أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - اغتيال الطموح المبكر: كيف تقتل الكلمات الطائشة أحلام الأطفال؟















المزيد.....

اغتيال الطموح المبكر: كيف تقتل الكلمات الطائشة أحلام الأطفال؟


سلامه ابو زعيتر

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 16:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تخيل لو أن العالم حُرِم من اختراعات إديسون لأن معلماً وصفه يوماً بأنه "غبي"، أو تخيل لو أن منبراً رصيناً خسر صوتاً صادحاً لمجرد أن طفلاً أصابته حشرجة صوت فضحك من حوله! كم من طبيب بارع، وقارئٍ يخشع له القلب، ورياضيٍّ كان يمكن أن يرفع علم بلاده في المحافل، دُفنت مواهبهم في المهد قبل أن تبدأ؟ كم من شغفٍ خُنق في صدور أصحابه لمجرد أن طفلاً تجرأ على المحاولة، فقابله الكبار أو الأقران بالسخرية بدلاً من التوجيه؟
إن التنمر الذي يمارس أحياناً ضد الأطفال ليس مجرد "سلوك عابر" أو "مزاح ثقيل" كما يحلو للبعض أن يسميه، بل هو في الحقيقة "اغتيال مبكر للطموح"، وبناء لسجون نفسية غير مرئية، يعيش فيها الإنسان طوال حياته دون أن يجد مخرجاً، ويتحول معها الخوف من النقد إلى قيدٍ يمنعه من خوض غمار الحياة.
سيكولوجية الهروب: آلية الدفاع بالتجنب
في علم النفس الاجتماعي، هناك ما يسمى بـ "آلية الدفاع بالتجنب" وهي حالة تنشأ عندما يتعرض الطفل لصدمة نفسية أو سخرية حادة نتيجة سلوك أو نشاط قام به، فيقوم عقله الباطن بربط هذا النشاط بالألم النفسي (الشرطي). وعندما يكبر، يجد نفسه يبتعد تلقائياً عن أي مواقف أو أداء قد يضعه في مساحة مشابهة، خوفاً من تكرار صدمة السخرية القديمة؛ فيتحول التجنب من مجرد رد فعل مؤقت إلى "نمط حياة" يمارس فيه الإنسان الهروب من موهبته وتجنب شغفه خشية الألم، والأمثلة والقصص في هذا السياق كثيرة ومؤلمة، وهي ليست مجرد حكايات فردية بل ظاهرة تتكرر بأشكال مختلفة منها:
انطفاء صوت شجي يتحدث أحد الرجال بحسرة عن طفولته، حين كان يتلو القرآن الكريم بالتجويد بحب وشغف، وفي إحدى المرات أصابت صوته "حشرجة" طبيعية نتيجة نمو أحباله الصوتية، فما كان من الشيخ المحفظ وصديقه إلا أن تنمرا عليه قائلين بسخرية: "لقد بلع المسجل الشريط!". ضحكة عابرة وكلمة طائشة كانت كفيلة بأن يقطع هذا الطفل قراءة القرآن بالتجويد نهائياً، ويصبح الابتعاد عن أي مواجهة أو حديث علني ديدنه كلما كبر.
انكسار الشغف الرياضي وفي مشهد آخر، شاب كان يعشق كرة القدم، لكنه وُلد بـ "فَحَجٍ في رجليه" (تباعد الركبتين)، وعندما كان يجري في الملعب أثارت طريقة جريه ضحك وسخرية من حوله، وانهالت عليه التعليقات السامة. النتيجة؟ انسحب الطفل من لعبة كان يستمتع بها ويجد فيها ذاته، وكبر وهو يتجنب ممارسة أي نشاط رياضي جماعي خوفاً من النظرات والأحكام الجائرة.
فوبيا التحدث أمام الجمهور وتكشف قصة ثالثة عن طفلة ذكية طُلب منها إلقاء كلمة في الإذاعة المدرسية، ولشدة ارتباكها تعثرت في نطق كلمة أو سقطت ورقتها، فضجت الساحة بضحك المعلمين والطلاب. تلك الطفلة كبرت لتصبح موظفة عبقرية، لكنها ترفض اليوم أي ترقية تفرض عليها تقديم عرض مرئي أو التحدث في اجتماع، مفضلة البقاء في الظل بسبب "شبح" ضحكات المدرسة القديمة.
وتشير الدراسات النفسية الحديثة في هذا الصدد إلى أن أكثر من 70% من البالغين الذين يعانون من فوبيا الرهاب الاجتماعي والتحدث أمام الجمهور، تعود جذور مخاوفهم إلى مواقف تهكم وسخرية تعرضوا لها في البيئة المدرسية المبكرة.
وأد المبادرة العلمية ولعل أصعب المواقف ما يواجهه طفل شغوف بالعلوم، طرح سؤالاً يراه ذكياً وتبسيطيّاً، فما كان من المعلم إلا أن وبخه قائلًا: "سؤالك غبي ولا ينم عن فهم". انطفأ فضول الطفل تماماً، وتحول إلى طالب "صامت" لا يشارك ولا يسأل، خشية أن يُنعت بالغباء مجدداً، وكبر وهو يرى نفسه أقل ذكاءً من الآخرين.
إن استعراض هذه النماذج يضعنا أمام تساؤل ملح: ما المطلوب لتعزيز تنشئة الطفل وتنمية مهاراته؟ ولماذا يعد التوجيه البديل والوحيد للتنمر؟
إن ما يفرضه علينا الواجب التربوي والإنساني اليوم هو الوقوف بجدية أمام هذه السلوكيات الهدامة. إن التوجيه، والإرشاد، والتعزيز الإيجابي هو الأوكسجين الذي تحتاجه مواهب الأطفال لتنمو وتزهر، بينما التنمر هو السم الذي يقتلها في مهدها. والأزمة الكبرى هنا تكمن في أن الطفل في مراحل تنشئته الأولى لا يمتلك "مصفاة ذهنية" تمكنه من الفصل بين "نقد أدائه" و"نقد ذاته"؛ فإذا سخرت من طريقة قراءته أو تعثره في الجري، فهو لا يرى أنك تعيب القراءة أو الجري، بل يترجمها فوراً داخل أعماقه بأنك تقول له "أنت في كينونتك فاشل، وغير مرغوب بك". ومن هنا يبدأ شرخ الهوية النفسية. ولذلك، يتجلى الفارق بين التربية البنّاءة والهدم في نقاط أساسية يمكن تلخيصها في الآتي:
تفهّم الطبيعة الحيوية للطفل فبدلاً من السخرية من تعثر صوت الطفل أو حركته، يجب تفهّم مرونته الحيوية وجسده الذي يمر بمراحل نمو وتغيّر مستمر (كتغير الأحبال الصوتية عند البلوغ، أو تطور المهارات الحركية والتوافق العضلي العصبي).
تعزيز المحاولة لا قتلها ويجب أن ينصب الثناء على شجاعة الطفل في المحاولة، والإقدام، والجرأة على التجربة، قبل التركيز على النتيجة الإيجابية الكاملة أو الأداء الخالي من العيوب.
الخصوصية الصارمة في التوجيه إذا كان هناك خطأ يحتاج إلى تصويب، فإن مكانه الحتمي هو "النصح الفردي اللطيف"، أما التصويب العلني المصحوب بالتهكم أمام الأقران، فهو ليس تصحيحاً للسلوك، بل هو وصفة طبية مجانية لصناعة عقدة نفسية مزمنة.
ان التدخل يمثل خارطة طريق تضامنية لحماية الأحلام للأطفال ومستقبلهم وهي مسؤولية مشتركة وجماعية لبناء جيل واثق من نفسه، قادر على الإبداع والابتكار والتجديد، وتتوزع هذه المسؤولية اليوم على مستوى ثلاث جبهات أساسية بأدوارها المتكاملة وهي:
المستوى الأول: المؤسسات التعليمية والدينية حيث يجب أن يكون المعلم في مدرسته، أو الشيخ في مسجده، ليس مجرد ناقل جامد للمعلومة أو ملقّن للمتون، بل هو "مهندس" لبناء شخصية الطفل وهويته. والقدوة التربوية تتطلب تأهلاً نفسياً عميقاً يدرك فيه المربي ثقل الكلمة ومدى تأثيرها بعيد المدى، حيث إن "كلمة معلم" قد تحيي أمة أو تميت موهبة.
المستوى الثاني: الأسرة وتخليق "المرونة النفسية" بما أننا لا نعيش في عالم مثالي، ولا يمكننا منع ألسنة الآخرين من السخرية، فإن الواجب الأكبر يقع على عاتق الأسرة في بناء "المرونة النفسية" لدى الطفل. إن الأسرة الدافئة تعمل كـ "مصد صدمات"؛ تتقبل عيوب الطفل، وتدعم عثراته داخل المنزل، حتى إذا واجه تهكماً في الخارج، وجد أرضاً صلبة من الحب غير المشروط يستند عليها فلا ينكسر طموحه.
المستوى الثالث: المجتمع والأقران ودورهم المساعد يتجلى في تعزيز قيم ثقافة "الامتنان للمحاولة" والدعم الجماعي، بالتوازي مع تشريع القوانين واللوائح التربوية الصارمة التي تمنع وتجرم التهكم، والنبذ، والتنمر اللفظي داخل البيئات التعليمية، والرياضية، والترفهية.
أخيراً: إن الكلمة التي ننطق بها في وجه طفل إما أن تكون حجر أساس يبني به مجده ومستقبله، أو حجر عثرة يدفن تحته طموحه وشغفه. الأطفال لا ينسون من سخر من تعثرهم، كما لا ينسون أبداً من أمسك بأيديهم ليقفوا من جديد ويثقوا بجميل صنعهم.. فلنكن اليد التي تبني ويسعد بها الجيل، لا اللسان الذي يهدم ويدمر الطموح



#سلامه_ابو_زعيتر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عمال غزة في عيد الأضحى بين سراب العمل وتكاليف البقاء..
- الاقتصاد التضامني كرافعة للتعافي الاجتماعي وحماية العمال في ...
- عمال غزة.. كرامةٌ تحت الأنقاض وثورةٌ ضد الصمت!
- عمال غزة في -أول أيار-.. صرخة خلف الخيام وأمام العالم
- الي سارقي الأرغفة ونهّاشي الجراح، كفوا أيديكم عن هذا الوطن
- عمالنا بين مطرقة -السجن المالي- وسندان -الإهانة-: قراءة في س ...
- سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة
- الأمان النفسي والاجتماعي للعمال -الدرع المنسي- وأولوية البقا ...
- السلم الأهلي في قطاع غزة.. ضرورة وجودية ومسؤولية تاريخية
- نحو استراتيجية شاملة لتحصين المجتمع من تداعيات الحرب وفجوات ...
- نقد وتحليل العمل الحزبي المعاصر -بين النضال والوظيفة-
- سماسرة -الفكة- في غزة.. خنجرٌ في خاصرة الصمود
- -غزة في مهب العشوائية.. مطلوب خطة وطنية علنية تقوم على تكامل ...
- نقابة الأخصائيين هي المظلة المهنية والشريك الاستراتيجي لتعزي ...
- توحيد القطاع الخاص وشراكة العمال مفتاح لتعافي وإعمار قطاع غز ...
- المساعدات النقدية للعمال ضرورة ملحة لاستدامة سبل العيش في مر ...
- دور النقابات في صياغة سياسات التعافي والحوكمة ما بعد الحرب ع ...
- نقابي يحذر من قرارات الفصل وانهاء الخدمات من قبل بعض البنوك ...
- النزوح رحلة الالم والكرامة المفقودة
- كفى استغلال لجيب المواطن المكلوم في قطاع غزة


المزيد.....




- إيران تؤكد أن لا -اتفاق نهائيا- بعد مع ترامب إثر إعلانه عن ق ...
- اتهامات لقوات الدعم السريع بقتل 31 مدنيا جنوبي السودان
- برنامج -فولت لاينز- للجزيرة الإنجليزية يُتوج بـ3 جوائز -إيمي ...
- الترسانة الرقمية.. عندما تتحول هواتفنا وأجهزتنا إلى قنابل مو ...
- أزمة دواء تهدد حياة المرضى في السودان
- استمرار الهجمات الدامية في السودان رغم الجهود الرامية لوقف ا ...
- رئيس في مهب المعارك.. كيف يقيم اليمنيون عقدًا من حكم هادي؟
- محللون: السودانيون أصبحوا هدفا رئيسيا في حرب لن يكسبها أحد
- صور فضائية: الصين تبني دفاعات قرب صوامع صواريخها النووية
- ترامب: سأجتمع في غرفة العمليات لاتخاذ قرار نهائي بشأن إيران ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - اغتيال الطموح المبكر: كيف تقتل الكلمات الطائشة أحلام الأطفال؟