أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - سلامه ابو زعيتر - بحر غزة يبتلع أوجاعنا، ويبث أوبئته فيصبح الموت أزرقا...














المزيد.....

بحر غزة يبتلع أوجاعنا، ويبث أوبئته فيصبح الموت أزرقا...


سلامه ابو زعيتر

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 14:02
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


وأنا أسير على شاطئ بحر المنطقة الوسطى في قطاع غزة، استوقفني مشهد يمزج بمرارة بين قسوة الواقع وسريالية البقاء. البحر الذي كان يوماً ملاذنا الأخير، وهويتنا الممتدة، وزرقتنا التي نهرب إليها من ضيق الحرب والدمار، يتبدل وجهه اليوم أمام أعيننا؛ وثمة بقع شاسعة تميل إلى اللون البني الداكن، تتمدد كالحبر الفاسد في جسد المياه الطاهرة. إنها مياه الصرف الصحي غير المعالجة، التي تجد طريقها مجبرة إلى جوف البحر بعد أن دُمّرت البنية التحتية ومحطات المعالجة بالكامل، لتتحول الشواطئ من مرافئ للأمل إلى مصبات للموت الصامت.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً لم تكن في تبدل لون البحر فحسب، بل في تلك الأجساد النحيلة التي تندفع نحوه بشغف مكسور؛ أطفال، ونساء، وشيوخ من ساكني خيام النزوح المكتوية بلهيب الصيف الحارق، يلقون بأنفسهم وسط هذه المياه الملوثة؛ يسبحون، ويغسلون وجوههم، ويلعبون غير آبهين —أو ربما متناسين مجبرين— بحجم التلوث والسموم المحيطة بهم. لقد فروا من جحيم الحرارة القاتلة داخل خيام النايلون والحديد التي تحولت إلى أفران بشرية، فلم يجدوا أمامهم سوى هذا البحر الخادع، حتى وإن كان مزيجاً من الملح والمرض.
إن النظر إلى هذا المشهد بعيون سوسيولوجية يكشف عن شرخ عميق في بنية المجتمع الغزي تحت وطأة النزوح المستمر. ففي علم الاجتماع، يُمثل الشاطئ في غزة "المجال العام المشترك"، وهو المكان الوحيد الذي تذوب فيه الفوارق الطبقية، وتتحلل فيه مؤقتاً صدمات الفقد والنزوح. وعندما يُحرم الغزي من هذا الفضاء البيئي، أو عندما يُجبر على ارتياده ملوثاً، يحدث ما يُعرف بـ "الاغتراب البيئي والنفسي"؛ إذ تفقد العائلات المنفس السلوكي الأخير للتفريغ الانفعالي.
هذا الاضطرار للتعايش مع الملوثات يُرسخ حالة من "التطبيع النفسي مع الخطر" لدى الأطفال، حيث يُعاد تشكيل وعيهم الجمعي لتقبل البيئة الرديئة كخيار وحيد للبقاء؛ ناهيك عن التوترات الاجتماعية الناشئة داخل المخيمات نتيجة غياب الخصوصية والروائح المنبعثة، مما يفرز ضغوطاً نفسية حادة تنعكس سلباً على العلاقات الأسرية اليومية. إننا لا نواجه تلوثاً بيولوجياً فحسب، بل نواجه "تدميراً للمجال الحيوي الإنساني" للنازحين.
وهذا المشهد الصادم هو ما يدفعني اليوم لأرفع صوتي بالتحذير والكتابة؛ إننا لا نتحدث هنا عن مجرد تلوث بيئي عابر أو تشوه بصري للمشهد، بل عن كارثة صحية وشيكة تعيد صياغة مفهوم الفناء. فهؤلاء الأطفال الذين يبحثون عن نسمة هواء باردة تبل صراخهم، يعودون ليلاً إلى خيامهم حاملين على جلودهم الغضة وفي أمعائهم الخاوية طفيليات وأمراضاً فتاكة؛ بدءاً من الالتهابات الجلدية الحادة والتقرحات، مروراً بالنزلات المعوية التسممية، وصولاً إلى الشبح الأكبر: خطر تفشي التهاب الكبد الوبائي (أ) والكوليرا.
وما يجعل هذا الواقع مرعباً حد الفجيعة، هو أن هذا التلوث المتعاظم يحدث في وقت تعاني فيه المنظومة الطبية في قطاع غزة من شلل شبه كامل، وعجز حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. إن المرض الذي كان يمكن علاجه بالأمس بجرعة مضاد حيوي بسيطة أو مرهم جلدي زهيد، قد يتحول اليوم —في ظل غياب الدواء وانعدام البيئة الصحية— إلى وباء مستعصٍ يهدد الحياة ويحصد الأرواح بلا هوادة.
لذا، فإن إلقاء لوم التلوث على اضطرار الناس للسباحة هو تسطيح ساذج للأزمة، وجلد صارخ للضحية؛ فالناس هنا خُيِّروا بين الموت اختناقاً بكتمة الحر أو الموت البطيء بالمرض، فاختاروا ما يبرد أجسادهم مؤقتاً ولو كان ثمنه السموم. والمسؤولية اليوم لا تسقط بالتقادم، بل تقع بالكامل وبشكل فوري على عاتق المنظمات الدولية، والجهات الأممية، ومؤسسات الإغاثة الهندسية والبيئية.
إن المطلوب الآن، وقبل فوات الأوان، هو التخلي عن دور "المتفرج اللائم" والبدء فوراً باجتراح حلول إنقاذية إبداعية وميدانية؛ كإنشاء قنوات ترشيح رملية وحصوية عاجلة، وبناء برك أكسدة طارئة على مسارات تدفق الصرف الصحي قبل وصولها للشاطئ، مع ممارسة أقصى درجات الضغط لإدخال مواد التعقيم الحيوية، والمضخات الأساسية، والوقود.
بحر غزة لم يعد منفسنا الوحيد؛ لقد تحول بفعل الدمار إلى مصيدة للأوبئة وقبر أزرق عريض. وإن لم نتحرك اليوم لحل هذه الأزمة، وتحمّل المسؤوليات الإنسانية والأخلاقية، فإننا سنستيقظ قريباً على كارثة صحية تفوق قدرة العالم بأسره على احتوائها.. ولن يرحم التاريخ من صمت أو تقاعس وهو يرى أطفالنا يسبحون في المرض هرباً من الموت.



#سلامه_ابو_زعيتر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا المرأة العاملة وارتداد الأنماط المهنية في صناعة ا ...
- المرأة العاملة وتحولات الأدوار الاجتماعية: من صراع التوفيق ا ...
- تقدير موقف: واقع وآفاق اقتصاد المنصات الرقمية في فلسطين في ض ...
- المجزرة الوظيفية في غزة وسياسات الفصل الجماعي وأبعادها في ال ...
- متلازمة المسؤول -المهدَّد بالكفاءة- وانفصام الإدارات المغترب ...
- المقاربة السوسيولوجية والقانونية في مكافحة الفساد وتحصين الج ...
- ابتكار الضرورة وسوسيولوجيا البقاء: إعادة صياغة العادات المعي ...
- أبعاد انضمام فلسطين كدولة عضو مراقب في منظمة العمل الدولية و ...
- الرقابة الخوارزمية وأنسنة العمل: نحو حوكمة عادلة لعصر الذكاء ...
- اغتيال الطموح المبكر: كيف تقتل الكلمات الطائشة أحلام الأطفال ...
- عمال غزة في عيد الأضحى بين سراب العمل وتكاليف البقاء..
- الاقتصاد التضامني كرافعة للتعافي الاجتماعي وحماية العمال في ...
- عمال غزة.. كرامةٌ تحت الأنقاض وثورةٌ ضد الصمت!
- عمال غزة في -أول أيار-.. صرخة خلف الخيام وأمام العالم
- الي سارقي الأرغفة ونهّاشي الجراح، كفوا أيديكم عن هذا الوطن
- عمالنا بين مطرقة -السجن المالي- وسندان -الإهانة-: قراءة في س ...
- سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة
- الأمان النفسي والاجتماعي للعمال -الدرع المنسي- وأولوية البقا ...
- السلم الأهلي في قطاع غزة.. ضرورة وجودية ومسؤولية تاريخية
- نحو استراتيجية شاملة لتحصين المجتمع من تداعيات الحرب وفجوات ...


المزيد.....




- لبنان: غارة تودي بحياة -حارسة السلاحف-.. وإسرائيل ترد
- اختتام فعاليات ثقافية روسية في المغرب احتفاء بمرور 10 سنوات ...
- القاهرة تستضيف مباحثات مصرية سعودية تركية أمريكية.. وهذه أبر ...
- مصرع سائحة إيطالية وإجلاء نحو 1700 آخرين إثر حريق ضخم في منت ...
- روسيا.. الدفاع الجوي يعترض 24 مسيرة أوكرانية خلال 6 ساعات
- بيان من مجلس الأمن حول هجمات وشيكة على الأبيض السودانية
- النظام الغذائي للمراهقات.. خيارات تؤثر في صحتهن مدى الحياة
- بعد قرون من العبودية.. أفريقيا تفتح ملف التعويضات وتطالب بعد ...
- بشبهات فساد.. القضاء الإسباني يمنع زوجة رئيس الوزراء من السف ...
- أسطورة -القوى العظمى- تتبخر والدليل جبهات القتال المفتوحة في ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - سلامه ابو زعيتر - بحر غزة يبتلع أوجاعنا، ويبث أوبئته فيصبح الموت أزرقا...