أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة















المزيد.....

سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة


سلامه ابو زعيتر

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 18:18
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تُعرّف السوسيولوجيا التقليدية العمل بأنه وسيلة لتحقيق الدخل أو حيازة المكانة والمركز الاجتماعي للإنسان؛ أما في سياق الحالة الفلسطينية، وتحديداً في "سوسيولوجيا العمل تحت الحصار"، فيتحول العمل إلى فعل سياسي واجتماعي بامتياز؛ إذ يصبح أداة لتعزيز الصمود والثبات على الأرض، ورافعة للاقتصاد المقاوم والبديل في مواجهة سياسات العقاب الجماعي.
إن العمال هم الفئة الأكثر دفعاً لضريبة هذا الحصار؛ عبر حرمانهم من حق الوصول إلى أماكن عملهم، وإغلاق المعابر، وانتشار الحواجز، وهو ما يفرض عليهم تحدي "التعطل القسري". ومع ذلك، يبرز إصرار العامل الفلسطيني على الاستمرار رغم تدمير المنشآت والمزارع والمصانع؛ ليمثل هذا الإصرار شكلاً من أشكال رفض "التغييب القسري" للهوية الإنسانية، وحمايةً للكرامة من الانهيار الذي قد ينتج عن الفقر المدقع، مما يجعل العمل الضامن الأساسي لتماسك النسيج المجتمعي.
ومن رحم هذه المعاناة، أفرزت تحديات سوق العمل تحولات بنيوية خلقت ما يمكن تسميته بـ "إبداع الضرورة"، وهو مفتاح لفهم العبقرية الكامنة في قدرة الإنسان على "تطويع العدم". وفي سياق سوق العمل الفلسطيني، وتحديداً في غزة، لم تكن هذه التحولات خياراً تطويرياً، بل كانت استجابة بنيوية قسرية لانسداد الأفق الرسمي. ويمكننا حصر وتحليل أبرز هذه التحولات والظواهر السوسيولوجية التي أفرزها هذا الواقع فيما يلي:
أولاً: التحول من "الإنتاج النمطي" إلى "اقتصاد التدوير والبدائل" وهذا التحول هو جوهر "إبداع الضرورة"؛ حيث فرض غياب المواد الخام على العامل الفلسطيني أن يتحول من مستهلك للمادة إلى "مستخلص" لها.
ثانياً: سوسيولوجيا الركام حيث جرى تحويل مخلفات الحروب والمنشآت المدمرة إلى مواد بناء أو قطع غيار. وهنا، لم يعد الركام رمزاً للهزيمة، بل أصبح "مورداً اقتصادياً" أفرز طبقة جديدة من العمال المهرة في استرجاع الموارد وابتكار بدائل للمواد الخام الممنوعة، مما خلق "سوقاً موازياً" يعتمد على الذكاء المحلي، فيما يعرف بـ "سوسيولوجيا الأنقاض".
ثالثاً: توطين التكنولوجيا البديلة وتمثل ذلك في ابتكار حلول للطاقة (كصهر البلاستيك لإنتاج الوقود أو الاعتماد الكلي على الطاقة الشمسية)، مما خلق مهناً تقنية لم تكن موجودة في التصنيف المهني التقليدي.
رابعاً: انتشار "الاقتصاد المنزلي الرقمي" (كاسر الحدود) فبسبب الحصار الجغرافي، حدث تحول بنيوي نحو "العمل اللامكاني" مثل اقتصاد المنصات؛ حيث توجه آلاف الشباب والخريجين نحو العمل الحر (Freelancing)، والبرمجة، والتعلم عن بُعد، وهو ما ساهم في كسر العزلة الدولية؛ فأصبح العامل في غزة جزءاً من سلاسل القيمة العالمية رغم إغلاق المعابر، مما خلق "استقلالاً اقتصادياً" عن الهياكل المحلية المترهلة.
خامساً: السيولة الطبقية وظهور "العمالة الأكاديمية" أدى الحصار إلى زلزال في البنية الطبقية التقليدية، حيث تلاشت الحدود بين الياقات البيضاء والزرقاء؛ فقد اضطر المهنيون -كالمهندسين والأكاديميين والأطباء-للعمل في مهن يدوية أو حرفية لإعالة أسرهم. هذه الظاهرة أعادت تعريف "البرستيج الاجتماعي"؛ حيث أصبحت "القدرة على التدبر" هي المعيار الجديد للمكانة بدلاً من الشهادة الجامعية، بيد أن هذا التحول يحمل في طياته خطراً استراتيجياً يتمثل في "الاستنزاف المعرفي"؛ فانخراط النخب في أعمال بسيطة لسنوات طويلة يؤدي إلى تآكل مهاراتهم التخصصية، مما سيخلق "فجوة خبراتية" هائلة في مرحلة إعادة الإعمار.
سادساً: "الاقتصاد المشاعي" والتعاونيات العفوية حيث نشأت أنماط عمل تعتمد على المشاركة بدلاً من الملكية الفردية، مثل "التكافل الإنتاجي" عبر اشتراك عدة عمال في وسيلة إنتاج واحدة وتقاسم العوائد. هذه الظاهرة ساهمت في عودة روح "العونة" كآلية دفاعية، مما يضعف النزعة الرأسمالية الفردية لصالح "اقتصاد الصمود الجماعي".
سابعاً: اقتصاد "المهن الطارئة" (المهن الهامشية النشطة) لقد نشأ سوق كامل حول احتياجات الحرب، مثل إصلاح القداحات والاحذية وصيانة الهواتف في مراكز النزوح، وصيانة اصلاح بوابير الكاز، ونقل المياه بالطرق البدائية.... الخ، هذا التحول نقل سوق العمل من "الاستدامة" إلى "الآنية"، وهو ما يسمى سوسيولوجياً بـ "اقتصاد البقاء اليومي".
ثامناً: جندرة الصمود ويتمثل في دور المرأة الفلسطينية التي انتقلت من الأدوار الرعائية التقليدية إلى قلب "اقتصاد الضرورة"؛ حيث قادت مبادرات التصنيع الغذائي، وإدارة المشاريع متناهية الصغر، وإدارة الحياة في مراكز الإيواء، مما أعاد تعريف دورها كقوة إنتاجية فاعلة تحت النار.
تاسعاً: سوسيولوجيا الأخلاق في الأزمات من باب التوضيح فإن اقتصاد الضرورة لا يخلو من صراع قيمي حاد؛ فبينما يمثل "عمال الصمود" نموذجاً للتفاني، تبرز على الهامش ظاهرة "تجار الحروب" الذين يستثمرون في الندرة، وهذه الثنائية خلقت شرخاً في النسيج المجتمعي، حيث يتحول العمل لدى البعض من فعل تضامني إلى وسيلة استغلالية، مما أضعف رأس المال الاجتماعي.
عاشراً: من "سوسيولوجيا الاتكال" إلى "تمكين الفاعلية" يواجه "إبداع الضرورة" تحدياً يتمثل في طبيعة التدخلات الدولية المحكومة بفلسفة "الإغاثة السكونية" التي تكرس "اقتصاد الانتظار"، ومن منظور سوسيولوجي، فإن تحويل العامل من "منتج مبدع" إلى "متلقٍ سلبي" يسلب فاعليته الاجتماعية؛ لذا يجب تحويل بوصلة الدعم من "الطرود الإغاثية" إلى دعم "بيئات الإنتاج الصامدة".
تأسيساً على ما سبق، لقد أحدثت هذه المتغيرات تحولاً عميقاً في بنية الطبقة العاملة يمكن رصده عبر محورين هما: تآكل الطبقة الوسطى وانزلاقها نحو "البروليتاريا الفكرية"، وتحويل البطالة إلى أداة سياسية لتفكيك النسيج الاجتماعي.
إن العمل تحت الحصار هو "عملية تكيّف عبقرية مع واقع مستحيل"، وهو ما يتطلب منا الغوص في سيكولوجية العامل وربطها بمأسسة حقوقه كجزء أصيل من المشروع الوطني؛ فالعامل وسط الركام لا يبحث عن رزقه فحسب، بل يثبت حقه في الوجود، ومن هذا المنطلق، يجب بلورة رؤية مستقبلية للعمال في مراحل التعافي تقوم على الاستراتيجيات التالية:
- تطوير برامج التشغيل المؤقت وربطها بقطاعات الخدمات الحيوية والنازحين.
- التأهيل المهني المرتبط بالواقع وتشجيع المهن التكنولوجية و"اقتصاد المنصات" العابر للحدود.
- دعم الاقتصاد التكافلي من خلال المشاريع ريادية والتعاونيات الإنتاجية التي تعزز رأس المال الاجتماعي.
- الرعاية النفسية والمهنية لترميم الروح المعنوية للعمال كجزء من بيئة العمل.
أخيرا: إن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأمثل، وتضافر جهود القطاع الخاص والنقابات والمؤسسات الأهلية لتبني فكر داعم للعمال ليس مجرد واجب أخلاقي، بل ضرورة استراتيجية لبناء مستقبل غزة؛ فبالعمل يحضر الإنسان، وبحضور الإنسان يكتمل النصر والبناء.



#سلامه_ابو_زعيتر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمان النفسي والاجتماعي للعمال -الدرع المنسي- وأولوية البقا ...
- السلم الأهلي في قطاع غزة.. ضرورة وجودية ومسؤولية تاريخية
- نحو استراتيجية شاملة لتحصين المجتمع من تداعيات الحرب وفجوات ...
- نقد وتحليل العمل الحزبي المعاصر -بين النضال والوظيفة-
- سماسرة -الفكة- في غزة.. خنجرٌ في خاصرة الصمود
- -غزة في مهب العشوائية.. مطلوب خطة وطنية علنية تقوم على تكامل ...
- نقابة الأخصائيين هي المظلة المهنية والشريك الاستراتيجي لتعزي ...
- توحيد القطاع الخاص وشراكة العمال مفتاح لتعافي وإعمار قطاع غز ...
- المساعدات النقدية للعمال ضرورة ملحة لاستدامة سبل العيش في مر ...
- دور النقابات في صياغة سياسات التعافي والحوكمة ما بعد الحرب ع ...
- نقابي يحذر من قرارات الفصل وانهاء الخدمات من قبل بعض البنوك ...
- النزوح رحلة الالم والكرامة المفقودة
- كفى استغلال لجيب المواطن المكلوم في قطاع غزة
- صرخة عمال غزة من جحيم لا ينتهي... كفى صمتًا!
- سوسيولوجيا الفوضى وسرقة ونهب المساعدات
- حان وقتُ لملمةِ الشتات! وحماية الجبهة الداخلية
- غزة مأساة الدمار الاقتصادي ونداء إنساني عاجل
- قراءة في اندفاع الناس على مركز المساعدات في جنوب غزة
- متى يقرر المتضررون مصير إغاثتهم؟!
- تداعيات الحرب في غزة على البنية الاجتماعية


المزيد.....




- فانس عن -الحصار البحري- لإيران: يمكن لطرفين أن يلعبا اللعبة ...
- تحت العقوبات الأمريكية.. عبور سفينة صينية مضيق هرمز
- تعزيز الحصار البحري على إيران.. وواشنطن تستضيف محادثات بين ب ...
- عريضة شعبية أوروبية تتجاوز مليون توقيع لتعليق اتفاق الشراكة ...
- إسبانيا: توجيه اتهامات بالفساد لزوجة رئيس الوزراء الإسباني ب ...
- لبنان وإسرائيل يعقدان مباحثات في واشنطن لأول مرة منذ عقود وس ...
- مؤرخ بريطاني: هناك رابح واحد من حرب ترمب
- استقالات وتهديد بالطرد لنواب أمريكيين بسبب فضائح أخلاقية وته ...
- إسرائيل تمحو الجغرافيا في الجنوب اللبناني لتغيير الديمغرافيا ...
- هل تتعاون شركة أبل مع إسرائيل ضد لبنان وتحذف قرى من خرائطها؟ ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا العمل تحت الحصار، فلسفة الصمود وإبداع الضرورة