أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - في ميزان القرب.. قلوبنا ليست مضيق هرمز














المزيد.....

في ميزان القرب.. قلوبنا ليست مضيق هرمز


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 18:19
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست كل العلاقات تنتهي عندما تخفّ وتيرتها، بعضُها يدخل مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لا يحدث الانفجار، لكن يُحس بثقله في التفاصيل. هناك، حيث لا أحد ينسحب بالكامل، ولا أحد يجرؤ على التقدّم بخطوة حاسمة، تبقى العلاقة مفتوحة، لا لأنها واضحة، بل لأنها مؤجلة. نمنحها أسماء أخف، نخفف حقيقتها، ونقنع أنفسنا أن الوقت كفيل بحل ما نهرب من مواجهته، بينما الحقيقة أن ما لا يُسمّى، لا يختفي، بل يتراكم.
في تلك الصفحة التي تركناها مفتوحة، لم يكن ينقصنا الوقت، بل الشجاعة. كنا نعرف ما بيننا، لكننا اخترنا أن لا نضع له اسماً. تعاملنا مع الوضوح وكأنه عبء، لا كحل، فبقينا في منطقة رمادية، نقترب دون اعتراف، ونبتعد دون قرار، حتى أصبح القرب مربكاً، والبعد ناقصاً، والاستمرار نفسه نوعاً من الاستنزاف الصامت.

وفي هذا العالم، لا تُدار الأمور بهذه الطريقة. في الشرق الأوسط، يكفي أن يُذكر مضيق هرمز حتى تتغيّر الحسابات. هذا الممر الضيق لا يحتاج أن يُغلق فعلياً ليُربك العالم، يكفي أن يقترب من حافة التوتر، أن يُلوّح بإغلاقه، أن تبقى احتمالية الانفجار قائمة، حتى تتبدّل حركة الأسواق وتُعاد قراءة المشهد كله. لأن الخطر الحقيقي ليس في الحدث، بل في بقائه معلقاً دون حسم.
وهنا تتكرر المفارقة داخلنا. في السياسة، يكفي الوضوح ليُحدث أثراً، أما في الحب، فنؤجل الوضوح وكأنه النهاية، مع أنه البداية الوحيدة الممكنة. نعيش داخل تلميحات نفهمها جيداً، لكننا نختار تجاهلها، فنصنع لأنفسنا هدوءاً هشّاً، يشبه تماماً لحظات الترقب التي تسبق أي تصعيد، حيث لا شيء يحدث فعلياً، لكن كل شيء قابل لأن يحدث.

العلاقات، حين تصل إلى مرحلة الثقة، لا يكفي أن تستمر بالشكل ذاته. الثقة ليست راحة فقط، بل مسؤولية، وبداية تحتاج إلى تعريف واتجاه. حين يثق اثنان ببعضهما، فهذا لا يعني أنهما وصلا، بل أنهما أصبحا أمام خيار واضح: إما البناء على هذا الثبات حتى يصل إلى غايته، أو الاعتراف أن ما بينهما لا يحتمل أن يبقى معلقاً أكثر. لأن الثقة، إن لم تُحمَ بالوضوح، تتحول إلى عبء صامت على الطرف الذي يشعر أكثر.
والوضوح هنا ليس مطلباً يُطلب، ولا نقاشاً يُفتح كل مرة، بل قرار يُتخذ. قرار حين يُحسم بصدق، تبدأ الحياة نفسها بترتيب الطريق على مقاسه، وتيسير ما يناسبه دون عناءٍ زائد. أما العلاقات التي تبقى معلّقة أو مقطّعة، فلا تؤجل الحسم فقط، بل تؤجل معها ما كُتب لنا من راحة وفرج، وكأنها تُبقي القلب في مكان لا هو مستقر فيه، ولا هو قادر على المضي قدماً.

وحين تُسمّى العلاقة باسمٍ لا يشبه حقيقتها، يتحول هذا الاختلاف إلى قناع. قناع يبدو هادئاً من الخارج، لكنه يضغط من الداخل. لا يجرح بصوت مرتفع، لكنه يُتعب بصمت، خصوصاً من يحمل شعوراً أعمق. في ميزان القرب، لا عدل في علاقة يُطلب فيها من أحدهم أن يخفف من صدقه ليُناسب اسماً أخف، ولا راحة في استمرار شيء لا يُقال كما هو.
أنا لا أبحث عن مواجهة قاسية، ولا عن قرار يُفرض تحت الضغط، لكنني لا أستطيع أن أكون في علاقة تُشبه مضيق هرمز في لحظة توتر دائم، مفتوحة ظاهرياً، لكنها تحمل في داخلها كل احتمالات الإغلاق. لا أستطيع أن أعيش في صفحة مفتوحة، وأتعامل معها كأنها مكتملة، ولا أن أختصر ما هو واضح في داخلي باسمٍ لا يعبّر عنه فقط لأن التسمية الصادقة تحتاج شجاعة.

لأن ما لا يُحسم، لا يبقى كما هو، بل يتآكل بهدوء. كما أن العالم لا يحتمل بقاء ممراته الحيوية تحت تهديد مستمر، فإن القلب أيضاً لا يحتمل أن يبقى معلقاً بين خيارين. البقاء في المنتصف ليس توازناً، بل تأجيلٌ لما سيأتي، سواء كان وضوحاً أو انتهاءً، لكن في الحالتين .. سيأتي.
وفي النهاية، كما أن ممرًا ضيقًا قادر على تغيير إيقاع العالم كله، فإن لحظة وضوح واحدة قادرة أن تعيد تعريف علاقة كاملة. السؤال لم يعد إن كان بيننا شيء، لأن ذلك أصبح أوضح من أن يُنكر، بل إن كان هذا الشيء سيبقى تحت اسم لا يشبهه، أم سيجد شجاعته ليُسمّى كما هو. لأن بعض الصفحات، إن بقيت مفتوحة أكثر مما يجب، لا تبقى احتمالاً، بل تتحول إلى قصة كان يمكن أن تكون، لكنها لم تُكتب كما يجب.

لأن بعض العلاقات، لا تحتاج أكثر من لحظة صدق… لتعود كما خُلقت، بسيطة، واضحة، ومطمئنة. وربما، كل ما بيننا لم يكن معقّداً كما نظن، بل كان ينتظر فقط أن نمتلك الشجاعة لنكون كما نحن، دون خوف، ودون تأجيل.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نار أشعلتها ثم انسحبت .. وما زال بيننا شيء
- دسّ السم في العسل: حين يختل ميزان القرب وتنهار العلاقات
- ليس كل عوضٍ بديلًا، أحيانًا يعيد الصبر ما ظنناه انتهى
- الحب والصفحة التي تركناها مفتوحة: دروس الصبر والوفاء
- الحرب على إيران وخرائط الشرق الأوسط الجديدة: الإنسان أولاً
- الصفحة التي لا تُغلق، وميزان القرب في زمن مضطرب
- ترامب، الحروب والعملات الرقمية: شبكة مصالح المال والسياسة
- الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة
- الوجه القذر لإسرائيل: الحرية مجرد صورة والاعتداءات الجنسية ا ...
- عرّاب السياسة السعودية: تركي الفيصل يكشف الستار عن الحرب الق ...
- الأردن على حافة الانهيار الاقتصادي: لماذا تحتاج الأسر إلى مب ...
- حين يجتمع الصديق والحبيب في شخص واحد: أجمل أسرار ميزان القرب
- قراءة في ميزان القرب: الحرب خارجنا، فهل نحمي ما بيننا؟
- الحرب حين تقترب من الداخل: ميزان القرب بين اختناق الإمدادات ...
- إيران بعد استهداف القمة: هل بدأ سقوط العقيدة أم إعادة إنتاجه ...
- المرأة وميزان القرب: القوة الصامتة التي تُعيد رسم المجتمع
- الحب والصداقة: ميزان القرب في عمق العلاقات الإنسانية
- ميزان القرب وتحولات الطبقة الوسطى في الأردن: قراءة في اختلال ...
- ميزان القرب كمدرسة فكرية: حين يصبح اختلال العلاقة بين الدولة ...
- الصفحة التي تركناها مفتوحة: الحب والصمود في الأردن


المزيد.....




- أبرز الجُزر الإيرانية على مضيق هرمز وأهميتها الإستراتيجية
- الموت عطشا أو قصفا.. 20 ألف بحار عالقون في مياه الخليج المشت ...
- حلفاء واشنطن يبحثون متطلبات فتح مضيق هرمز
- واشنطن تسمح مؤقتا بتسليم وبيع النفط الإيراني العالق في البحر ...
- السعودية..تدمير عشرات المسيّرات الإيرانية في المنطقة الشرقية ...
- الجيش الإسرائيلي يشنّ غارات على أهداف لحزب الله في بيروت
- إيران فشلت في استهداف قاعدة أميركية بريطانية بصاروخين
- هل تستطيع واشنطن احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟
- بعثة الناتو تغادر العراق جرّاء تدهور الأوضاع الأمنية
- هآرتس: تفاقُم الكارثة التي صنعتها إسرائيل في غزة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - في ميزان القرب.. قلوبنا ليست مضيق هرمز