أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جوتيار تمر - المهندس المستبد: سيكولوجية الحاكم في معادلة الحجر المغترب والبشر الضائع














المزيد.....

المهندس المستبد: سيكولوجية الحاكم في معادلة الحجر المغترب والبشر الضائع


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 16:15
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


اقليم كوردستان العراق
14-6-2026
تكتمل الدائرة النقدية لتشخيص أزمات المجتمعات النامية التي تعيش شتاتا في الهوية وقلقا وجوديا تجاه قضاياها المصيرية، بالانتقال من نقد المنتج الكونكريتي ومظاهر العمران إلى تشريح عقلية الصانع؛ ذلك الحاكم الذي يتخذ من هندسة الشوارع والقرى السياحية ذات المسميات الغربية قناعا لفرض سلطوية أحادية تحكم بالخوف، وتقتات على تعميق الانقسام الداخلي؛ إن الحاكم الذي ينفرد بالقرار ويمسك بزمام الأمور بقبضة من حديد، يخضع لنمط سيكولوجي وسياسي يمكن تفكيكه بربط أبعاده المختلفة.
في غياب الإجماع السياسي الحقيقي، وفشل السلطة في تقديم حلول بنيوية للقضية القومية أو تحقيق اتحاد مجتمعي، وحل للمشاكل الاقتصادية، يلجأ الحاكم إلى ما يمكن تسميته بشرعية الإنجاز البصري، حيث يحول الجغرافيا إلى واجهة عرض مخصصة للاستهلاك الخارجي ولإبهار الداخل المأزوم؛ العمران هنا ليس حركة تنموية لخدمة الإنسان، بل استراتيجية حجب، فالطرق الدولية والشقق الفاخرة تشيد لتغطية التآكل الداخلي والضياع النفسي والاجتماعي للمواطن؛ والمفارقة الصارخة تكمن في إطلاق أسماء عالمية على المجمعات والقرى السياحية، وهي محاولة واعية لتعويض النقص السياسي عبر استيراد هوية لغوية هجينة تزيد منسوب الاغتراب لدى إنسان يعاني أصلا من ضياع هويته الذاتية والقومية.
وتظهر شخصية الحاكم المعاند هنا كشخصية ترفض تقديم التنازلات أو التسهيلات لحل الأزمات الداخلية، وهذا العناد ليس مجرد سمة شخصية أو انفعالية، بل خيار استراتيجي مدروس، فالإبقاء على شرائح المجتمع في حالة تفرقة وتشتت يضمن غياب الكتلة الحرجة القادرة على المطالبة بالمحاسبة أو الشراكة السياسية، ومن خلال زرع الخوف الذي يصل إلى أقرب المقربين، يصنع الحاكم فضاء من الرعب الصامت يمنع تشكل أي وعي جمعي متماسك، فبقاؤه مرهون بتفكيك روابط الاتحاد المجتمعي وتحويل نفسه إلى المرجعية الوحيدة والمخلص الأوحد في وعي المجتمع.
ولا يقتصر هذا النمط من الحكم على احتكار القرار السياسي فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أولويات المجتمع نفسه، فحين تقدم مشاريع الواجهات العمرانية بوصفها الإنجاز الأهم، تتراجع في الوعي العام الأسئلة المتعلقة بجودة التعليم، وحرية التعبير، وعدالة توزيع الثروة، وفاعلية المؤسسات، وغياب القانون، وشرعنة اللامعقول، وهكذا يتحول النقاش من مساءلة السلطة عن مستقبل الإنسان إلى الانشغال بإحصاء الأبراج والجسور والواجهات الحديثة، وكأن قيمة الأوطان تقاس بما يرتفع فوق الأرض لا بما يرتقي داخل الإنسان.
ينتج عن هذا النمط من الحكم توليد حالة من العجز المكتسب لدى الأفراد والمثقفين على حد سواء، فعندما يرى الإنسان أن كل تفاصيل حياته وقضيته تدار بعقلية الشخص الواحد، ينكفئ داخليا ويعيش ضياعا ثلاثي الأبعاد يبدأ من الضياع الذاتي والنفسي لشعوره بانعدام الفاعلية والقدرة على التأثير، ويمر بالضياع الاجتماعي بسبب سياسة التفرقة الممنهجة وغياب الثقة البينية بين المكونات، وصولا إلى الضياع القومي لأن القضية تتحول من حلم جماعي تشاركي إلى مجرد أداة تكتيكية في يد الحاكم المستبد؛ وبذلك يصبح الإنسان مجرد عابر غريب في شوارع فخمة لا تشبه روحه، ومستهلكا رغما عنه في مجمعات سياحية تدار بعائدات تحرم منها البنية التحتية الأساسية كالتعليم والصحة والحرية الفكرية، وحتى رواتب الموظفين.
إن التاريخ السياسي يؤكد أن الأنظمة التي تراهن على تحديث الحجر على حساب تنمية البشر، وتبني مجدها الفردي بالخوف والتفرقة، إنما تبني قلاعا من رمل فوق أرض تضطرب بالاحتقان، فالأبنية الشاهقة والأسماء العالمية البراقة لا تمنح الشرعية لحاكم، ولا تحمي كيانا إذا كان الإنسان الساكن فيها يعيش فراغا وجوديا وضياعا للهوية.
إن ترميم هذا الضياع يتطلب أولا فك الارتباط الذهني بين مفهوم التطور العمراني ومفهوم التحرر الإنساني، فالعمران الذي لا يحرر الإنسان قد يتحول إلى أداة للتدجين، أما الحرية والكرامة والقدرة على المشاركة فهي الأساس الذي تبنى عليه الأوطان والقضايا العادلة؛ فالأمم لا تنهض بما تشيده من حجر، بل بما تصنعه من إنسان.



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضعف الجبهة الكوردية في الوقت الحاضر: بين الانقسام الحزبي وتح ...
- مقاربة تاريخية–فقهية لمفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القب ...
- الهوية أسبق من التسميات: قراءة تاريخية في استمرارية كوردستان ...
- الفن حين يتجلى في بهائه
- العراق بين انسداد -النخبة- وتآكل -الدولة-: قراءة في مشهد ما ...
- سيكولوجية الانكسار: لماذا يصب العقل السني غضبه على كوردستان؟
- المنطقوية في المجتمع الكوردي: جذور تاريخية وتحديات راهنة (قر ...
- الصراع السني-السني في الحاضر: من تعدد المدارس إلى تنازع الشر ...
- الكورد في الوجدان الشيعي: بين متاريس الرواية وفضاءات الفتوى
- الشرق الأوسط لا يحارب من أجل الحدود، بل من أجل قواعد اللعبة ...
- كركوك (العراق واقليم كوردستان): من فقدان الهيبة الى ازمة اله ...
- الانتصار بوصفه بناءً خطابيا: قراءة في تحول الهزيمة الى نصر ف ...
- جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية -جسر ...
- كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب
- الظلام ليس صدفة: كوردستان في لحظة الاختبار
- أخوة الغنيمة: حين يصبح الجسد ساحة للحرب
- حين يعبد القاتل سيفه : من طقوس القبيلة إلى شعائر الدين العنف ...
- بين خطاب الخارج وصراخ الداخل؛ كوردستان والضياع السياسي.
- العنف باسم المقدس: استمرارية الارهاب الديني من الحروب الصليب ...
- لماذا كل هذا الحقد والإرهاب ضد الكورد؟


المزيد.....




- -300 مليار دولار-.. كيف تحولتُ لمشكلة أمام ترامب في الاتفاق ...
- -البحث عن مخرج-.. كيف تغلبت إدارة ترامب على شكوك إيران للتوص ...
- غوتيريس يطلب الصفح من ضحايا العصابات في هايتي ويأسف لعجزه عن ...
- مجلس الشيوخ يحبط المحاولة التاسعة لكبح صلاحيات ترمب الحربية ...
- فانس في كتابه الجديد: الفجوة بين أوكرانيا وروسيا في القدرات ...
- رشوان: الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين أسس لموقف عربي وإقليم ...
- موظف مسلح يطلق النار داخل مستشفى أمريكي ويصيب شخصين
- مكوّنة من 14 نقطة.. وكالة -بلومبيرغ- تنشر مسودة مذكرة التفاه ...
- صحيفة -يونغه فيلت-: المشاركون في قمة مجموعة السبع مستعدون لت ...
- ترامب يكشف ملامح اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي و ...


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جوتيار تمر - المهندس المستبد: سيكولوجية الحاكم في معادلة الحجر المغترب والبشر الضائع