أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - يزن تيسير سعاده - الأب والمطلقة والطفل.. حين يختل الميزان














المزيد.....

الأب والمطلقة والطفل.. حين يختل الميزان


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 19:45
المحور: حقوق الانسان
    


في مدرسة "ميزان القرب"، لا تُقاس الحوادث بحدّتها فقط، بل بالمسافة التي يقطعها الإنسان بعيداً عن إنسانيته قبل أن يقع الفعل. فالجريمة لا تبدأ من اللحظة الأخيرة، بل من انزياح طويل في الإدراك، حين يتوقف الإنسان عن رؤية الآخر كقيمة، ويبدأ برؤيته كأداة داخل صراع داخلي لا علاقة للآخرين به.
حادثة أطفال الكرك الثلاثة ليست مجرد فعل صادم، بل انهيار كامل في ميزان القرب داخل نفس إنسان كان يُفترض أن يكون مصدر أمان. الأب، في المعنى الطبيعي، هو أعلى نقطة حماية في حياة الطفل. لكنه حين ينقلب هذا الدور، لا نكون أمام "خلاف أسري"، بل أمام اختلال وجودي في معنى الأبوة نفسه.

في هذه اللحظة، لا يعود الفعل مجرد تجاوز، بل يصبح دليلاً على فقدان الفقه الإنساني قبل أي توصيف آخر. لأن الفقه الحقيقي ليس نصوصاً تُتلى فقط، بل قدرة داخلية على ضبط النفس عند حدود الدم، وعلى إدراك أن الأطفال ليسوا طرفاً في أي نزاع، مهما كان حجمه. وعندما يُكسر هذا الحد، يسقط المعنى قبل أن تسقط الحياة.
الطلاق، في أصله، انتقال في شكل العلاقة بين بالغين. لكنه حين يتحول إلى ساحة انتقام، يختل ميزان القرب. النفقة، وهي حق قانوني وإنساني للأطفال، تصبح في عقل مضطرب رمز صراع بين أطراف لا يجب أن يختلطوا أصلاً بمصير الصغار. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: حين تُسحب البراءة إلى ساحة الكبار.
وفي قلب هذا المشهد، تقف المرأة المطلقة، ليست كخصم، بل كإنسان لجأ إلى القانون ليحميه من الفوضى. امرأة اختارت الطريق الشرعي لتأمين حياة أطفالها واستعادة توازنها بعد انفصال، لكنها وجدت نفسها أمام عقل لم يعد يعترف بأي حدود. لا حدود قانون، ولا حدود أخلاق، ولا حتى حدود أبوة.

وهنا تتكشف قسوة الصورة:
القانون وحده لا يكفي عندما يفقد أحد الأطراف اتصاله بالمعنى الإنساني نفسه. لأن المشكلة لم تعد نزاع حقوق، بل انهيار إدراك يجعل الطفل نفسه جزءاً من الرد.
ميزان القرب يشرح هذا الانزلاق بوضوح: كلما ابتعد الإنسان عن رؤية الآخر كـ"قريب إنساني"، اقترب من تبرير ما لا يُبرر. وعندما يصل هذا الانفصال إلى أقصاه، لا يعود الألم نتيجة الفعل فقط، بل نتيجة فقدان القدرة على إدراك أن هناك خطاً أصلاً لا يجب تجاوزه.
هذه ليست لحظة ضعف، بل لحظة انهيار. انهيار في الفقه، في الرحمة، وفي الحد الأدنى من المسؤولية التي تجعل الإنسان صالحاً لحمل صفة الأب.
وفي المحصلة، ما حدث لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو انفعال خرج عن السيطرة. بل هو فعل يفرض أقصى درجات الحزم القانوني، لأن المجتمع لا يستطيع أن يترك مثل هذا الانهيار بلا ردع واضح، وإلا تحول الاستثناء إلى احتمال متكرر.

وفي الوقت نفسه، تفتح هذه الحادثة سؤالاً أوسع من الفرد نفسه:
كيف نحمي الطرف الأضعف عندما يخرج أحد الأطراف من دائرة الإنسانية إلى منطقة لا تعترف بأي ضوابط؟
المرأة المطلقة، في هذا السياق، ليست طرفاً في نزاع، بل نموذج لإنسان يحاول أن يعيش ضمن القانون، لكنه يصطدم أحياناً بمن لا يعترف بالقانون أصلاً في لحظات الغضب. وهنا يصبح دور المجتمع والدولة ليس فقط تنظيم العلاقة، بل وضع حدود صارمة تمنع تحويل الخلافات إلى كوارث.

في ميزان القرب، لا قيمة لمجتمع لا يستطيع حماية أضعف نقاطه. ولا معنى لقانون لا يُفعّل عندما ينهار الإنسان من الداخل. ولا يمكن لأي نظام أن يستمر إذا تُركت المسافات بين الغضب والفعل بلا رادع.
وفي النهاية، هذه ليست قصة عن أب وأطفال فقط، بل عن ميزان كامل اختل:
ميزان حين يسقط، لا يعود الأب أباً، ولا الخلاف خلافاً، ولا الإنسان إنساناً كما يجب أن يكون.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الصفحة التي تركناها مفتوحة: حين يصبح الشوق مشروع مستقبل
- ميزان القرب: مفاوضات إسلام آباد بين إدارة الانفجار لا صناعة ...
- الصفحة التي تركناها مفتوحة: حين لا يكون البعد نهاية بل قرارا ...
- ميزان القرب: السعودية بين تسارع التنمية وهدوء الإنسان
- بين القرار والقلب: كيف يصنع -ميزان القرب- مصير الحب في واقعٍ ...
- في ميزان القرب.. قلوبنا ليست مضيق هرمز
- نار أشعلتها ثم انسحبت .. وما زال بيننا شيء
- دسّ السم في العسل: حين يختل ميزان القرب وتنهار العلاقات
- ليس كل عوضٍ بديلًا، أحيانًا يعيد الصبر ما ظنناه انتهى
- الحب والصفحة التي تركناها مفتوحة: دروس الصبر والوفاء
- الحرب على إيران وخرائط الشرق الأوسط الجديدة: الإنسان أولاً
- الصفحة التي لا تُغلق، وميزان القرب في زمن مضطرب
- ترامب، الحروب والعملات الرقمية: شبكة مصالح المال والسياسة
- الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة
- الوجه القذر لإسرائيل: الحرية مجرد صورة والاعتداءات الجنسية ا ...
- عرّاب السياسة السعودية: تركي الفيصل يكشف الستار عن الحرب الق ...
- الأردن على حافة الانهيار الاقتصادي: لماذا تحتاج الأسر إلى مب ...
- حين يجتمع الصديق والحبيب في شخص واحد: أجمل أسرار ميزان القرب
- قراءة في ميزان القرب: الحرب خارجنا، فهل نحمي ما بيننا؟
- الحرب حين تقترب من الداخل: ميزان القرب بين اختناق الإمدادات ...


المزيد.....




- تقليصات -الأونروا- في الضفة الغربية: أزمة مالية أم تصفية سيا ...
- تفاقم الوضع الإنساني في مخيمات النازحين بالسودان
- بعثة إيران بالأمم المتحدة: أمريكا تتحمل مسؤولية تعطل النقل ا ...
- آخرها التعليم.. لماذا تُقلّص الأونروا خدماتها للاجئين في الض ...
- مخيم مار إلياس.. من مظاهر التضامن في لبنان، لاجئون فلسطينيون ...
- الأمم المتحدة: أطفال دارفور وصلوا لمرحلة حرجة تحت وطأة الجوع ...
- عشرات الاعتقالات في تركيا قبيل احتفالات عيد العمال
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: محكمة الاحتلال تُقرر تمدي ...
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: المحكمة ترفض طلب الإفراج ...
- المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى: الاحتجاز التعسفي للطبيب أ ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - يزن تيسير سعاده - الأب والمطلقة والطفل.. حين يختل الميزان