أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة الواقع؟.















المزيد.....



اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة الواقع؟.


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 23:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين كتب ماركس أن البرجوازية تنتج حفّاري قبورها، كان ينظر إلى عالم يتشكل داخل المصانع الكبرى، حيث يتجاور العمال في المكان نفسه، ويختبرون الشروط نفسها، ويكتشفون تدريجيا أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم. أما اليوم، فإن الرأسمالية لم تعد تكتفي بتنظيم الإنتاج، بل أصبحت تنظّم الإدراك ذاته، وتعيد تشكيل الرغبات والعلاقات واللغة والصور والأحلام.
لقد انتصرت الرأسمالية المعاصرة في معركة لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في القرنين التاسع عشر والعشرين: معركة احتلال المخيلة.
يقول الفيلسوف الكوري الجنوبي بيونغ تشول هان: «السلطة الأكثر فاعلية هي تلك التي تجعل الإنسان يستغل نفسه بنفسه». وفي هذه العبارة تكمن إحدى أهم سمات العصر. فالعامل لم يعد يشعر دائماً أنه خاضع لسلطة خارجية واضحة، بل أصبح يعتقد في كثير من الأحيان أنه مشروع فردي مستقل، وأن إخفاقاته الشخصية ليست نتيجة بنية اقتصادية واجتماعية ظالمة، بل نتيجة قصور ذاتي أو ضعف في المنافسة.
إن الرأسمالية الرقمية لم تكتف بتحويل العمل إلى سلعة، بل حولت الانتباه نفسه إلى سلعة. وأصبحت المنصات الكبرى تتاجر بالوقت البشري والبيانات والعلاقات الاجتماعية كما كانت المصانع القديمة تتاجر بالحديد والفحم والنسيج.
وقد تنبهت الباحثة شوشانا زوبوف إلى هذه الظاهرة حين تحدثت عن «رأسمالية المراقبة»، حيث لا تكتفي الشركات بجمع المعلومات عن الأفراد، بل تعمل على التنبؤ بسلوكهم وتوجيهه وتحويله إلى مصدر للربح. وهكذا يصبح الإنسان في الوقت نفسه عاملا ومستهلكا ومادة خاما.
في المقابل، ما تزال قطاعات واسعة من اليسار العالمي أسيرة خرائط اجتماعية لم تعد قائمة بالشكل الذي عرفته الأجيال السابقة. فالعالم الذي أنتج الأحزاب الجماهيرية والنقابات العملاقة والحركات العمالية الكلاسيكية قد تغير بصورة جذرية.
لم يعد المصنع هو المركز الوحيد لإنتاج القيمة. ولم تعد الأحياء العمالية المغلقة هي الحاضنة الطبيعية للوعي الجماعي. لقد انتقل جزء كبير من العمل إلى الفضاء الرقمي، وإلى سلاسل إنتاج موزعة عبر القارات، وإلى أشكال هشة من التشغيل المؤقت والعمل الجزئي والعمل عبر التطبيقات.
إن سائق التوصيل الذي يعمل عبر منصة رقمية، والمصمم الحر الذي يبيع خدماته عن بعد، والباحث الأكاديمي الذي يعيش تحت ضغط العقود المؤقتة، والعامل في مركز الاتصالات، والموظف الذي يخضع لخوارزميات تقييم الأداء؛ جميعهم ينتمون إلى عالم العمل المأجور، لكنهم لا يرون أنفسهم بالضرورة جزءا من طبقة واحدة أو مصير واحد.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى: الاستغلال يتوسع، لكن الوعي بوحدة المستغلين يتراجع.
وقد أشار عالم الاجتماع زيغمونت باومان إلى هذا التحول عندما وصف الحداثة السائلة بأنها عصر تتفكك فيه الروابط الجماعية وتذوب الهويات المستقرة، فيصبح الفرد وحيدا أمام قوى اقتصادية عابرة للحدود لا يملك تجاهها سوى قدر محدود من المقاومة.
غير أن الأزمة ليست اجتماعية فقط، بل نظرية أيضا.
فكثير من الحركات اليسارية تتعامل مع التراث الماركسي باعتباره مجموعة أجوبة جاهزة، بينما كان ماركس نفسه يعتبر أن كل نظرية تفقد قيمتها إذا تحولت إلى عقيدة مغلقة. لقد كان المنهج المادي التاريخي في جوهره أداة لفهم الواقع المتغير، لا وصفة أبدية صالحة لكل الأزمنة.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة إنتاج المعرفة النقدية انطلاقا من الأسئلة الجديدة التي يطرحها العصر: ما معنى الملكية في زمن البيانات؟ كيف يُنتج فائض القيمة داخل الاقتصاد الرقمي؟ ما طبيعة السيطرة التي تمارسها الخوارزميات؟ كيف تتشكل الطبقات الاجتماعية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟ وما مصير العمل البشري في ظل الأتمتة المتسارعة؟
هذه الأسئلة لا تجد أجوبتها في النقل الحرفي للنصوص، بل في استكمال المشروع النقدي الذي بدأه ماركس نفسه.
لقد كتب أنطونيو نيغري ومايكل هاردت أن السلطة المعاصرة أصبحت منتشرة داخل الشبكات والمؤسسات والثقافات بقدر انتشارها داخل الدولة. وهذا يعني أن المقاومة أيضا لا يمكن أن تبقى محصورة في الأشكال التنظيمية التي عرفها القرن الماضي.
إن العالم يشهد اليوم موجات متتالية من الاحتجاجات الاجتماعية، من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا. لكن أغلب هذه الانفجارات تنتهي دون أن تتحول إلى مشروع تاريخي طويل النفس. فالغضب موجود، أما الأداة السياسية القادرة على تنظيمه وإعطائه أفقا استراتيجيا فما تزال غائبة أو ضعيفة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
فالمسألة ليست أن الرأسمالية أصبحت بلا تناقضات، بل على العكس، ربما لم تعرف البشرية نظاما يولّد هذا الكم من الأزمات المتزامنة: أزمة المناخ، أزمة الغذاء، أزمة السكن، أزمة الحروب، أزمة الديون، وأزمة المعنى نفسها.
لكن التاريخ لا يتحرك بقوة التناقضات وحدها.
فالهوة بين الأزمة والبديل لا تردمها القوانين الاقتصادية تلقائيا، بل تردمها السياسة والتنظيم والثقافة والمعرفة. لذلك فإن مستقبل المشروع الاشتراكي لن يتحدد بمدى عمق أزمات الرأسمالية فقط، بل بقدرة القوى الثورية على فهم العالم الذي نشأ أمامها لا العالم الذي اختفى خلفها.
قال غرامشي ذات مرة: «الأزمة تتمثل في أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد». وربما تختصر هذه العبارة وضع البشرية الراهن بأسره.
فالقديم يشيخ أمام أعيننا، لكن الجديد ما يزال يبحث عن لغته وأدواته وقاعدته الاجتماعية وأشكال تنظيمه. وبين الاحتضار والميلاد تدور المعركة الفكرية والسياسية الكبرى في القرن الحادي والعشرين.
غير أن أحد أكثر الأوهام رسوخا داخل أجزاء واسعة من الفكر الثوري يتمثل في الاعتقاد بأن التدهور المعيشي وحده كاف لإنتاج النزعة الراديكالية. لقد أثبت التاريخ مرارا أن الفقر لا يولد بالضرورة وعيا ثوريا، كما أن البؤس لا يقود آليا إلى التمرد. فالإنسان حين يُدفع إلى الهامش قد يثور، لكنه قد ينكفئ أيضا، وقد يبحث عن الخلاص في الدين أو القومية أو العائلة أو الفردانية أو حتى في أحضان القوى التي تساهم في إنتاج مأساته.
لقد نبّه الفيلسوف المجري جورج لوكاش مبكرا إلى أن الموقع الطبقي لا ينتج الوعي الطبقي بصورة تلقائية. فالطبقات قد توجد موضوعيا دون أن تدرك ذاتها بوصفها فاعلا تاريخيا. وبين الوجود الاجتماعي والإدراك السياسي مسافة شاسعة تملؤها الثقافة والتنظيم والتجربة الجماعية.
ولعل هذا ما يفسر مفارقة لافتة في عالمنا المعاصر. ففي الوقت الذي تتراكم فيه الثروات بأيدي أقلية ضئيلة على نحو غير مسبوق، تشهد قطاعات واسعة من المجتمعات انجذابا متزايدا نحو الشعبويات اليمينية والحركات المحافظة والقومية المتطرفة.
لقد نجحت هذه التيارات في التقاط مشاعر الخوف والقلق والغضب التي تنتجها التحولات الاقتصادية العميقة، لكنها أعادت توجيهها نحو أهداف أخرى. فبدلا من مساءلة بنية النظام الاقتصادي، جرى تحميل المهاجرين أو الأقليات أو الثقافات المختلفة مسؤولية الاختلالات القائمة.
ويشير عالم الاجتماع الألماني فولفغانغ شتريك إلى أن الرأسمالية المتأخرة تعيش حالة تناقض دائم بين متطلبات الربح ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي. غير أن نتائج هذا التناقض لا تتجه دائما نحو اليسار، بل قد تفتح المجال أمام أشكال متنوعة من الردود المحافظة أو السلطوية.
ومن هنا تبدو المعركة على الوعي أكثر تعقيدا مما تفترضه بعض القراءات الاقتصادية الاختزالية.
فالناس لا يعيشون داخل علاقات الإنتاج فقط، بل يعيشون داخل منظومات رمزية أيضا. إنهم يتحركون بواسطة الذكريات والأساطير والانتماءات واللغة والعواطف والخوف والأمل. ولذلك فإن أي مشروع تحرري يتعامل مع الإنسان باعتباره كائنا اقتصاديا فحسب محكوم عليه بأن يفشل في فهم جزء أساسي من الواقع.
لقد أدرك إرنستو لاكلو وشانتال موف هذه المسألة عندما أكدا أن السياسة ليست مجرد انعكاس مباشر للبنية الاقتصادية، بل هي أيضا صراع على المعاني والرموز والتمثلات الجماعية. فالمجتمع لا يتشكل فقط من المصالح، بل من السرديات التي تمنح تلك المصالح معناها.
وهذا يقود إلى سؤال بالغ الأهمية: هل ما تزال اللغة السياسية التقليدية قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة؟
فالكثير من المفاهيم التي لعبت دورا تعبئويا هائلا خلال القرن الماضي لم تعد تمتلك القوة التعبيرية نفسها اليوم. ليس لأنها فقدت مضمونها بالضرورة، بل لأن العالم الذي كانت تشير إليه قد تبدل بصورة عميقة.
إن جيلا نشأ داخل فضاءات رقمية عابرة للحدود، ويتلقى معارفه عبر تدفقات هائلة من الصور والمقاطع والرسائل المختصرة، لا يمكن مخاطبته بالأدوات ذاتها التي صيغت في زمن المنشورات الورقية والاجتماعات المغلقة والخطب الطويلة.
وهنا يظهر تحدّ آخر لا يقل أهمية عن التحديات الاقتصادية والتنظيمية: تحدي اللغة.
فاللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار، بل هي جزء من إنتاجها. وحين تعجز الحركات السياسية عن تجديد لغتها، فإنها تعجز تدريجيا عن رؤية التحولات التي تجري أمامها. الكلمات التي لا تتجدد تتحول إلى طقوس، والطقوس تتحول مع الزمن إلى جدران تفصل التنظيمات عن المجتمع الذي تدّعي تمثيله.
وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن هذه الإشكالية حين قال إن الفكر الذي يرفض مراجعة أدواته يتحول إلى سجين لليقينيات التي صنعها بنفسه.
إن القرن الحادي والعشرين لا يطرح فقط أسئلة جديدة حول الاقتصاد والعمل والتكنولوجيا، بل يطرح أيضا أسئلة حول معنى الفعل السياسي نفسه. ففي عالم تتسارع فيه الأحداث بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد التنظيمات العقائدية الصلبة قادرة دائما على مواكبة التحولات، كما أن الحركات الشبكية المرنة كثيرا ما تعجز عن بناء استمرارية تاريخية وتنظيمية.
وهكذا تجد القوى التغييرية نفسها بين مأزقين متقابلين: الجمود الذي يخنق الحركة، والسيولة التي تمنعها من الترسخ.
وربما يكون التحدي الأكبر أمام أي مشروع تحرري معاصر هو القدرة على الجمع بين الذاكرة والتجديد؛ بين الاستفادة من الخبرات التاريخية المتراكمة والانفتاح على الأشكال الجديدة للمعرفة والتنظيم والمقاومة.
فالثورات لا تهزم فقط عندما تُقمع، بل تُهزم أيضا عندما تتوقف عن طرح الأسئلة.
و ثمة مسألة أخرى كثيرا ما تُهمَل عند تحليل مأزق القوى التغييرية المعاصرة، وهي التحول العميق الذي أصاب مفهوم الزمن نفسه داخل المجتمعات الحديثة.
لقد نشأت أغلب الحركات الثورية الكبرى في أزمنة كانت فيها الشعوب تفكر ضمن أفق تاريخي طويل. كان الناس قادرين على التضحية لسنوات وربما لعقود من أجل مشروع يتجاوز حياتهم الفردية. أما اليوم، فقد أعادت الرأسمالية تشكيل علاقة الإنسان بالوقت على نحو غير مسبوق.
فالاقتصاد المعاصر لا يبيع السلع فقط، بل يستهلك المستقبل أيضا. كل شيء أصبح محكوما بمنطق السرعة: الأخبار، العلاقات، المعرفة، الاستهلاك، وحتى الأحلام. يعيش الفرد داخل تدفق متواصل من الوقائع المتغيرة بحيث يغدو من الصعب عليه بناء تصور متماسك للمستقبل أو الانخراط في مشروع يحتاج إلى الصبر والتراكم.
وقد لاحظ عالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا أن التسارع لم يعد مجرد ظاهرة تقنية، بل أصبح بنية شاملة تحكم الحياة الحديثة. إن الإنسان المعاصر يركض باستمرار كي يحافظ على موقعه، لا كي يتقدم. ولذلك يتولد شعور دائم بأن الزمن ينفلت من القبضة.
وفي مثل هذا السياق، تواجه المشاريع الثورية معضلة خاصة. فهي بطبيعتها مشاريع تراكمية تحتاج إلى النفس الطويل، بينما يُدفَع الأفراد يوميا إلى التفكير بمنطق اللحظة والنتيجة الفورية والإشباع السريع.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة لافتة في العديد من الحركات الاحتجاجية الحديثة. فغالبا ما تمتلك قدرة هائلة على الانفجار، لكنها تجد صعوبة في التحول إلى قوة تاريخية مستقرة. إنها تتقن لحظة الاعتراض أكثر مما تتقن بناء البديل.
ولعل أحد أسباب ذلك أن الثقافة السائدة لم تعد تنتج مواطنين بقدر ما تنتج مستهلكين.
فالمستهلك لا يُطلب منه أن يفهم العالم، بل أن يختار بين خيارات جاهزة. ولا يُطلب منه أن يشارك في صنع القرار، بل أن يتفاعل مع ما يُعرض عليه. وهكذا تنتقل هذه الآلية تدريجيا إلى المجال السياسي، حيث تتحول السياسة نفسها إلى سوق ضخمة للصور والشعارات والانطباعات السريعة.
وقد تنبه المفكر الأمريكي نيل بوستمان إلى هذا التحول عندما حذر من مجتمع يتحول فيه النقاش العام إلى شكل من أشكال الترفيه. فحين تصبح السياسة فرعا من صناعة الفرجة، يتراجع التفكير النقدي لصالح التأثير العاطفي المباشر.
إن هذا الواقع يضع الحركات التقدمية أمام تحد بالغ الصعوبة: كيف يمكن بناء وعي نقدي داخل بيئة مصممة أساسا لمنع التمهل والتفكير العميق؟
السؤال هنا لا يتعلق بالأفكار وحدها، بل بالبنية الثقافية التي تُنتج طريقة تلقي تلك الأفكار. فالرسالة الأكثر دقة قد تفقد أثرها إذا كانت أدوات استقبالها قد تغيرت جذريا.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن الرأسمالية المعاصرة نجحت في تحويل جزء كبير من التمرد نفسه إلى سلعة قابلة للتسويق.
لقد أصبحت صور الاحتجاج، ورموز العصيان، وخطابات الاختلاف، بل وحتى بعض أشكال النقد الجذري، قابلة للاستهلاك داخل السوق الثقافية. وهنا تظهر مفارقة شديدة القسوة: النظام لا يكتفي أحيانا باحتواء خصومه، بل يحول بعض عناصر خطابهم إلى منتجات جديدة تدر الربح.
وقد تناول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك هذه الظاهرة حين أشار إلى أن النظام المعاصر يستطيع في كثير من الأحيان استيعاب النقد الموجه إليه وإعادة تدويره ضمن آلياته الخاصة، بحيث يتحول الاعتراض ذاته إلى جزء من دورة الاستهلاك.
غير أن أخطر ما في هذا المسار ليس امتصاص الاحتجاج، بل إنتاج شعور واسع بالعجز التاريخي.
ففي مراحل سابقة كانت الجماهير تنظر إلى التاريخ باعتباره مجالا مفتوحا للتغيير. أما اليوم، فإن قطاعات واسعة من البشر تنظر إلى الأزمات العالمية بوصفها وقائع ضخمة تتجاوز قدرتها على التأثير. الحروب، المناخ، الأسواق المالية، الذكاء الاصطناعي، الشركات العملاقة؛ كلها تبدو كقوى هائلة تتحرك فوق إرادة الأفراد والمجتمعات.
ويترتب على ذلك ما يمكن تسميته بـ"خصخصة الأمل". فبدلا من البحث عن حلول جماعية، يتجه الكثيرون إلى البحث عن مخارج فردية: نجاح شخصي، هجرة، استثمار، أو انعزال داخل دوائر خاصة ضيقة.
وهنا تواجه الفكرة التحررية أحد أكبر امتحاناتها المعاصرة: كيف تعيد للناس الثقة بأن التاريخ ما يزال قابلا للتشكيل؟
فالمسألة ليست مجرد الدفاع عن العدالة أو المساواة أو الحقوق الاجتماعية، بل إعادة بناء الإيمان بالفعل الجماعي نفسه. ذلك أن المجتمعات لا تتحرك فقط حين تعاني، بل حين تقتنع بأن معاناتها ليست قدرا أبديا.
قال الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ إن الأمل ليس انتظارا ساذجا للمستقبل، بل قدرة على رؤية الإمكان الكامن داخل الواقع. وربما تكمن المهمة الفكرية الكبرى لأي مشروع تغييري معاصر في استعادة هذا البعد تحديدا: اكتشاف الممكن المختبئ داخل ما يبدو مستحيلا.
فكل نظام يبدو أبديا إلى أن يدخل التاريخ.
وإذا كان القرن العشرون قد انشغل بسؤال الثورة، فإن القرن الحادي والعشرين يجد نفسه أمام سؤال لا يقل تعقيدا: من يملك القدرة على إنتاج المعنى؟
لقد أدركت السلطات السياسية عبر التاريخ أن السيطرة على الأرض والثروة والسلاح ليست كافية لضمان الاستقرار الدائم، لكن ما تكشفه التجربة المعاصرة هو أن السيطرة الأكثر حسما أصبحت تتعلق بالقدرة على تعريف الواقع نفسه. فالصراع لم يعد يدور فقط حول توزيع الموارد، بل حول تحديد ما يعتبر حقيقة، وما يعتبر ممكنا، وما يعتبر طبيعيا أو استثنائيا.
في هذا السياق، برزت ظاهرة يمكن وصفها بـ"تجزئة الإدراك الجمعي". فالمجتمعات التي كانت تتغذى من مصادر معرفية وثقافية مشتركة أصبحت تعيش داخل جزر معلوماتية منفصلة. لكل جماعة أخبارها، ومراجعها، ورواياتها، وأبطالها، وحتى حقائقها الخاصة.
وقد أشار الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس منذ عقود إلى أهمية المجال العمومي بوصفه الفضاء الذي تتشكل داخله الإرادة الجماعية عبر النقاش العقلاني. غير أن هذا المجال نفسه يتعرض اليوم إلى تآكل مستمر بفعل التشظي الإعلامي وتغول الخوارزميات التي لا تسعى إلى بناء مواطنين، بل إلى إبقاء المستخدمين أطول مدة ممكنة داخل دوائر التفاعل المغلقة.
إن النتيجة ليست مجرد انتشار المعلومات المضللة، بل انهيار المرجعيات المشتركة التي تسمح للمجتمع بأن يفكر في ذاته كوحدة تاريخية متماسكة.
وهذا التطور يطرح معضلة جديدة أمام الحركات التغييرية. ففي الماضي كان النضال السياسي يسعى إلى إقناع الجماهير ببرنامج معين، أما اليوم فثمة حاجة أولا إلى استعادة شروط الحوار المشترك نفسه. فكيف يمكن بناء مشروع جماعي في فضاء يتعرض باستمرار للتفتيت والتذرير؟
إننا نعيش عصرا تتراجع فيه السرديات الكبرى دون أن تختفي الحاجة إليها. فالإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل يحتاج إلى إطار يربط تلك الوقائع ويمنحها اتجاها ومعنى. وعندما تفشل المشاريع التقدمية في تقديم هذا الإطار، تتقدم قوى أخرى لملء الفراغ، أيا كانت طبيعتها.
ولهذا السبب لا يمكن اختزال الصراع الاجتماعي في المؤشرات الاقتصادية وحدها. فالأمم لا تتحرك بالأرقام فقط، وإنما أيضا بالرموز والتصورات والخيال السياسي.
لقد كتب كورنيليوس كاستورياديس أن المجتمع لا ينتج مؤسساته فحسب، بل ينتج أيضا المتخيل الذي يمنح تلك المؤسسات شرعيتها. ومن هنا فإن أي تحول تاريخي عميق يحتاج إلى ولادة متخيل جديد قبل أن يتحول إلى واقع مادي.
إن إحدى نقاط ضعف كثير من التيارات الراديكالية المعاصرة أنها ما تزال تتحدث عن المستقبل بلغة الماضي. فهي تجيد نقد القائم، لكنها كثيرا ما تتعثر حين يتعلق الأمر برسم صورة مقنعة لما يمكن أن يأتي بعده.
فالناس لا ينخرطون في المشاريع الكبرى لأنهم يكرهون الحاضر فقط، بل لأنهم يرون في المستقبل المقترح إمكانية أفضل للحياة.
وهنا يبرز عنصر غالبا ما يتم التقليل من شأنه: الخيال السياسي.
فالخيال ليس نقيض الواقعية كما يُعتقد أحيانا، بل هو شرط من شروطها. إذ لا يمكن لأي جماعة بشرية أن تبني عالما مختلفا ما لم تستطع تخيله أولا.
وقد لاحظ الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي أن التغيير الاجتماعي يبدأ غالبا عندما تتوسع قدرة الناس على تصور أشكال جديدة من العيش المشترك. إن الأفكار التي تبدو مستحيلة في زمن ما قد تصبح بديهيات في زمن آخر إذا وجدت القوى القادرة على تحويلها إلى أفق جماعي.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد أزمة تنظيم أو قيادة أو تكتيك سياسي. إنها أزمة في إنتاج الرؤية أيضا. فالعالم يمر بتحولات هائلة تمس التكنولوجيا والبيئة والديموغرافيا والثقافة والعلاقات الدولية، بينما ما تزال أجزاء من الفكر النقدي عاجزة عن بلورة صورة متماسكة للمجتمع الذي تسعى إلى بنائه.
إن النقد، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد على طاقة الرفض وحدها. فالتاريخ لا تصنعه الاعتراضات فقط، بل تصنعه كذلك القدرة على اقتراح اتجاه جديد للحركة.
ولذلك فإن أحد التحديات المركزية أمام القوى الساعية إلى التغيير لا يتمثل في اكتشاف تناقضات النظام القائم، فهذه التناقضات باتت مكشوفة على نطاق واسع، وإنما في بناء سردية مستقبلية قادرة على الجمع بين الحرية والعدالة، بين التقدم التقني والكرامة الإنسانية، بين الكونية واحترام الخصوصيات، وبين التنمية وحدود الكوكب البيئية.
عند تلك النقطة فقط يغادر الفكر النقدي موقع الشاهد على الأزمة ليصبح طرفا فاعلا في صناعة التاريخ.
فالمستقبل لا يولد من انهيار القديم وحده، بل من قدرة البشر على ابتكار صورة جديدة للعالم تستحق أن تعاش.
و ثمة بعد آخر من أبعاد الأزمة المعاصرة لا يتعلق بالاقتصاد أو الثقافة أو التكنولوجيا، بل يتعلق بالجغرافيا السياسية ذاتها، أي بالمكان الذي أصبح يحتله العالم داخل منظومة الرأسمالية المعولمة.
لقد نشأت أغلب النظريات الثورية الكبرى في زمن كانت فيه الدولة الوطنية الإطار الأساسي للصراع السياسي والاجتماعي. كانت السلطة، في معظم الحالات، قابلة للتحديد؛ لها مركز سياسي معروف، ومؤسسات واضحة، وحدود جغرافية يمكن الإحاطة بها. أما اليوم، فإن جزءا مهما من القرار الاقتصادي الذي يؤثر في حياة الشعوب بات يُصنع خارج الحدود الوطنية.
إن أسواق المال، ومؤسسات التصنيف الائتماني، وسلاسل الإمداد العالمية، والشركات العملاقة، واتفاقيات التجارة والاستثمار، جميعها أصبحت تشكل منظومة من القوى التي تتجاوز قدرة الدول على التحكم الكامل في مصائرها.
ولذلك فإن كثيرا من الحكومات المنتخبة تجد نفسها، بمجرد وصولها إلى السلطة، أمام هوامش أضيق بكثير مما كانت تتصوره وهي في المعارضة. فصناديق الاقتراع تمنح الشرعية السياسية، لكنها لا تمنح بالضرورة السيطرة على مراكز القوة الاقتصادية الفعلية.
وقد أشار عالم السياسة البريطاني كولين كراوتش إلى هذه الظاهرة بمفهوم "ما بعد الديمقراطية"، حيث تستمر المؤسسات الديمقراطية شكليا، بينما تنتقل أجزاء متزايدة من القرار الحقيقي إلى فضاءات لا تخضع للرقابة الشعبية المباشرة.
هذا التحول يفرض على الحركات التغييرية إعادة التفكير في العلاقة بين المحلي والعالمي.
فلا يمكن لأي مشروع تحرري معاصر أن يكتفي بتحليل التناقضات داخل حدوده الوطنية، لأن جزءا كبيرا من هذه التناقضات يُنتج اليوم عبر شبكات عابرة للقارات. كما لا يمكنه، في المقابل، أن يذوب داخل خطاب كوني مجرد يتجاهل الخصوصيات التاريخية والثقافية والاجتماعية للشعوب.
إن التحدي يكمن في بناء رؤية تستطيع الجمع بين المستويين معا: فهم البنى العالمية التي تشكل شروط الحياة المعاصرة، دون فقدان القدرة على التجذر داخل الواقع الملموس للمجتمعات.
ومن جهة أخرى، كشفت العقود الأخيرة عن عودة قوية لمسألة السيادة، لكن بصورة تختلف عن النقاشات التقليدية التي عرفها القرن الماضي.
ففي عالم يتسم بتدفقات هائلة لرؤوس الأموال والمعلومات والتقنيات، لم يعد السؤال فقط: من يحكم؟ بل أصبح أيضا: من يملك القدرة على اتخاذ القرار؟
إن الدولة التي تعتمد غذائيا أو تكنولوجيا أو ماليا على قوى خارجية تجد نفسها أمام حدود موضوعية لاستقلالها، مهما كانت الإرادة السياسية المتوفرة لديها.
ولهذا بدأت مفاهيم مثل الأمن الغذائي، والسيادة الرقمية، والاستقلال الطاقي، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية، تحتل مكانة متزايدة في النقاشات الفكرية والسياسية عبر العالم.
وقد بين الاقتصادي الكوري الجنوبي ها جون تشانغ أن كثيرا من الدول التي تدعو اليوم إلى الانفتاح الكامل هي نفسها التي استخدمت في مراحل صعودها سياسات حمائية وتدخلية قوية لحماية اقتصاداتها الوطنية.
لكن أهمية هذه المسألة لا تكمن في الجانب الاقتصادي وحده، بل في ما تكشفه من تحولات أعمق. فالعولمة التي قُدمت طويلا باعتبارها نهاية للصراعات الجيوسياسية عادت لتنتج أشكالا جديدة منها. وما تشهده الساحة الدولية من تنافس على التكنولوجيا المتقدمة، والمعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، والممرات البحرية، يؤكد أن التاريخ لم يدخل عصر الانسجام العالمي الموعود.
على العكس، يبدو أننا أمام مرحلة تتزايد فيها أهمية السيطرة على المعرفة والموارد والبنى التحتية الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تصبح مهمة الفكر النقدي أكثر تعقيدا. فالمطلوب لم يعد فقط الدفاع عن العدالة الاجتماعية داخل كل مجتمع، بل أيضا فهم موقع ذلك المجتمع داخل منظومة عالمية غير متكافئة.
إن تجاهل هذه الحقيقة يؤدي إلى نوعين من الأخطاء المتقابلة: إما الانغلاق داخل قومية ضيقة تعجز عن فهم الترابط العالمي، أو الذوبان داخل كونية مجردة تتجاهل موازين القوة القائمة فعليا.
ولعل أحد أكبر التحديات الفكرية في العقود القادمة سيكون البحث عن صيغة جديدة للتضامن الدولي لا تقوم على الوصاية، ولا على التبعية، ولا على إعادة إنتاج العلاقات الهرمية القديمة بأشكال مختلفة.
فالعالم يتغير بسرعة، لكن السؤال الذي يرافق هذا التغير يظل ثابتا: كيف يمكن للشعوب أن تحافظ على قدرتها في تقرير مصيرها داخل نظام عالمي تتركز فيه القوة والثروة والمعرفة بدرجات غير مسبوقة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الحركات التقدمية، بل قد تحدد أيضا شكل القرن الحادي والعشرين بأسره.
ومن الزوايا التي لا تحظى بما تستحقه من الاهتمام عند تناول مستقبل المشاريع التحررية، مسألة التحول الأنثروبولوجي الذي يطال الإنسان نفسه تحت تأثير الرأسمالية المتأخرة. فالقضية لم تعد تقتصر على أن النظام الاقتصادي يعيد توزيع الثروة أو يعيد تنظيم العمل، بل إنه يساهم تدريجياً في إعادة تشكيل أنماط الشخصية والسلوك والتوقعات والعلاقات الإنسانية.
لقد كان الإنسان في المجتمعات التقليدية يُعرّف نفسه من خلال الانتماء إلى جماعة أو مهنة أو ذاكرة مشتركة. أما في المجتمعات المعاصرة، فقد أصبح مطالبا على نحو متزايد بأن يقدّم نفسه بوصفه مشروعا فرديا دائما في حالة بناء وتسويق وتطوير.
إن الفرد الحديث لا يُقاس فقط بما يملكه، بل بما يستطيع إظهاره وإبرازه وعرضه. وتدريجيا تصبح الحياة نفسها نوعا من الأداء المتواصل أمام الآخرين.
وقد تنبه عالم الاجتماع الأمريكي كريستوفر لاش إلى هذه الظاهرة منذ سبعينيات القرن الماضي حين تحدث عن "ثقافة النرجسية"، لا بوصفها مرضا نفسيا فرديا، بل بوصفها مناخا اجتماعيا تنتجه شروط تاريخية معينة.
غير أن التطورات اللاحقة دفعت هذه الظاهرة إلى مستويات أكثر تعقيدا. فمع توسع الفضاءات الرقمية، لم يعد الإنسان يعرض أعماله أو أفكاره فقط، بل بات يعرض ذاته ذاتها. وهكذا تتحول الهوية إلى شيء يُدار ويُعدّل ويُسوّق بصورة مستمرة.
إن هذه التحولات ليست هامشية بالنسبة لأي مشروع تغييري. فالسياسة في جوهرها نشاط جماعي، بينما تدفع الثقافة السائدة نحو أشكال متزايدة من التمركز حول الذات. وكلما ضعفت الروابط المشتركة، ازداد صعوبة بناء الفعل الجماعي طويل الأمد.
ومن هنا يبرز سؤال نادرا ما يُطرح بالعمق الكافي: هل يمكن الحديث عن أزمة تضامن في المجتمعات المعاصرة؟
لقد كتب الفيلسوف الأمريكي مايكل ساندل أن الأسواق توسعت خلال العقود الأخيرة من كونها آلية اقتصادية إلى كونها منطقا ينظم مجالات متزايدة من الحياة الإنسانية. فهناك فرق بين أن يكون لديك اقتصاد سوق، وأن تتحول إلى مجتمع سوق.
في الحالة الثانية، لا تقتصر المنافسة على السلع والخدمات، بل تمتد إلى التعليم والثقافة والعلاقات والاعتراف الاجتماعي. ويصبح تقييم الأشياء محكوما بمنطق المنفعة الفردية أكثر من ارتباطه بالقيم المشتركة.
وهنا يظهر أحد التناقضات العميقة للعصر الحديث.
ففي الوقت الذي أصبحت فيه البشرية أكثر ترابطا من أي وقت مضى من الناحية التقنية، تتزايد لدى كثير من الأفراد مشاعر العزلة والانفصال والاغتراب. لم يكن التواصل أسهل مما هو عليه اليوم، ومع ذلك لم يكن الإحساس بالوحدة منتشرا بهذا الحجم في كثير من المجتمعات.
وقد لاحظ عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين أن التحدي المركزي لم يعد يتمثل فقط في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية أو السياسية، بل في حماية الإنسان من التحول إلى مجرد عنصر داخل شبكات تقنية وإدارية واقتصادية هائلة.
إن هذه المسألة تتجاوز النقاش التقليدي حول الأجور أو الضرائب أو الخدمات العامة، لتلامس سؤالا أعمق يتعلق بمعنى الحياة المشتركة نفسها.
فأي مشروع اجتماعي لا يجيب، بصورة أو بأخرى، عن حاجة البشر إلى الانتماء والاعتراف والتقدير المتبادل، يترك فراغا قد تملؤه قوى أخرى، مهما كانت طبيعتها.
ولعل هذا ما يفسر عودة العديد من أشكال الانتماء القديمة أو المستحدثة في مناطق مختلفة من العالم. فعندما يشعر الأفراد بأنهم مجرد أرقام داخل منظومات ضخمة، يبحثون عن جماعات تمنحهم الإحساس بالهوية والمعنى، سواء كانت جماعات دينية أو إثنية أو ثقافية أو غير ذلك.
ولا يتعلق الأمر هنا بالحكم الأخلاقي على هذه الظواهر، بل بفهم الظروف التي تجعلها جاذبة وقادرة على التعبئة.
إن الإنسان لا يطالب بالخبز وحده، كما لا يطالب بالحرية وحدها. إنه يبحث أيضا عن الاعتراف بوجوده وعن الشعور بأنه جزء من قصة أكبر من حياته الفردية.
وقد كان الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور محقا عندما اعتبر أن "سياسات الاعتراف" أصبحت إحدى القضايا المحورية في المجتمعات الحديثة. فالصراعات لا تدور فقط حول توزيع الموارد، بل حول المكانة والكرامة والمرئية الاجتماعية.
ولهذا فإن أي أفق تحرري للمستقبل سيكون مطالبا بأن يجمع بين العدالة والاعتراف، بين المساواة واحترام التنوع، بين المصالح المادية والحاجات الرمزية.
إن بناء مجتمع أكثر إنسانية لا يعني فقط تغيير المؤسسات، بل يتطلب أيضا إعادة التفكير في نوع الإنسان الذي تنتجه تلك المؤسسات، وفي نوع العلاقات التي تشجع عليها، وفي القيم التي تجعل الحياة المشتركة جديرة بأن تُعاش.
فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تنتجه من ثروة، بل كذلك بما تنتجه من بشر.
و إذا كانت التحليلات التقليدية قد أولت اهتماما بالغا لمسألة السيطرة على وسائل الإنتاج، فإن إحدى القضايا الصاعدة في القرن الحادي والعشرين تتمثل في السيطرة على إنتاج المعرفة ذاتها.
لقد دخل العالم مرحلة أصبحت فيها المعرفة موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن النفط أو المعادن أو الممرات التجارية. ولم تعد الهيمنة ترتكز فقط على امتلاك المصانع أو الجيوش أو البنوك، بل على احتكار القدرة على إنتاج المعلومة وتصنيفها وتوجيه تداولها وتحديد قيمتها.
في الماضي كانت المعرفة تنتشر ببطء نسبي، وكانت المؤسسات التعليمية والثقافية تضطلع بدور مركزي في إنتاجها ونقلها. أما اليوم فإن حجم المعلومات المتدفقة يفوق قدرة الأفراد على استيعابها أو التحقق منها. والمفارقة أن وفرة المعلومات لم تؤدِّ بالضرورة إلى ازدياد المعرفة، بل أحيانا إلى العكس تماما.
فالإنسان المعاصر يعيش وسط طوفان من المعطيات، لكنه كثيرا ما يفتقر إلى الأدوات التي تمكنه من التمييز بين المهم والهامشي، بين المعرفة والضجيج، بين التفسير والتلاعب.
وقد أشار الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، من زاوية مختلفة، إلى عالم تتكاثر فيه الصور والتمثلات إلى درجة تصبح معها الحدود بين الواقع وتمثيله أكثر ضبابية. ومع تطور الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي، أخذت هذه الإشكالية أبعادا جديدة لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في العقود السابقة.
إن الصراع المعاصر لا يدور فقط حول من يمتلك الحقيقة، بل حول من يمتلك القدرة على تعريف ما يعتبر حقيقة أصلا.
ومن هنا تنشأ أهمية الجامعات ومراكز البحث وشبكات المعرفة والبنية التحتية العلمية. فالمجتمعات التي تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة المستقلة تجد نفسها مضطرة لاستهلاك المعرفة المنتجة في أماكن أخرى، ومع الزمن يتحول هذا الاعتماد المعرفي إلى شكل من أشكال التبعية.
وقد لفت المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد الانتباه إلى العلاقة الوثيقة بين المعرفة والسلطة، حين بيّن كيف يمكن للخطابات الأكاديمية والثقافية أن تسهم في إنتاج تصورات تخدم علاقات الهيمنة القائمة.
لكن التحدي الراهن يتجاوز الإشكاليات الكلاسيكية للاستشراق أو التمثيل الثقافي. فالعالم يشهد اليوم تركّزا غير مسبوق للقدرات البحثية والتكنولوجية داخل عدد محدود من المراكز العالمية القادرة على تحديد اتجاهات الابتكار العلمي والتقني لعقود قادمة.
وفي هذا السياق، لا تصبح الفجوة بين الدول مجرد فجوة في الدخل أو الصناعة، بل فجوة في القدرة على إنتاج المستقبل نفسه.
إن الأمة التي لا تساهم في تطوير التكنولوجيا الحيوية أو الذكاء الاصطناعي أو علوم المواد أو الطاقات الجديدة لا تخسر فقط موقعا اقتصاديا، بل تخسر تدريجيا جزءا من قدرتها على التأثير في شكل العالم القادم.
ولهذا تبدو بعض النقاشات السياسية أسيرة أفق قصير المدى مقارنة بحجم التحولات الجارية. فالخلافات اليومية، مهما كانت أهميتها، قد تحجب أحيانا أسئلة أكثر جوهرية تتعلق بالمكان الذي ستحتله المجتمعات في الخريطة المعرفية العالمية خلال العقود المقبلة.
إن التقدم العلمي ليس قضية تقنية محضة كما يُتصور أحيانا، بل قضية اجتماعية وسياسية وحضارية أيضا. فمن يحدد أولويات البحث؟ ومن يمولها؟ ومن ينتفع بنتائجها؟ ومن يتحمل كلفتها؟ كلها أسئلة ترتبط بطبيعة السلطة وتوزيع الموارد داخل المجتمع.
وقد أكد عالم الاقتصاد ماريانا مازوكاتو أن كثيرا من الابتكارات الكبرى التي غيرت العالم لم تكن ثمرة السوق وحدها، بل نتاج استثمارات عامة طويلة الأمد تحملت مخاطر لم يكن القطاع الخاص مستعدا لتحملها.
وهذا يفتح بابا واسعا للتفكير في العلاقة بين التقدم العلمي والمصلحة العامة. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما في الإطار الاجتماعي والسياسي الذي يوجه استخدامها ويحدد أهدافها.
إن السؤال المركزي في العقود القادمة قد لا يكون: هل ستتطور التكنولوجيا؟ فذلك يكاد يكون مؤكدا. بل: لصالح من سيتحقق هذا التطور؟ ومن ستكون له القدرة على التحكم في مساراته؟
فالمعرفة ليست مجرد أداة لفهم العالم، بل أصبحت إحدى القوى الأساسية التي تعيد تشكيله.
ولهذا فإن أي مشروع يسعى إلى تغيير الواقع دون أن يضع مسألة السيادة المعرفية والعلمية في صلب اهتمامه، قد يجد نفسه يقاتل في معارك الأمس بينما تتشكل موازين القوى الجديدة في مكان آخر تماماً.
إن الأمم التي تُستبعَد من إنتاج المعرفة لا تُحرَم فقط من التقدم، بل تُحرَم أيضا من حقها في المشاركة في كتابة التاريخ القادم.
في نهاية المطاف، قد يكون الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه كثير من القراءات السياسية هو التعامل مع التاريخ باعتباره طريقا مستقيما يتقدم وفق قوانين بسيطة يمكن التنبؤ بها مسبقا. غير أن التجربة الإنسانية تكشف شيئا مختلفا تماما. فالتاريخ لا يسير كقطار على سكة واحدة، بل كحقل واسع من الاحتمالات المفتوحة، تتقاطع فيه الإرادات والمصالح والمصادفات والابتكارات والانهيارات والولادات غير المتوقعة.
لقد سقطت إمبراطوريات بدت أبدية. وتهاوت أنظمة كانت تمتلك الجيوش والثروات وأجهزة القمع والأساطير المؤسسة لشرعيتها. وفي المقابل، اندثرت أيضا حركات وقوى كانت تعتقد أنها تحمل مفاتيح المستقبل الحصرية. ولهذا فإن الحكمة الأولى التي ينبغي التمسك بها هي التحرر من وهم الحتميات، سواء كانت حتميات الانتصار أو حتميات الهزيمة.
إن ما يميز اللحظة الراهنة ليس فقط حجم التحولات الجارية، بل تزامنها. فنحن أمام عصر تتغير فيه بنية الاقتصاد، وموقع الدولة، وطبيعة العمل، ومصادر السلطة، وأشكال المعرفة، ومفهوم الإنسان عن ذاته، في الوقت نفسه تقريبا. وهذه الكثافة التاريخية تجعل كثيرا من الأدوات الفكرية الموروثة عاجزة عن الإحاطة بالمشهد بأكمله.
ولذلك فإن المهمة الكبرى ليست الدفاع عن أرثوذكسية فكرية معينة، ولا إعلان القطيعة الاستعراضية مع التراث، بل امتلاك الشجاعة اللازمة لإعادة طرح الأسئلة الأساسية من جديد.
كيف يمكن بناء مجتمع قادر على إنتاج الثروة دون إنتاج البؤس؟
كيف يمكن توسيع دائرة الحرية دون تحويلها إلى امتياز للأقوياء؟
كيف يمكن حماية التنوع الإنساني دون السقوط في التفكك؟
كيف يمكن تحقيق التقدم دون تدمير الشروط البيئية التي تجعل الحياة ممكنة؟
وكيف يمكن أن يبقى الإنسان غاية للتاريخ لا مجرد مادة أولية لمراكمة الأرباح أو لتضخم أجهزة السلطة؟
هذه الأسئلة لا تخص تيارا سياسيا بعينه، بل تخص مصير البشرية في القرن الجديد.
وقد كتب الفيلسوف الألماني والتر بنيامين أن كل جيل يُمنح "فرصة ضعيفة للخلاص". لم يكن يقصد خلاصا ميتافيزيقيا، بل تلك اللحظة النادرة التي يصبح فيها من الممكن كسر استمرارية الظلم وإعادة فتح الأفق أمام إمكانات جديدة.
وربما تكمن القيمة الحقيقية للفكر النقدي في هذا المعنى تحديدا: ليس في ادعائه امتلاك الحقيقة النهائية، بل في رفضه التسليم بأن ما هو قائم اليوم يمثل النهاية الطبيعية أو الأفق الأخير للتجربة الإنسانية.
فالمجتمعات التي تتوقف عن تخيل بدائلها تبدأ تدريجيا في التكيف مع قيودها. أما المجتمعات التي تواصل مساءلة الواقع، فإنها تحتفظ دائما بقدرة كامنة على مفاجأة التاريخ.
إن المستقبل لا يقيم في النصوص القديمة ولا في الشعارات الجديدة، بل في تلك المنطقة الصعبة التي يلتقي فيها الفهم العميق للواقع مع الجرأة على تجاوزه.
وهناك، عند الحد الفاصل بين الممكن والمستحيل، تبدأ دائما كل التحولات الكبرى.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة ...
- من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية ...
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...
- في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو ...
- الطبيعة الطبقية للديمقراطية
- عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال ...


المزيد.....




- كيف تضاربت تصريحات إيران وترامب بشأن إعلانه عن -الاتفاق النه ...
- بعد ساعات من التهديد.. ترامب يلغي الضربات ضد إيران ويعلن موا ...
- بعد تصريحات ترامب.. وكالة -فارس- تنشر رواية مختلفة لمسار الم ...
- ترامب: توصلنا لتفاهم قوي للغاية مع إيران
- تسويات معلقة.. من الليطاني إلى الغبار النووي
- اعتراف جديد من فانس عن الأزمة بين إسرائيل وأمريكا والخلاف بي ...
- اليمن.. مقتل 3 بينهم زوجان سوريان في هجوم مسلح استهدف منزل م ...
- مقاتلة -تايفون- بريطانية تطلق نداء استغاثة في أجواء المملكة ...
- الخارجية الروسية: الولايات المتحدة لم توجه بعد دعوة إلى بوتي ...
- -بينها 5 بلدان عربية-.. ترامب يعلن عن محادثاته مع قادة دول ع ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة الواقع؟.