أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - يزن تيسير سعاده - دسّ السم في العسل: حين يختل ميزان القرب وتنهار العلاقات














المزيد.....

دسّ السم في العسل: حين يختل ميزان القرب وتنهار العلاقات


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 14:21
المحور: المجتمع المدني
    


هذه المرة ليست ككل مرة.
ليس لأن الحكايات في المجتمع تغيرت، بل لأننا ربما تأخرنا كثيراً في تسمية الأشياء بأسمائها. ففي حياة الناس قصص كثيرة تبدأ بالنية الصافية وتنتهي بحيرة طويلة، حيث يقدم الإنسان الصدق كما هو، بسيطاً وواضحاً، ثم يكتشف أن الصدق في كثير من الأحيان يقف أعزل، بينما يمشي المكر في الحياة بثقة المنتصر.
المشكلة ليست في وجود الخلاف بين البشر، فهذا جزء طبيعي من الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المكر إلى أداة تخريب للعلاقات والأعمال معاً. فكم من علاقة إنسانية كانت متماسكة، وكم من شراكة أو مشروع كان يسير بثقة، ثم دخلت بين أطرافه روايات مشوشة، أو كلمات مدروسة بعناية لتغيير مسار الثقة وإضعاف الروابط التي كانت أقوى من أي خلاف بسيط.
وهنا يظهر بوضوح اختلال ميزان القرب.
فالعلاقات في أصلها تقوم على ميزان بسيط: ثقة تقابلها ثقة، ووضوح يقابله وضوح، ونوايا صادقة تبني روابط إنسانية متينة. لكن هذا الميزان يضعف عندما يدخل المكر إلى العلاقة، خصوصاً عندما يأتي على هيئة إنسان قريب أو زميل أو صديق، يتحدث بلغة الود، لكنه في الوقت نفسه ينسج روايات أخرى في أماكن مختلفة.

الأخطر من ذلك أن بعض الأشخاص لا يكتفون بالكلمة العابرة، بل يجيدون ما يمكن تسميته بـ دسّ السم في العسل. كلمات تبدو ناصحة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تزرع الشك بين الناس، وتعيد ترتيب الحكايات بطريقة تجعل القصة المشوهة أكثر انتشاراً من الحقيقة نفسها. هناك دائماً من لا يريد أن يرى اثنين متفقين، أو ناجحين في عمل مشترك، أو حتى سعيدين بعلاقة صادقة. لا يريدون أن يروا القرب يتحقق، لأن وجوده يعرّي زيفهم.
ولهذا نجد في المجتمع علاقات كثيرة لم تنتهِ بشكل واضح، لكنها لم تستمر أيضاً. علاقات توقفت في منتصف الطريق، لا بسبب خطأ واضح بين أصحابها، بل لأن السم تسلل إليها من الخارج. فهناك فئة من الناس يمكن وصفها بالمنافقين اجتماعياً؛ يظهرون الود أمام الجميع، ويتقنون صناعة الصورة الجميلة، لكنهم في الخفاء يزرعون الشكوك ويعيدون صياغة الحكايات بما يخدم حضورهم أو مصالحهم.
وجود هذه النماذج هو ما يجعل ميزان القرب عرضة للاهتزاز. لأن العلاقة مهما كانت قوية، تبقى بحاجة إلى وعي من أصحابها أنفسهم. فالسؤال الحقيقي هنا لا يتعلق فقط بالمكر الموجود حول الناس، بل بكيفية التعامل معه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل يستطيع المحب أن يبقى على هذه الحالة من الصفاء إذا استمر الطرف الآخر، أو البيئة المحيطة بهما، في تهميش مشاعره والتقليل من حقه الطبيعي في التعبير عن حبه؟
وهل يمكن لإنسان أن يقبل أن يتحول صمته مع الوقت إلى نوع من البلادة، وكأنه يراقب ما تبقى من عمره دون أن يقول ما في قلبه؟
ثم إن سؤالاً آخر لا يقل أهمية يطرح نفسه:
هل نحن ضامنون أعمارنا حتى نؤجل البوح، ونؤجل الخطط، ونؤجل تلك الهمسات الصغيرة التي تولد في القلب عندما يجد إنسان إنساناً يشبهه؟
ربما لا جواب واضحاً، كما يتوقع كثيرون.

وهنا تحديداً تظهر ورطة إنسانية حقيقية: أن يوجد إعجاب، وتلاطف، وبذور حب، وشعور بالأمان والاحتواء والاحترام، لكن في المقابل يسكن العلاقة خوف صامت. خوف لا يأتي من المستقبل بقدر ما يأتي من تردد الطرفين أنفسهما، أو من ضجيج البيئة التي تحيط بهما.
وفي مثل هذه الحالات لا تكون المشكلة دائماً في المشاعر، بل في المساحة التي تُمنح لها كي تعيش. فحين تضيق هذه المساحة، يتحول أجمل ما في العلاقة إلى عبء نفسي بدلاً من أن يكون طمأنينة.

ومن منظور التجربة الإنسانية، قد يختار بعض الناس في هذه اللحظة خطوة تبدو قاسية، لكنها أحياناً الأكثر اتزاناً: الابتعاد. ليس لأن الحب لم يكن موجوداً، بل لأن قسوته في بيئة لا تسمح له بالنمو قد تتحول مع الوقت إلى شيء آخر. أحياناً يبتعد الإنسان احتراماً لما شعر به، أو حماية لما تبقى منه، حين يدرك أن الضجيج المحيط بالعلاقة أقوى من هدوئها الداخلي.
ومن هنا تظهر حكمة قديمة في العلاقات الإنسانية: ليس كل ما نعيشه يجب أن نضعه في العلن.
فبعض العلاقات تنمو بهدوء عندما تبقى بعيدة عن الضجيج، وبعض المشاريع تنجح لأنها نضجت في الخفاء قبل أن تُعلن. فالإفراط في كشف التفاصيل أمام الآخرين قد يحول العلاقة أو الفكرة إلى ساحة مفتوحة للتأويل والتدخل، خصوصاً في بيئة اجتماعية لا تخلو من الحسد أو المكر.

ولهذا لا يكون الصمت أحياناً ضعفاً، بل نوعاً من الحكمة التي تحمي ما هو في طور التكوّن. فالقرب الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى إعلان أمام الناس، بل يحتاج إلى ثقة متبادلة تحميه من الضجيج الخارجي.
وهنا يأتي الدور الحقيقي لأصحاب العلاقة أنفسهم. فحين يختل الميزان بسبب تدخل الآخرين، يصبح من الضروري إعادة تقريب ميزان القرب من جديد، والعودة إلى الأصل الذي قامت عليه العلاقة: الثقة المباشرة والكلمة الصريحة بين الطرفين، بعيداً عن الروايات التي يصنعها الآخرون.

إن أكبر خطر يهدد العلاقات في المجتمع ليس الخلاف الطبيعي بين الناس، بل وجود أولئك الذين يعيشون على صناعة الخلاف. أولئك الذين يظهرون اللطف المصطنع، بينما يحملون في داخلهم قدراً كبيراً من الغيرة أو المصلحة أو الرغبة في تعطيل ما لا يستطيعون بناؤه.
وعندما ندرك هذه الحقيقة، يصبح ميزان القرب أكثر وضوحاً.
فالقرب الحقيقي لا يقاس بالكلمات التي تُقال أمام الناس، بل بقدرة العلاقة على الصمود بعيداً عن ضجيجهم.

أما من يراهن على المكر، فقد ينجح في إرباك الحكاية لبعض الوقت، لكنه في النهاية لا يملك القدرة على تغيير الحقيقة. لأن العلاقات التي تقوم على الثقة قد تتأخر في استعادة توازنها، لكنها نادراً ما تخطئ طريقها إلى الحقيقة.
وفي النهاية، قد تبقى بعض الصفحات في حياة الناس مفتوحة، لا لأن الحقيقة غابت، بل لأن الزمن لم يقل كلمته الأخيرة بعد.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليس كل عوضٍ بديلًا، أحيانًا يعيد الصبر ما ظنناه انتهى
- الحب والصفحة التي تركناها مفتوحة: دروس الصبر والوفاء
- الحرب على إيران وخرائط الشرق الأوسط الجديدة: الإنسان أولاً
- الصفحة التي لا تُغلق، وميزان القرب في زمن مضطرب
- ترامب، الحروب والعملات الرقمية: شبكة مصالح المال والسياسة
- الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة
- الوجه القذر لإسرائيل: الحرية مجرد صورة والاعتداءات الجنسية ا ...
- عرّاب السياسة السعودية: تركي الفيصل يكشف الستار عن الحرب الق ...
- الأردن على حافة الانهيار الاقتصادي: لماذا تحتاج الأسر إلى مب ...
- حين يجتمع الصديق والحبيب في شخص واحد: أجمل أسرار ميزان القرب
- قراءة في ميزان القرب: الحرب خارجنا، فهل نحمي ما بيننا؟
- الحرب حين تقترب من الداخل: ميزان القرب بين اختناق الإمدادات ...
- إيران بعد استهداف القمة: هل بدأ سقوط العقيدة أم إعادة إنتاجه ...
- المرأة وميزان القرب: القوة الصامتة التي تُعيد رسم المجتمع
- الحب والصداقة: ميزان القرب في عمق العلاقات الإنسانية
- ميزان القرب وتحولات الطبقة الوسطى في الأردن: قراءة في اختلال ...
- ميزان القرب كمدرسة فكرية: حين يصبح اختلال العلاقة بين الدولة ...
- الصفحة التي تركناها مفتوحة: الحب والصمود في الأردن
- الخوف من الحرية: لماذا يختار العربي القيد؟
- الجرأة الضائعة: الوطن العربي بين الحب والخوف


المزيد.....




- مأساة في خانيونس: شهداء بانهيار جدار على خيام النازحين وغزة ...
- تقليص دورات الاندماج .. ألمانيا تعيد صياغة علاقتها بالمهاجري ...
- إيران تعلن اعتقال 500 شخص بتهمة التجسس منذ بدء المواجهة العس ...
- احتجاجات أمام البيت الأبيض تنديداً بمجزرة مدرسة -ميناب- وتوا ...
- اعتقال 500 شخص في إيران بتهمة التجسس
- اليمن يدعو الأمم المتحدة إلى رفع الاستجابة للاحتياجات الإنسا ...
- هدوء حذر في سماء غزة: تراجع أزيز -الزنانات- يمنح النازحين سح ...
- حرب جديدة على الكلام.. عندما يهدد ترمب وإدارته حرية الصحافة ...
- مطالب بالإفراج عن نشطاء -أسطول الصمود- المعتقلين في تونس
- عاصفة رملية في غزة تُدمر مخيمات الفلسطينيين النازحين.. وتحول ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - يزن تيسير سعاده - دسّ السم في العسل: حين يختل ميزان القرب وتنهار العلاقات