أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - متلازمة المسؤول -المهدَّد بالكفاءة- وانفصام الإدارات المغتربة في غزة















المزيد.....

متلازمة المسؤول -المهدَّد بالكفاءة- وانفصام الإدارات المغتربة في غزة


سلامه ابو زعيتر

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 16:28
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


في الوقت الذي يخوض فيه الموظف في قطاع غزة معركة وجودية يومية، يتنقل فيها بين النزوح، والاستهداف، وشح مقومات الحياة ليحافظ على ديمومة العمل الإنساني، والصحي، والإغاثي؛ يجد نفسه في مواجهة جبهة أُخرى غير متوقعة؛ جبهة السلوك الإداري المزاجي والإقصائي الذي يمارسه بعض القائمين على رأس هذه المؤسسات.
تُطل علينا هنا معضلة إدارية ونفسية تُعرف في أدبيات علم التنظيم بـ "عقدة المسؤول المهدَّد"، وتتجلى أبشع صورها عندما تقع الكفاءة المهنية ضحية لـ "عقدة النقص" وغياب الأمان الوظيفي لدى المسؤول.
لقد تواصل معي مؤخراً أخصائي نفسي اجتماعي مشهود له بالبنان في إحدى المؤسسات الصحية؛ شابٌ لم يأتِ للمؤسسة عبر أبواب المحسوبية، بل انتزع فرصة عمله بجدارة واستحقاق بعد أن اجتاز شروطاً مرجعية صارمة، وتفوق في الامتحان التحريري والمقابلة الشفهية. دخل هذا المهني المؤسسة وهو يحمل شغفاً كبيراً، وآمالاً عريضة بأن مقترحاته الإبداعية وتطويره لآليات العمل، وعطاءه ضمن فريق متعاون، ستمنحه المكانة والتقدير من مسؤوليه.
لكن، وبدلاً من أن تُقابل هذه الكفاءة بالاحتضان، جوبهت بقرار إنهاء خدمات تعسفي وصادم، مستغلاً إحدى الثغرات القانونية المقنعة وهي "الفترة التجريبية". ففي علم الإدارة والقانون، وُجدت الفترة التجريبية لتقييم مدى مواءمة الموظف للعمل وتوجيهه مهنياً، لكنها في بعض الممارسات المشوهة تحولت إلى "مقصلة إدارية" مريحة لإقصاء الكفاءات دون الحاجة لتبرير، أو إعطاء الموظف حق الدفاع عن نفسه.
والأخطر من ذلك هو غياب الأمانة المهنية؛ فالجهة الإشرافية التي كان من المفترض أن تكون مؤتمنة على تطويره المهني، تحولت إلى محرض رئيسي ضده. وبدلاً من تقييم أدائه بمعايير موضوعية، بذلت قصارى جهدها لإقصائه، مستعينة بعلاقات فئوية وضدية لشرعنة قراراتها المزاجية. لقد كانت "خطيئة" هذا الشاب الكبرى أنه أظهر تميزاً وقدرات مهنية عالية كشفت – دون قصد منه – عن الهشاشة والفقر المهني اللذين تعاني منهما الإدارة المباشرة.
وهنا تتبدى المأساة الحقيقية في أعمق صورها النفسية والاجتماعية؛ ففي ظل هذا التغول، آثر هذا الشاب المظلوم الصمت وطلب عدم تصعيد الموقف ضد إدارته، مدفوعاً بمرارة التخوف من أن يتم محاربته في لقمة عيشه المستقبلي، أو أن يمتد التحريض عليه ليشوه سمعته في ميدان العمل الضيق أصلاً بفرصه. لقد كان طلبه الحزين والمشبع بالقهر أن يكون خروجه انسحاباً صامتاً أمام عجز الواقع وغياب القانون وسلطة النفاذ، وهي معادلة مؤلمة تختصر حال الكثير من الكفاءات التي تختار التضحية بحقها الآني تحصيناً لغدها من بطش "مراكز القوى" الإدارية.
إن هذا السلوك لا يمكن تصنيفه كإجراء تنظيمي لحماية المؤسسة، بل هو سلوك دفاعي ناتج عن "الخوف من الكفاءة". فالمدير أو المشرف الذي يفتقر للأمان المهني لا يرى في الموظف المتميز رافعة للمؤسسة، بل يراه تهديداً مباشراً لموقعه وامتيازاته. وفي ظل غياب الرقابة، وضعف آليات الرصد، وحالة الطوارئ المستمرة، تحولت بعض هذه المؤسسات إلى ما يشبه "الإقطاعيات الخاصة" يُطرد فيها الموظف بجرّة قلم لإرضاء حسابات ضيقة، وسط طوفان البطالة والمأساة، ودون أي وازع من مسؤولية أخلاقية أو وطنية تجاه قطع الأرزاق في وقت الكارثة.
لا تتوقف التجاوزات الإدارية عند حدود المزاجية الشخصية، بل تمتد لتكشف عن فجوة أخلاقية هائلة، وانفصام حاد بين قيادة المؤسسات وقواعدها العاملة في الميدان؛ وهو ما يمكن التعبير عنه بـ "انفصام الداخل والخارج".
أيعقل، في ميزان العقل والمنطق أو حتى في شرعة الأخلاق الإنسانية، أن يقوم مسؤول تنفيذي يعيش خارج البلاد، في عواصم توفر له ولعائلته كامل مقومات الأمن والأمان والرفاهية، بإصدار قرارات فصل وعقاب تعسفية بحق موظفين في قطاع غزة؟ هؤلاء الموظفون هم الذين يدفعون، كل ثانية، ثمن البقاء والثبات، ويعملون في ظروف ميدانية قاهرة لا ترتقي للحد الأدنى من الآدمية.
إن الإدارة ليست مجرد "توجيهات وأوامر" تُرسل عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات التواصل من وراء البحار، بل هي "معايشة ومشاركة في العبء". وعندما يفقد المسؤول الاتصال المباشر بنبض الواقع، ويصبح عاجزاً عن تخيل حجم المعاناة التي يتكبدها الموظف والمهني—سواء كان أخصائياً، أو طبيباً، أو إغاثياً—للوصول إلى مقر عمله, متخطياً خطر الموت وضغوط النزوح المتكرر، فإنه يفقد بالضرورة الأهلية الأخلاقية للحكم على أداء هؤلاء الموظفين أو تقييم إنتاجيتهم.
وفي غمرة هذه المفارقة، يتقاضى "مدراء الخارج" رواتبهم وامتيازاتهم كاملة، وبدلاً من أن يسخروا نفوذهم وعلاقاتهم لتحصين الموظف الميداني وتوفير شبكة أمان اقتصادي ونفسي له في ظل هذه الكارثة، تجدهم يستسهلون التضحية به من خلف الشاشات المريحة. إن غياب المعايشة يسقط هؤلاء في "فقاعة إدارية" منفصلة تماماً عن الواقع؛ حيث يتحول الموظف لديهم إلى مجرد رقم في جدول النفقات، يُشطب متى ما أرادت إدارة مباشرة إقصاءه، أو رغبة في استبداله بآخر عبر شبكات المحسوبية الفئوية التي تنشط في بيئات الأزمات لحماية مصالحها.
هذا الانفصام يسقط ورقة التوت عن الشعارات البراقة والرسائل الإنسانية للمؤسسات، ويؤكد أن مأساة الموظف الميداني في غزة مركبة: يواجه الظروف القاسية من جهة، ويواجه سياط الإدارات المغتربة التي تجافيه عند أول تقييم أو وشاية من جهة أخرى.
إن الخروج من هذا النفق المظلم وحماية السلم الأهلي والمؤسساتي يتطلب خطوات عملية وفورية لردع هذا التغول الإداري:
• إطلاق "ميثاق الشرف الإداري والأخلاقي": مع ضعف القانون وغياب السلطات التنفيذية والرقابة يجب الضغط لصياغة ميثاق شرف تلتزم به كافة المؤسسات والمنظمات العاملة في قطاع غزة، ينص صراحة على تجميد قرارات الفصل الفردي المزاجي في أوقات الأزمات الكبرى، وتشكيل لجان تحقيق مستقلة.
• سلاح التوثيق والمخاطبة المؤسساتية: تفعيل أدوات الرصد المهني والمؤسساتي، ومخاطبة المكاتب الإقليمية والدولية لهذه المنظمات مباشرة لإطلاعهم على تجاوزات الإدارات التنفيذية والمحسوبيات الفئوية التي تضر بسلامة العمل الإنساني.
• انتفاضة النقابات المهنية: يجب على النقابات العمالية والمهنية، وكافة الأجسام النقابية تشكيل لجان قانونية طارئة لرصد الانتهاكات، وتقديم الاستشارات والدعم القانوني للمتضررين، وتوثيق ملفاتهم لمقاضاة العابثين بالحقوق العمالية فور انتظام عمل الهيئات القضائية.
إن المناصب والكراسي زائلة لا محالة، ولن يبقى في ذاكرة هذا الشعب إلا المواقف؛ فإما أن يكون المسؤول رافعة لأبناء شعبه في محنتهم ويقاسمهم العبء بشرف، أو سياطاً تُسلط على رقابهم، والتاريخ بذاكرته الحية لن يرحم أحداً.
إما أن يكون المسؤول رافعة حقيقية لأبناء شعبه في محنتهم، يقاسمهم العبء والخطر بشرف وأمانة، أو أن يتحول إلى سوط إضافي يُسلط على رقاب المبدعين والمستضعفين؛ والتاريخ بذاكرته الصارمة لن يرحم العابثين بأقوات الناس كرامتهم.



#سلامه_ابو_زعيتر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقاربة السوسيولوجية والقانونية في مكافحة الفساد وتحصين الج ...
- ابتكار الضرورة وسوسيولوجيا البقاء: إعادة صياغة العادات المعي ...
- أبعاد انضمام فلسطين كدولة عضو مراقب في منظمة العمل الدولية و ...
- الرقابة الخوارزمية وأنسنة العمل: نحو حوكمة عادلة لعصر الذكاء ...
- اغتيال الطموح المبكر: كيف تقتل الكلمات الطائشة أحلام الأطفال ...
- عمال غزة في عيد الأضحى بين سراب العمل وتكاليف البقاء..
- الاقتصاد التضامني كرافعة للتعافي الاجتماعي وحماية العمال في ...
- عمال غزة.. كرامةٌ تحت الأنقاض وثورةٌ ضد الصمت!
- عمال غزة في -أول أيار-.. صرخة خلف الخيام وأمام العالم
- الي سارقي الأرغفة ونهّاشي الجراح، كفوا أيديكم عن هذا الوطن
- عمالنا بين مطرقة -السجن المالي- وسندان -الإهانة-: قراءة في س ...
- سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة
- الأمان النفسي والاجتماعي للعمال -الدرع المنسي- وأولوية البقا ...
- السلم الأهلي في قطاع غزة.. ضرورة وجودية ومسؤولية تاريخية
- نحو استراتيجية شاملة لتحصين المجتمع من تداعيات الحرب وفجوات ...
- نقد وتحليل العمل الحزبي المعاصر -بين النضال والوظيفة-
- سماسرة -الفكة- في غزة.. خنجرٌ في خاصرة الصمود
- -غزة في مهب العشوائية.. مطلوب خطة وطنية علنية تقوم على تكامل ...
- نقابة الأخصائيين هي المظلة المهنية والشريك الاستراتيجي لتعزي ...
- توحيد القطاع الخاص وشراكة العمال مفتاح لتعافي وإعمار قطاع غز ...


المزيد.....




- احتجاجات التقشف تهز بوليفيا.. والرئيس يعلن حالة طوارئ
- WFTU solidarity statement with the teachers struggle in Turk ...
- EUROF-WFTU: express their condolences to the British railway ...
- أزمة بين كييف ووارسو.. بودانوف يرفض وساما احتجاجا على تجريد ...
- الأمم المتحدة تحذّر: المعلومات المضللة تهدد العاملين الأمميي ...
- تأسيس المكتب النقابي للإذاعة، بحضور أعضاء المكتب الوطني للنق ...
- جمهورية الكونغو الديمقراطية: كيف يكافح العاملون في مجال الرع ...
- سوريا.. ذوو الأسرى لدى إسرائيل ينظمون وقفة احتجاجية أمام -ال ...
- كيف غيرت الحرب مستقبل العاملين في القطاع الصحي بغزة؟
- المكتب النقابي لموظفي مقاطعة الحي الحسني يحتج على تصريحات اح ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - متلازمة المسؤول -المهدَّد بالكفاءة- وانفصام الإدارات المغتربة في غزة