أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - الصفحة التي لا تُغلق، وميزان القرب في زمن مضطرب















المزيد.....

الصفحة التي لا تُغلق، وميزان القرب في زمن مضطرب


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 08:53
المحور: الادب والفن
    


في هذه المنطقة من العالم، تعلم الناس مع الزمن أن الحياة لا تسير دائماً كما تُرسم على الورق، وأن الطرق التي نظن أنها انتهت قد تعود لتلتقي بنا في منعطف آخر لم نكن نتوقعه. وربما لهذا السبب أصبح كثيرون يؤمنون بأن بعض العلاقات الإنسانية تشبه المدن القديمة؛ تمرّ بها في البداية كعابر طريق، تظنها محطة من محطات كثيرة، ثم تكتشف بعد وقت أن شيئاً منك بقي هناك، وأنك عدت إليها دون أن تخطط للعودة. فليست كل اللقاءات مجرد صدفة عابرة، وبعض الحكايات تبدأ هادئة جداً، لكنها مع مرور الأيام تكشف أنها لم تكن حدثاً عابراً بقدر ما كانت بداية طريق يتشكل ببطء، مثل مدينة تُبنى حجراً فوق حجر دون أن يلاحظ أحد كيف كبرت.
لقد مرّت منطقتنا خلال السنوات الأخيرة بتحولات عميقة، حتى أصبح الإنسان يشعر أحياناً أن العالم من حوله يتحرك بسرعة تفوق قدرته على الفهم. أخبار تتبدل كل يوم، خرائط تتغير، وأحلام كثيرة تأجلت أو تكسرت تحت ثقل الواقع. وفي خضم هذا كله يبدأ الإنسان بالبحث عن شيء ثابت وسط هذا التغير المستمر؛ ليس بالضرورة فكرة كبيرة أو وعداً صاخباً، بل ربما مجرد حضور هادئ يذكّره بأن الطريق، مهما بدا طويلاً أو معقداً، يمكن أن يصبح أكثر احتمالاً عندما لا يضطر الإنسان أن يمشيه وحده.

ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـميزان القرب؛ ذلك الميزان غير المرئي الذي لا تقيسه المسافات بل تطمئن إليه القلوب. فبعض الناس يمرون قربنا كثيراً لكنهم يبقون بعيدين، بينما يمر آخرون بهدوء، وربما صدفة، ثم يصبح وجودهم جزءاً من توازننا الداخلي. ليس لأنهم حاولوا كثيراً، بل لأن شيئاً ما في طريقة حضورهم ينسجم مع تفاصيلنا الصغيرة؛ مع أفكارنا التي لا نقولها دائماً، ومع تلك اللحظات التي نبحث فيها عن إنسان يفهمنا دون أن نضطر لشرح كل شيء. وأحياناً يكفي أن تحدث لحظة صغيرة وبسيطة لتصبح كل الفوضى حولنا أقل وطأة، دون أن يعرف أي شخص آخر لماذا قلبنا خفّ فجأة، إلا من يعرف معنى هذه اللحظة عن قرب.
ولعل أجمل ما يمكن أن يكتشفه الإنسان مع مرور الوقت هو أن بعض الصفحات في حياته لا تُغلق بسهولة. ليست لأنها ناقصة، ولا لأن الحكاية توقفت فجأة، بل لأنها كُتبت منذ البداية بطريقة مختلفة، وكأنها تُركت مفتوحة عمداً لوقت لاحق. فالحياة، رغم ما يبدو عليها من فوضى، تحمل في داخلها نوعاً خفياً من الترتيب؛ ترتيب يجعل بعض الطرق تتباعد لفترة، ثم تعود لتتقاطع عندما يصبح العبور أكثر نضجاً وهدوءاً.

في الحياة العملية، كثيراً ما يحدث أن يكون الإنسان مرتاحاً في عمله، يذهب كل صباح وهو مطمئن إلى أن الأمور تسير كما ينبغي، ثم فجأة يجد نفسه أمام موقف لم يكن يتوقعه: تبدلت الظروف، تغيّرت الإدارة، أو أصبح بقاؤه في العمل غير ممكن. في تلك اللحظة قد يشعر بأن الدنيا ضده، وأن الحظ تخلى عنه، وأن الحياة أصبحت أكثر قسوة مما ينبغي. لكن الحقيقة أن الحياة ليست خصماً لأحد، وما يحدث غالباً هو مجرد محطة من محطات الطريق. محطة لم تأتِ كما أرادها الإنسان، لكنها لا تعني أن الطريق انتهى. الفرق بين من يرى الحدث نهاية، ومن يراه بداية جديدة يظهر هنا بوضوح؛ الأول يغرق في الإحباط، بينما الثاني يتوقف قليلاً، يعيد ترتيب أفكاره، وينهض من جديد، يبحث عن البدائل، ينظر إلى الخيارات المتاحة أمامه، ويختار أفضلها.
ويُقودنا هذا إلى فكرة أعمق، وهي قانون اليقين في الحياة. الفكرة الأساسية أن الإنسان حين يعيش بفكرة معينة ويؤمن بها بعمق، تبدأ تصرفاته وقراراته بالتشكل حولها. ما يملأ تفكير الإنسان ينعكس غالباً على أفعاله، وما ينعكس على الأفعال يصبح جزءاً من الواقع. ليس المقصود أن الإنسان يستطيع أن يجلب كل شيء بمجرد التفكير فيه، فالحياة أعقد من ذلك بكثير. لكن المقصود أن اليقين يخلق حالة داخلية من التركيز والاتجاه، تجعل الإنسان يتعامل مع الواقع بثقة أكبر وصبر أعمق.

والأمر لا يختلف كثيراً في العلاقات الإنسانية، وخصوصاً في الحب. قد يجد الإنسان أمامه خيارات كثيرة، وقد يستطيع أن يبدأ حياة مع أي شخص يقبل بهذه الفكرة. أحياناً تكون الظروف المالية بسيطة، وأحياناً الإمكانيات محدودة، ومع ذلك يجد البعض قبولاً يتيح استمرار الحياة بشكل طبيعي. لكن في المقابل، قد يرفض نفس الإنسان أن يمضي الطريق مع أي شخص آخر. السبب أنه يحب شخصاً محدداً، ولا يرى سواه، ويؤمن داخلياً بأن هذا الطريق يحتاج لصبر طويل، ربما بسبب تجارب الطرف الآخر السابقة أو خوفه. وهنا تتجلى قيمة مضافة: أن الحب الحقيقي لا يُقاس بالسهولة، بل باليقين والتمسك والصبر.
في تلك اللحظة يبدأ الاختبار الحقيقي للصبر والإيمان بالطريق. الحياة لا تعطي كل شيء فوراً، ولا تحقق كل رغبة في اللحظة التي نطلبها فيها. أحياناً يبدو الطريق وكأنه يتأخر، وكأن الظروف لا تتعاون، وكأن المسافة بين الفكرة وتحقيقها أطول مما كنا نظن. لكن التأجيل لا يعني دائماً الرفض، بل غالباً مجرد ترتيب للظروف، أو حماية لما هو أفضل. الإنسان يرى اللحظة التي يعيشها فقط، بينما الحكمة الإلهية ترى الصورة كاملة. وعليه أن يثق أن ما لم يتمكن من امتلاكه اليوم، قد يمتلكه في وقت آخر، في توقيت أكثر ملاءمة، مع الصبر واليقين.

وهكذا يصبح الرضا حالة جميلة من الطمأنينة. ليس لأنه يلغي الطموح، بل لأنه يوازن بين السعي والسكينة. يسعى الإنسان، يخطط، يعمل، ويحلم، لكنه في الوقت نفسه يعرف أن ما له سيأتيه في الوقت الذي يناسبه. التفاؤل بالحاضر والمستقبل يصبح حينها أكثر عمقاً؛ ليس توقعاً لسهولة الطريق، بل إيماناً بأن كل محطة، مهما كانت صعبة أو غير متوقعة، يمكن أن تحمل فرصة جديدة.
في النهاية، الحياة ليست سلسلة من الأحداث المثالية، بل رحلة مليئة بالمحطات المختلفة. بعض المحطات مريحة، وبعضها صعب، وبعضها يأتي في توقيت غير متوقع. لكن ما يجعل الرحلة أجمل هو الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى هذه المحطات. حين يعيش الإنسان بالرضا، ويفكر باليقين، ويتحرك بالتفاؤل، يصبح الطريق أقل قسوة وأكثر معنى. لأن ما بين اليوم والغد مساحة واسعة للأمل، وأن الأشياء التي كُتبت له ستجده في النهاية، مهما طال الطريق إليها.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترامب، الحروب والعملات الرقمية: شبكة مصالح المال والسياسة
- الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة
- الوجه القذر لإسرائيل: الحرية مجرد صورة والاعتداءات الجنسية ا ...
- عرّاب السياسة السعودية: تركي الفيصل يكشف الستار عن الحرب الق ...
- الأردن على حافة الانهيار الاقتصادي: لماذا تحتاج الأسر إلى مب ...
- حين يجتمع الصديق والحبيب في شخص واحد: أجمل أسرار ميزان القرب
- قراءة في ميزان القرب: الحرب خارجنا، فهل نحمي ما بيننا؟
- الحرب حين تقترب من الداخل: ميزان القرب بين اختناق الإمدادات ...
- إيران بعد استهداف القمة: هل بدأ سقوط العقيدة أم إعادة إنتاجه ...
- المرأة وميزان القرب: القوة الصامتة التي تُعيد رسم المجتمع
- الحب والصداقة: ميزان القرب في عمق العلاقات الإنسانية
- ميزان القرب وتحولات الطبقة الوسطى في الأردن: قراءة في اختلال ...
- ميزان القرب كمدرسة فكرية: حين يصبح اختلال العلاقة بين الدولة ...
- الصفحة التي تركناها مفتوحة: الحب والصمود في الأردن
- الخوف من الحرية: لماذا يختار العربي القيد؟
- الجرأة الضائعة: الوطن العربي بين الحب والخوف
- ميزان القرب
- لا ينقص الحب شيء .. إلا الجرأة
- العلاقات السرية في المجتمع الأردني: ازدواجية أخلاقية أم نتيج ...
- أزمة تعريف الرجولة في المجتمع الأردني: قراءة في الخوف من الم ...


المزيد.....




- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - الصفحة التي لا تُغلق، وميزان القرب في زمن مضطرب