأن بين القرب والانتظار دائماً حكاية لم تُكتب نهايتها بعد.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوجه القذر لإسرائيل: الحرية مجرد صورة والاعتداءات الجنسية ا ...
- عرّاب السياسة السعودية: تركي الفيصل يكشف الستار عن الحرب الق ...
- الأردن على حافة الانهيار الاقتصادي: لماذا تحتاج الأسر إلى مب ...
- حين يجتمع الصديق والحبيب في شخص واحد: أجمل أسرار ميزان القرب
- قراءة في ميزان القرب: الحرب خارجنا، فهل نحمي ما بيننا؟
- الحرب حين تقترب من الداخل: ميزان القرب بين اختناق الإمدادات ...
- إيران بعد استهداف القمة: هل بدأ سقوط العقيدة أم إعادة إنتاجه ...
- المرأة وميزان القرب: القوة الصامتة التي تُعيد رسم المجتمع
- الحب والصداقة: ميزان القرب في عمق العلاقات الإنسانية
- ميزان القرب وتحولات الطبقة الوسطى في الأردن: قراءة في اختلال ...
- ميزان القرب كمدرسة فكرية: حين يصبح اختلال العلاقة بين الدولة ...
- الصفحة التي تركناها مفتوحة: الحب والصمود في الأردن
- الخوف من الحرية: لماذا يختار العربي القيد؟
- الجرأة الضائعة: الوطن العربي بين الحب والخوف
- ميزان القرب
- لا ينقص الحب شيء .. إلا الجرأة
- العلاقات السرية في المجتمع الأردني: ازدواجية أخلاقية أم نتيج ...
- أزمة تعريف الرجولة في المجتمع الأردني: قراءة في الخوف من الم ...
- حين تُستورد الكراهية إلى بيوتنا: “الحبة الحمراء” في السياق ا ...
- ما زال بيننا شيء.. لم يُكتب، ولم يُنسَ.


المزيد.....




- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة