أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - السلم الأهلي في قطاع غزة.. ضرورة وجودية ومسؤولية تاريخية














المزيد.....

السلم الأهلي في قطاع غزة.. ضرورة وجودية ومسؤولية تاريخية


سلامه ابو زعيتر

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 18:20
المحور: المجتمع المدني
    


تمرُّ المجتمعات في أوقات الحروب باختبارات قاسية لا تطال حجرها وشجرها فحسب، بل تضرب في سويداء نسيجها القيمي وسلوكها الجمعي. إنها حربٌ تستهدف الفرد في جوهره البشري، حيث تعرض لضغوط وصدمات فاقت قدرة الجبال الراسيات على الاحتمال، مما انعكس بشكل مباشر على أنماط سلوكه، وعلاقاته، وتفاعلاته الاجتماعية؛ وهو الأمر الذي خلق تحدياً مصيرياً يستوجب تكاتفاً جمعياً لمواجهته، لا سيما مع تنامي ظواهر العنف وتصدع الأركان الاجتماعية.
إن ما يكابده أهلنا في قطاع غزة اليوم من ظروف استثنائية وقاهرة قد تجاوز حدود الطاقة البشرية، وأحدث هزات عنيفة في بنية "الذات الفلسطينية". فالدمار المستشري، والفقدان الفاجع، والنزوح المتكرر، والعيش في مآوٍ تفتقر لأدنى مقومات الخصوصية أو الكرامة الإنسانية، وسط انعدام الأمن الغذائي والصحي؛ كل ذلك لم يكن مجرد معاناة مادية عابرة، بل تحول إلى ضاغط نفسي هائل أدى إلى حالة من القلق المزمن، تسببت بدورها في تآكل آليات "ضبط النفس" واتساع رقعة العنف بمختلف أشكاله، حتى غدا ظاهرة اجتماعية مقلقة تطال الفئات الأكثر هشاشة كالنساء والأطفال، وتنفجر أحياناً بين رفاق اللجوء والنزوح.
ولم يكن التكدس في جغرافيا ضيقة واختفاء الخصوصية في أماكن الإقامة القسرية إلا وقوداً لحالة من "الاحتقان الدائم" الذي ينفجر عند أبسط الاحتكاكات اليومية. وفي خضم هذه الفوضى، تراجعت القواعد الناظمة للعلاقات القائمة على المروءة والقيم الأصيلة، وحلت مكانها ردات فعل انفعالية تعكس حالة من "اللامعيارية" (الأنومي)؛ وهي حالة سوسيولوجية تشير إلى انهيار المنظومة القيمية التي تضبط سلوك الأفراد، مما يقود إلى التيه، والاغتراب، والانحراف نتيجة فقدان الشعور بالأمان والاستقرار.
إن هذا التشخيص الواقعي للحالة الغزاوية لا يترك مجالاً للشك في حتمية التدخل السريع، ويستدعي منا وقفة تمعن مسؤولة لتعزيز السلم الأهلي بمفهومه الشمولي؛ باعتباره الركيزة الأساسية للاستقرار والتعايش السلمي الذي يسوده الأمن، ويُنبذ فيه العنف عبر تغليب لغة الحوار وسلطة العرف والقانون. إن السلم الأهلي اليوم ليس مجرد ترف فكري أو شعار، بل هو "ترياق سلوكي" يحمي المجتمع من التآكل الداخلي والانهيار الأخلاقي، ويمهد الطريق لمرحلة التعافي والبناء.
وانطلاقاً من المسؤولية الوطنية ذات البعد النفسي والاجتماعي، تحركت مؤسسات مهنية كنموذج حي للوفاء الوطني، منها المبادرة المشتركة بين نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين في محافظات غزة، ومفوضية التوجيه المعنوي، بالتنسيق مع اللجان الشعبية، ورجال الإصلاح. حيث انطلقت هذه الجهود من المحافظة الوسطى لتمتد إلى مخيمات النزوح، عبر خطة منهجية تتضمن برامج للتوعية والتثقيف، وتقديم الدعم النفسي، وتفريغ الشحنات الانفعالية للمتضررين، والاستماع لمشاكلهم وعلاجها وفق أصول علمية ومهنية رصينة...
لقد مثلت هذه المبادرة خطوة عملية لإعادة الاعتبار لمنظومة القيم الإيجابية، وترميم ما أفسدته آلة الحرب في النفوس المكلومة، وهو ما يفرض علينا اليوم تبني نهج تصحيحي مستدام لتطوير خارطة طريق وطنية تعزز السلم الأهلي في كافة المحافظات، بسواعد كوادر مهنية متطوعة نذرت نفسها لخدمة المجتمع.
ولتحويل هذه الجهود إلى ثقافة مجتمعية عابرة للخيام والمنازل، نضع بين أيديكم المقترحات التالية:
أولاً: الامتداد الميداني؛ عبر توسيع نطاق حملات التوعية داخل مراكز النزوح لترسيخ قيم التسامح، واستيعاب الآخر، وإعادة إحياء مفاهيم "الجيرة" والتكافل التي كانت دوماً حصننا الحصين.
ثانياً: العدالة الاجتماعية كصمام أمان؛ إذ إن الشعور بالظلم في توزيع الموارد هو الوقود الأول للحقد والعنف. لذا، فإن تكريس مبادئ الشفافية والمساواة في المساعدات الإنسانية هو المدخل الحقيقي للسلم المجتمعي.
ثالثاً: التكامل المؤسساتي؛ فلا يمكن لجهة واحدة أن تحمل هذا العبء الثقيل. نحن بحاجة لتكامل أدوار النقابات، والجمعيات، والأحزاب، ورجال الإصلاح، ليكون الجميع "حراساً للنسيج المجتمعي".
رابعاً: مأسسة الوساطة الميدانية؛ من خلال تفعيل لجان "فض النزاعات السريعة" في التجمعات الكبرى، لحل المعضلات في مهدها قبل أن تتطور إلى صراعات دموية أو عائلية يصعب احتواؤها.
ختاماً: إن معركتنا اليوم لا تقتصر على البقاء الجسدي فحسب، بل هي معركة بقاء قيمي وأخلاقي. إن الحفاظ على السلم الأهلي هو الضمانة الوحيدة لنخرج من هذه المحنة مجتمعاً متماسكاً لا أشلاء متناثرة؛ فالبنيان الذي يُهدم يُبنى بمواد البناء، أما النسيج الاجتماعي إذا تمزق فإنه يحتاج إلى عقود من الصبر والترميم. لذا، فلنتشارك جميعاً لنزرع في خيامنا وبذور صبرنا قيماً تحمي الإنسان وتصون كرامة الوطن.



#سلامه_ابو_زعيتر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو استراتيجية شاملة لتحصين المجتمع من تداعيات الحرب وفجوات ...
- نقد وتحليل العمل الحزبي المعاصر -بين النضال والوظيفة-
- سماسرة -الفكة- في غزة.. خنجرٌ في خاصرة الصمود
- -غزة في مهب العشوائية.. مطلوب خطة وطنية علنية تقوم على تكامل ...
- نقابة الأخصائيين هي المظلة المهنية والشريك الاستراتيجي لتعزي ...
- توحيد القطاع الخاص وشراكة العمال مفتاح لتعافي وإعمار قطاع غز ...
- المساعدات النقدية للعمال ضرورة ملحة لاستدامة سبل العيش في مر ...
- دور النقابات في صياغة سياسات التعافي والحوكمة ما بعد الحرب ع ...
- نقابي يحذر من قرارات الفصل وانهاء الخدمات من قبل بعض البنوك ...
- النزوح رحلة الالم والكرامة المفقودة
- كفى استغلال لجيب المواطن المكلوم في قطاع غزة
- صرخة عمال غزة من جحيم لا ينتهي... كفى صمتًا!
- سوسيولوجيا الفوضى وسرقة ونهب المساعدات
- حان وقتُ لملمةِ الشتات! وحماية الجبهة الداخلية
- غزة مأساة الدمار الاقتصادي ونداء إنساني عاجل
- قراءة في اندفاع الناس على مركز المساعدات في جنوب غزة
- متى يقرر المتضررون مصير إغاثتهم؟!
- تداعيات الحرب في غزة على البنية الاجتماعية
- السباق مع الزمن في غزة لانقاذ ما يمكن انقاذه
- الاخصائي الاجتماعي قلب العمل الانساني


المزيد.....




- قانون إعدام الأسرى وإغلاق الأقصى: تصعيد إسرائيلي يضع الأمة أ ...
- مأسسة القتل: الكنيست يصادق بالقراءة الأولى على قانون إعدام ا ...
- إيران تدعو مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لإدانة الهجم ...
- رويترز عن مصدر: مبعوث للأمم المتحدة يعتزم زيارة إيران في إطا ...
- الأمم المتحدة: دبابة إسرائيلية ومتفجرات تابعة لحزب الله قتلت ...
- تهديد ترامب بـ-تدمير حضارة إيران- يثير قلق الأمم المتحدة.. و ...
- البحرين تحذر في الأمم المتحدة من أن لصبر دول الخليج -حدودا- ...
- هل تقود تهديدات ترمب إلى جرائم حرب؟.. إعلام بريطاني يجيب
- المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة: لم يذكر مشروع القرار المقد ...
- المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة: مشروع القرار البحريني بشأن ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - السلم الأهلي في قطاع غزة.. ضرورة وجودية ومسؤولية تاريخية