أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - بين القرار والقلب: كيف يصنع -ميزان القرب- مصير الحب في واقعٍ مضطرب














المزيد.....

بين القرار والقلب: كيف يصنع -ميزان القرب- مصير الحب في واقعٍ مضطرب


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 20:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الحب معادلةً قائمة على الأخذ بقدر ما نعطي، ولا صفقةً مشروطةً بردٍّ مماثل لما نبذله من مشاعر. فالحب، في جوهره، فعلٌ إنسانيٌّ حرّ، يتجاوز فكرة المقابل، ويقترب أكثر من كونه قرارًا وجوديًا يضع الإنسان نفسه فيه على المحك. ومن هنا، لا يكون السؤال: "هل نعطي لنأخذ"” بل: "هل نحن مستعدون لنكون في هذا الطريق بكل ما فيه؟". إذ ليس من الضروري أن يتساوى الطرفان في مقدار الحب، لكن العبرة الحقيقية تكمن في ذلك القدر المشترك من الخوف على بعضهما، وفي تلك المساحة التي يلتقي فيها الاثنان على احتمال الاستمرار، ولو كنسبة صغيرة تحمل في داخلها وعدًا مؤجلًا بأن يصبح هذا اللقاء قدرًا مكتملًا بإذن الله.
في "الصفحة التي تركناها مفتوحة"، لا يُقدَّم الحب بوصفه حكاية فردية بين شاب وفتاة، بل كمرآة لواقع اجتماعيّ واسع، يعيش فيه آلاف الشباب تجارب مشابهة، تتقاطع فيها المشاعر الصادقة مع شروط الحياة القاسية. فالحب هنا لا ينفصل عن الواقع الاقتصادي الذي قد يعيق اكتماله، ولا عن البُنى الاجتماعية التي قد تفرض حدودًا عليه، ولا حتى عن القرارات الفردية التي تُتخذ أحيانًا تحت ضغط العائلة أو المجتمع. وهنا يظهر "ميزان القرب" بوصفه أداةً لفهم هذا التعقيد؛ إذ لا يقيس فقط مقدار الحب، بل يزن القدرة على الاستمرار، وعلى تحويل المشاعر إلى أفعال قابلة للحياة.

إن الخوف من الحب ليس ضعفًا، بل إدراك عميق لثقل هذا القرار. فالحب ليس حالة عابرة، بل التزامٌ طويل، يجرّ خلفه مسؤوليات نفسية وعاطفية قد تكون مرهقة، لكنه في الوقت ذاته يمنح معنىً لا يمكن تعويضه. ومن يختار الحب، إنما يختار أن يعيش بكل ما فيه من قلقٍ وتفكيرٍ زائد، من أملٍ وانكسار، من اقترابٍ وابتعاد. وهنا تتجلى الشجاعة الحقيقية؛ أن تمضي في طريقٍ تعلم مسبقًا أنه ليس سهلًا، لكنه يستحق.
وعندما ننظر إلى القرارات الكبرى في العالم، السياسية منها أو العسكرية، نجد أنها في جوهرها لا تخرج عن كونها قرارات تُتخذ تحت ضغط الواقع، وقد تُراجع أو تُلغى إذا فشلت. لكن المفارقة أن قرارات القلب لا تعمل بالمنطق ذاته؛ فلا وجود لانسحابٍ كامل من تجربة حقيقية عاشت في أعماقنا. قد نبتعد، قد نصمت، قد نؤجل، لكن الأثر يبقى، والصفحة تظل مفتوحة، تنتظر لحظةً أخرى تُستأنف فيها الكتابة. وهذا ما يجعل الحب مختلفًا عن كل أشكال القرار الأخرى؛ فهو لا يُقاس بنتائجه فقط، بل بقدرته على البقاء فينا حتى بعد أن تتغير الظروف.

في هذا السياق، تصبح لحظة التردد أو "أخذ النفس" التي قد يعيشها أحد الطرفين، ليست انسحابًا بقدر ما هي محاولة لإعادة ترتيب الداخل. فحين قالت: "أتمنى أن ينتهي كل ما تفعله لي بزواجنا"، لم تكن تعلن شرطًا بقدر ما كانت تعبّر عن أملٍ مشروع، عن رغبة في تحويل هذا الحب من حالة شعورية إلى واقعٍ مستقر. وحين تراجعت قليلًا، ربما لم يكن ذلك رفضًا، بل محاولة لحماية هذا الأمل من الانكسار تحت ضغط الاندفاع أو تزاحم الأفكار.
وفي امتداد هذا الفهم، لا يمكن للحب أن يستقيم دون شراكة حقيقية في اتخاذ القرارات المصيرية؛ فالعلاقة التي يُترك فيها أحد الطرفين وحيدًا في مواجهة اختياراته الكبرى، هي علاقة يختل فيها ميزان القرب مهما بلغت قوة المشاعر. إن الرجل، في ظل صعوبة الواقع العملي وتشابك ضغوط الحياة، لا يستطيع أن يقف دائمًا بثبات دون سندٍ عاطفي وفكري، دون امرأةٍ يشعر معها بأنها حاضرة في تفاصيله، في سؤاله قبل قراره، في عاطفتها التي تُخفف عنه، وفي مشورتها التي تُضيء له الطريق. وكذلك هي، لا تكتمل طمأنينتها إلا بشريكٍ يُشركها في القرار، لا يُملي عليها، بل يمضي معها.

إن هذا التشارك لا يُعد ترفًا عاطفيًا، بل هو من صميم قوة العلاقة ومتانتها؛ لأنه يحوّل الحب من شعورٍ داخلي إلى بنيةٍ قائمة على التفاهم والاتكاء المتبادل. وهنا، يتجلى المعنى الأعمق لذلك الاتفاق الصامت: ألا ينتهي يومٌ بينهما إلا وهما على صلح، على وئامٍ لا تشوبه قطيعة، وعلى أُلفةٍ لا يستطيع العالم، مهما اشتدت قسوته، أن ينتزعها منهما. فالحب الذي يُصان بالحوار، ويُحمى بالمشاركة، هو وحده القادر على الاستمرار، وهو الأقرب لأن يتحقق واقعًا لا يُغلق صفحته، بل يواصل الكتابة فيها بثبات.
إن الحب، في نهاية المطاف، ليس وهمًا ولا حالةً مثالية، بل مشروع حياة، يتقاطع فيه الشخصي مع الاجتماعي، والعاطفي مع الاقتصادي، والذاتي مع العام. ومن يفهم الحب على هذا النحو، يدرك أن الصفحة التي تُترك مفتوحة ليست علامة نقص، بل دليل حياة؛ لأن ما يُغلق تمامًا، ينتهي، أما ما يبقى مفتوحًا، فيحمل دائمًا احتمال العودة، وإمكانية الاكتمال، حين تتوازن الكفة في "ميزان القرب"، ويصبح القرار، بكل شجاعته، قابلًا لأن يتحقق.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ميزان القرب.. قلوبنا ليست مضيق هرمز
- نار أشعلتها ثم انسحبت .. وما زال بيننا شيء
- دسّ السم في العسل: حين يختل ميزان القرب وتنهار العلاقات
- ليس كل عوضٍ بديلًا، أحيانًا يعيد الصبر ما ظنناه انتهى
- الحب والصفحة التي تركناها مفتوحة: دروس الصبر والوفاء
- الحرب على إيران وخرائط الشرق الأوسط الجديدة: الإنسان أولاً
- الصفحة التي لا تُغلق، وميزان القرب في زمن مضطرب
- ترامب، الحروب والعملات الرقمية: شبكة مصالح المال والسياسة
- الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة
- الوجه القذر لإسرائيل: الحرية مجرد صورة والاعتداءات الجنسية ا ...
- عرّاب السياسة السعودية: تركي الفيصل يكشف الستار عن الحرب الق ...
- الأردن على حافة الانهيار الاقتصادي: لماذا تحتاج الأسر إلى مب ...
- حين يجتمع الصديق والحبيب في شخص واحد: أجمل أسرار ميزان القرب
- قراءة في ميزان القرب: الحرب خارجنا، فهل نحمي ما بيننا؟
- الحرب حين تقترب من الداخل: ميزان القرب بين اختناق الإمدادات ...
- إيران بعد استهداف القمة: هل بدأ سقوط العقيدة أم إعادة إنتاجه ...
- المرأة وميزان القرب: القوة الصامتة التي تُعيد رسم المجتمع
- الحب والصداقة: ميزان القرب في عمق العلاقات الإنسانية
- ميزان القرب وتحولات الطبقة الوسطى في الأردن: قراءة في اختلال ...
- ميزان القرب كمدرسة فكرية: حين يصبح اختلال العلاقة بين الدولة ...


المزيد.....




- ما حكاية -الدقلة السعودية- التي ارتداها كريستيانو رونالدو في ...
- صلاة عيد الفطر في ساحات نيويورك تتحول إلى عرض أزياء مبهر
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: لبنان تحت النار.. توغّل إسرائيلي ول ...
- إيران تُهدد بزرع ألغام في الخليج بحال استهداف جزرها أو سواحل ...
- قانون -SAVE America-: معركة جديدة حول حق التصويت في الولايات ...
- اشتباكات في تيرانا خلال احتجاج للمعارضة
- الوكالة الدولية للطاقة تحذر من أسوأ أزمة منذ عقود وخسارة 11 ...
- فرنسا: وفاة رئيس الحكومة السابق ليونيل جوسبان عن عمر ناهز 88 ...
- فرنسا: وفاة رئيس الوزراء السابق ليونيل جوسبان عن عمر ناهز 88 ...
- إيران تشن هجوما صاروخيا جديدا وواسعا على شمال ووسط إسرائيل


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - بين القرار والقلب: كيف يصنع -ميزان القرب- مصير الحب في واقعٍ مضطرب