أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة الفائض البشري















المزيد.....



التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة الفائض البشري


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 20:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد التسوّل في العقود الأخيرة ظاهرة هامشية تقتصر على بعض الأفراد المعزولين أو الفئات المنبوذة اجتماعيا، بل تحوّل إلى مؤشر سوسيولوجي وسياسي بالغ الدلالة على طبيعة التحولات العميقة التي أصابت المجتمعات المعاصرة. فحين تنتشر ظاهرة التسوّل في الشوارع والساحات ومحطات النقل وأمام الأسواق والمؤسسات العمومية، فإنها لا تكشف فقط عن وجود فقراء، بل تفضح بنية اجتماعية كاملة تعجز عن ضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم لأعداد متزايدة من مواطنيها.
من منظور يساري نقدي، لا يمكن فهم التسوّل باعتباره مشكلة أخلاقية أو سلوكا فرديا أو نتيجة كسل شخصي كما تحاول بعض الخطابات المحافظة تصويره. فالفرد لا يولد متسوّلا، وإنما تصنعه شروط اجتماعية واقتصادية وتاريخية محددة. إن التسوّل، في جوهره، أحد الأعراض القصوى للفقر البنيوي ولتفكك منظومات الحماية الاجتماعية ولعجز الاقتصاد عن استيعاب القوى العاملة وتحويلها إلى طاقات منتجة.
لقد كتب كارل ماركس أن الرأسمالية تنتج باستمرار "جيشا احتياطيا من العاطلين عن العمل". ولم يكن يقصد مجرد البطالة الظرفية، بل وجود كتلة بشرية زائدة عن حاجة السوق في لحظة معينة. ومع تطور الرأسمالية النيوليبرالية خلال العقود الأخيرة، لم يعد الأمر يتعلق فقط بجيش احتياطي للعمل، بل بفائض بشري كامل يجد نفسه خارج دورة الإنتاج وخارج شبكات الحماية وخارج آفاق المستقبل.
في مدن العالم المعاصر، من نيويورك إلى باريس ومن القاهرة إلى تونس العاصمة ومن جوهانسبورغ إلى ساو باولو، تتجاور الأبراج الزجاجية والمراكز التجارية العملاقة مع مشاهد الفقر والتسوّل والتشرّد. إنها الصورة المكثفة للتناقض الجوهري للرأسمالية الحديثة: ثروة هائلة تتراكم في الأعلى، وبؤس متزايد يتمدد في الأسفل.
لقد أشار عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان إلى أن النظام الاقتصادي المعاصر ينتج ما سماه "النفايات البشرية"، أي الفئات التي لم تعد مطلوبة اقتصادياً ويتم دفعها إلى الهامش. والمتسوّل هو أحد الوجوه الأكثر مأساوية لهذا التهميش، إذ يتحول وجوده اليومي إلى إعلان صامت عن فشل المجتمع في دمج أفراده.
ولا يمكن فصل تفاقم التسوّل عن سياسات الخصخصة وتقليص الإنفاق الاجتماعي وتفكيك الخدمات العمومية التي اجتاحت كثيرا من بلدان العالم منذ ثمانينات القرن العشرين. فكلما تراجعت الدولة الاجتماعية وتقلصت أنظمة الدعم والتشغيل والتغطية الصحية، ازداد عدد الأفراد الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع السوق دون أي حماية.
في البلدان التابعة والواقعة على هامش الاقتصاد العالمي، تأخذ الظاهرة أبعادا أكثر حدة. فبرامج التقشف التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية تحت شعارات "الإصلاح" و"التوازنات الكبرى" أدت في حالات عديدة إلى تآكل الطبقات الوسطى واتساع دوائر الفقر. والنتيجة كانت مزيدا من البطالة والهشاشة والعمل غير المنظم والتسوّل.
في الحالة التونسية مثلا، يلاحظ المتابع اتساع رقعة الظاهرة خلال السنوات الأخيرة بصورة لافتة. فالمتسوّلون لم يعودوا مقتصرين على فئات تقليدية معروفة، بل أصبحنا نجد خريجين عاطلين عن العمل، ومسنين ذوي جرايات هزيلة، ونساء معيلات لأسر، وأطفالا تدفعهم الحاجة أو شبكات الاستغلال إلى الشارع. إن هذا التحول يكشف انتقال الأزمة من هامش المجتمع إلى قلبه.
ويكفي التجول في مراكز المدن الكبرى أو أمام المساجد أو الأسواق الأسبوعية أو المستشفيات العمومية لملاحظة التزايد المستمر لعدد طالبي الصدقة. وليس المهم هنا العدد في حد ذاته، بل الرسالة الاجتماعية التي يحملها. فكل متسوّل هو وثيقة اتهام حية ضد السياسات التي أوصلته إلى تلك الحالة.
إن المفارقة الكبرى تتمثل في أن العالم لم ينتج في أي وقت من تاريخه ثروة بحجم ما ينتجه اليوم. فالتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والأتمتة والرقمنة رفعت قدرات الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، تتوسع دوائر الحرمان بدلا من أن تنكمش. وهنا تكمن المعضلة الأساسية: ليست المشكلة في ندرة الثروة، بل في طريقة توزيعها.
كان إدواردو غاليانو يقول: "الجوع لا ينتج عن نقص الطعام، بل عن نقص العدالة". ويمكن توسيع هذه الفكرة لنقول إن التسوّل لا ينتج عن نقص الموارد، بل عن سوء توزيعها وعن هيمنة منطق الربح على حاجات البشر.
كما أن التسوّل لا يعكس فقط أزمة اقتصادية، بل أزمة سياسية أيضا. فحين يفقد المواطن حقه في العمل والتعليم والصحة والسكن اللائق، يتحول تدريجيا من صاحب حقوق إلى طالب إحسان. وهنا ينتقل المجتمع من منطق المواطنة إلى منطق الصدقة، ومن دولة الحقوق إلى دولة الإحسان الموسمي.
إن أخطر ما في تفاقم التسوّل ليس عدد المتسوّلين، بل اعتياد المجتمع على المشهد. فعندما يصبح وجود المتسوّل جزءا عاديا من المشهد الحضري اليومي، تتحول المأساة إلى روتين. ويصبح الفقر مألوفا إلى درجة أنه يفقد قدرته على إثارة الغضب الأخلاقي والسياسي.
ومن هنا فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر الحملات الأمنية أو الخطابات الوعظية أو المبادرات الخيرية وحدها. فهذه الأدوات قد تخفف بعض المظاهر، لكنها لا تمس الجذور العميقة للمشكلة. إن القضاء الحقيقي على التسوّل يمر عبر سياسات تشغيل واسعة، وعدالة جبائية، وخدمات عمومية قوية، وضمان اجتماعي شامل، وتنمية متوازنة بين الجهات، وإعادة توزيع للثروة المنتجة جماعيا.
إن المتسوّل ليس مشكلة في ذاته، بل علامة على مشكلة أكبر. إنه المرآة التي تعكس اختلالات النظام الاجتماعي كله. وكل مجتمع يزداد فيه عدد المتسوّلين إنما يتلقى إنذارا مبكرا بأن شيئا أساسيا في بنيته الاقتصادية والسياسية لم يعد يعمل كما ينبغي.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يتسوّل هؤلاء؟ بل: ما الذي حدث للمجتمع حتى أصبح التسوّل أحد أكثر المهن انتشارا في فضاءاته العامة؟ ذلك أن الإجابة عن السؤال الثاني تقود مباشرة إلى جوهر المسألة: أزمة العدالة الاجتماعية نفسها، وهي الأزمة التي ستظل تنتج الفقر والتهميش والتسوّل ما دامت الثروة تتركز في أيدي القلة بينما تتسع دوائر الحرمان بين الأغلبية.

01/ التسوّل بوصفه اقتصادا موازيا للبؤس :

حين يتسع حجم أي ظاهرة اجتماعية إلى درجة معينة فإنها تتجاوز كونها مجرد سلوك فردي لتصبح مؤسسة غير معلنة داخل المجتمع. وهذا ما يحدث اليوم مع التسوّل في عدد متزايد من البلدان. فالمسألة لم تعد تقتصر على أفراد يمدون أيديهم طلبا للمساعدة، بل نشهد تشكل فضاء اقتصادي واجتماعي كامل تحكمه قواعده الخاصة وعلاقاته الداخلية وآليات إعادة إنتاجه.
لقد لاحظ علماء الاجتماع منذ عقود أن الفقر لا يخلق فقط الحرمان، بل يخلق أيضاً أنماطا خاصة من التكيف مع الحرمان. وعندما تعجز البنية الاقتصادية عن توفير فرص العيش لملايين البشر، تظهر أشكال بديلة للبقاء. بعضها قانوني وبعضها يقع في المناطق الرمادية بين الشرعي وغير الشرعي. والتسوّل أحد هذه الأشكال.
إن ما يلفت الانتباه اليوم ليس وجود المتسوّلين، بل ظهور ما يمكن تسميته "تقسيم العمل داخل اقتصاد التسوّل". فهناك من يحتل المواقع الأكثر مردودية، وهناك من يتخصص في فضاءات بعينها، وهناك من يشتغل في المناسبات الدينية، وهناك من يرتبط بالمواسم السياحية أو الأعياد أو أوقات صرف الأجور. كأننا أمام سوق موازية لا تنتج السلع بل تنتج فرص النجاة اليومية.
ويكشف هذا التطور عن حقيقة مؤلمة: حين يفشل الاقتصاد الرسمي في إدماج البشر، ينشأ اقتصاد الهامش ليقوم بالمهمة. لكنه لا يمنح الكرامة ولا الاستقرار، بل يوفر فقط الحد الأدنى الضروري للاستمرار البيولوجي.
لقد كتب الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أن السلطة لا تعمل فقط من خلال القوانين والمؤسسات، بل أيضا عبر إدارة الأجساد والسكان. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المتسوّل باعتباره جسدا تم إخراجه من دوائر الإنتاج ولكنه لم يُمحَ تماما من المجال الاجتماعي. إنه موجود، لكنه موجود على هيئة فائض بشري معلق بين الحياة الاقتصادية والموت الاجتماعي.
وتتجلى خطورة الظاهرة في تأثيرها على وعي الأجيال الجديدة. فالطفل الذي يكبر وهو يرى العمل عاجزا عن تأمين العيش، بينما تضمن الصدقات البقاء، يتلقى درسا اجتماعيا قاسيا حول طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه. وهكذا لا يصبح التسوّل مجرد نتيجة للأزمة، بل يتحول تدريجيا إلى أحد آليات إعادة إنتاجها.
ومن اللافت أيضا أن ازدياد التسوّل يتزامن في كثير من الأحيان مع تضخم مظاهر الاستهلاك الاستعراضي. فكلما ازداد عرض الثراء الفاحش في الفضاء العمومي، ازداد حضور البؤس في الجهة المقابلة. ليست هذه مصادفة، بل هي نتيجة مباشرة لاتساع الفجوة الطبقية. فالثروة حين تتكدس في القمة لا تختفي آثارها عن القاعدة؛ إنها تظهر هناك على شكل فقر وتهميش وإقصاء.
إن المتسوّل الجالس أمام متجر فاخر ليس مشهدا عرضيا، بل صورة اجتماعية مكثفة للتناقض الطبقي. ففي بضعة أمتار مربعة تتجاور الثروة المفرطة والحرمان المطلق، ويقف المجتمع كله داخل هذا التناقض دون أن ينجح في حله.
ولذلك فإن انتشار التسوّل لا ينبغي أن يُقرأ من خلال عدد المتسوّلين فقط، بل من خلال ما يكشفه عن طبيعة العقد الاجتماعي السائد. فالمجتمع الذي يضمن الحقوق الأساسية لمواطنيه قد يعرف حالات فردية من التسوّل، لكنه لا ينتج موجات جماعية منه. أما حين تصبح الظاهرة واسعة ومنتشرة ومستقرة زمنيا، فإن ذلك يدل على أن العطب أصاب البنية نفسها.
ومن هنا يغدو التسوّل مؤشرا سياسيا بقدر ما هو مؤشر اجتماعي. فهو يقيس المسافة بين الوعود الرسمية والواقع الفعلي، وبين الخطابات التنموية وما يحدث في الشوارع، وبين الأرقام المعلنة حول النمو وبين الحياة اليومية للطبقات الشعبية.
إن كل يد ممدودة في الطريق العام تطرح سؤالا لا على المارّة فحسب، بل على النظام الاجتماعي بأسره: كيف يمكن لمجتمع ينتج الثروة أن يعجز عن حماية أضعف أفراده من السقوط في هاوية الحاجة؟ وكيف يمكن لدولة تتحدث عن التنمية أن تعجز عن تحويل مواطنيها من طالبي صدقة إلى أصحاب حق؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل من ظاهرة التسوّل قضية سياسية من الدرجة الأولى، لا مجرد مشهد عابر في زحام المدن.

02/ التسوّل وانهيار القيمة الاجتماعية للعمل:

من بين التحولات العميقة التي تكشفها ظاهرة التسوّل المعاصرة تراجع المكانة الرمزية للعمل نفسه داخل قطاعات واسعة من المجتمع. فالمجتمعات الحديثة تأسست تاريخيا على فكرة بسيطة: من يعمل يعيش، ومن يساهم في الإنتاج يحصل على نصيبه من الثروة الجماعية. غير أن العقود الأخيرة شهدت تصدعا متزايدا لهذه المعادلة.
لقد أصبح ممكنا اليوم أن يعمل الإنسان ساعات طويلة يوميا دون أن يتمكن من الخروج من دائرة الفقر. وظهرت فئات جديدة يسميها بعض الباحثين "الفقراء العاملين"، أي أولئك الذين يملكون وظيفة لكنهم لا يملكون حياة كريمة. هنا لا يعود التسوّل نقيض العمل كما كان يُنظر إليه سابقا، بل يصبح أحد النتائج المحتملة للعمل نفسه عندما يفقد هذا الأخير قدرته على ضمان الاستقرار المعيشي.
إن العامل الذي يكدح طوال الشهر ثم يجد نفسه عاجزا عن دفع الإيجار أو اقتناء الدواء أو توفير حاجيات أطفاله الأساسية يبدأ تدريجيا في فقدان ثقته بالوعد الاجتماعي الذي ربط الجهد بالمكافأة. وعندما تنتشر هذه التجربة داخل قطاعات واسعة من السكان، فإن المجتمع يدخل مرحلة خطيرة من التفكك المعنوي.
ولهذا السبب لم يعد المتسوّلون ينحدرون فقط من الفئات المقصية كليا عن سوق العمل. ففي كثير من الحالات نجد أفرادا يمارسون أعمالا متقطعة أو موسمية أو هشة، ثم يضطرون إلى طلب المساعدة المباشرة لتعويض العجز المتراكم بين الدخل وتكاليف الحياة. وهكذا يختلط عالم العمل بعالم الحاجة، وتصبح الحدود بينهما أكثر ضبابية.
كما أن التسوّل يكشف عن أزمة أخرى أقل وضوحا: أزمة الزمن الاجتماعي. ففي المجتمعات الزراعية القديمة كانت الأسرة الممتدة والقرابة والجوار توفر شبكات حماية تلقائية عند الشدائد. أما اليوم فقد أدت الفردانية المتزايدة والهجرة الداخلية والخارجية وتفكك الأطر التقليدية للتضامن إلى ترك أعداد متزايدة من الأفراد في مواجهة مصائرهم منفردين.
إن الشيخ الذي يتسوّل أمام إدارة عمومية لا يعبّر فقط عن فقره الشخصي، بل يكشف أيضا عن تآكل منظومات الرعاية العائلية والمؤسساتية التي كانت تمنع الوصول إلى تلك المرحلة. فالتسوّل هنا يصبح شاهدا على تفكك الروابط الاجتماعية بقدر ما هو شاهد على الفاقة الاقتصادية.
ومن زاوية أخرى، تكشف الظاهرة عن التحول الذي أصاب المجال الحضري نفسه. فالمدينة التي بشّر بها منظّرو الحداثة باعتبارها فضاء للاندماج والترقي الاجتماعي أصبحت بالنسبة إلى كثيرين فضاء للإقصاء والتهميش. فالأحياء الثرية المغلقة والمراكز التجارية المؤمنة وارتفاع أسعار السكن والنقل والخدمات كلها تعيد رسم الحدود الطبقية داخل المدينة الواحدة بصورة أكثر حدة مما كانت عليه في السابق.
ولذلك فإن المتسوّل في الفضاء الحضري لا يتحرك عشوائياً. إنه يوجد غالبا عند نقاط التقاء الثروة والفقر، حيث تتجاور القدرة على الإنفاق مع الحاجة إلى المساعدة. إن حضوره في تلك المواقع يفضح الجغرافيا الطبقية للمدينة ويحوّل الرصيف إلى خريطة اجتماعية مفتوحة.
ولعل أكثر ما يميز المرحلة الراهنة هو انتقال الشعور بعدم الأمان الاجتماعي من الطبقات الفقيرة إلى شرائح أوسع بكثير. فالموظف الصغير، والعامل الموسمي، وصاحب المشروع المتعثر، والمتقاعد محدود الدخل، جميعهم أصبحوا يشعرون بأن المسافة بينهم وبين الهشاشة أقصر مما كانت عليه في الماضي. وهذه الحالة من القلق الجماعي تشكل التربة التي تنمو فيها ظواهر البؤس المختلفة.
إن المجتمع الذي يخشى فيه ملايين الناس السقوط في الفقر عند أول أزمة صحية أو اقتصادية أو عائلية هو مجتمع يعيش هشاشة بنيوية حتى لو بدت بعض مؤشراته الاقتصادية إيجابية. فالأرقام الكلية قد تخفي وراءها هشاشة يومية واسعة النطاق لا تظهر إلا في تفاصيل الحياة العادية.
ومن هذا المنظور، فإن التسوّل لا يمثل فقط أقصى درجات الحرمان، بل يمثل أيضا إنذارا مبكرا حول الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع. إنه يشير إلى اتساع المناطق الواقعة بين الاندماج الكامل والإقصاء الكامل، حيث يعيش أفراد كثيرون في حالة توازن هش يمكن أن ينهار عند أول صدمة.
لهذا فإن دراسة التسوّل لا تقودنا في النهاية إلى فهم الفقراء وحدهم، بل إلى فهم طبيعة المجتمع كله: كيف يوزع المخاطر؟ وكيف يوزع الحماية؟ ومن يتحمل كلفة الأزمات؟ ومن يدفع ثمن الاختلالات الاقتصادية المتراكمة؟ تلك الأسئلة هي التي تجعل من ظاهرة تبدو فردية في ظاهرها مدخلا لفهم البنية العميقة للعلاقات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.

03/ التسوّل والاقتصاد السّياسي للشّفقة:

من القضايا التي قلّما تحظى بالاهتمام في تحليل ظاهرة التسوّل مسألة الشّفقة نفسها بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية. فالمتسوّل لا يطلب مالا فقط، بل يخاطب منظومة كاملة من المشاعر والقيم والتمثلات الراسخة داخل المجتمع. إنه يتحرك داخل اقتصاد رمزي قائم على استثارة التعاطف واستدعاء الإحساس بالذنب واستنهاض واجب الإحسان.
غير أن هذا الاقتصاد الرمزي لا ينشأ من فراغ. فهو يتوسع كلما تراجعت فكرة الحق وتقدمت فكرة الصدقة. فحين يحصل الإنسان على حاجاته الأساسية باعتبارها حقوقا اجتماعية، تتراجع الحاجة إلى استدرار العطف. أما حين تصبح الحاجات الأساسية رهينة المبادرات الفردية والإحسان الظرفي، فإن الشفقة تتحول إلى إحدى آليات توزيع الموارد داخل المجتمع.
وهنا يبرز تناقض جوهري. فالشفقة قد تخفف من قسوة الواقع بالنسبة إلى بعض الأفراد، لكنها لا تطرح سؤالا حول أسباب وجود ذلك الواقع أصلا. إنها تستجيب للنتائج دون أن تقترب من الأسباب. ولذلك كثيرا ما يتعايش الإحسان الواسع مع استمرار الفقر بل ومع ازدياده.
لقد عرف التاريخ الإنساني أشكالا متعددة من العطاء الخيري، لكن المجتمعات التي نجحت في تقليص الفقر لم تفعل ذلك عبر الصدقات وحدها، بل عبر تحويل الحاجات الأساسية إلى التزامات جماعية ومؤسساتية. فالفارق كبير بين مجتمع يمنح الفقير مساعدة مؤقتة ومجتمع يمنحه موقعا مستقرا داخل منظومة الحقوق.
ومن المظاهر اللافتة أيضا أن التسوّل يتكاثر غالبا في الفترات التي يضعف فيها الأفق الجماعي. فعندما تتراجع المشاريع الاجتماعية الكبرى وتضمحل الثقة في إمكان التغيير، يزداد ميل الأفراد إلى البحث عن حلول فردية لمشكلاتهم اليومية. عندها لا يعود السؤال: كيف نغير شروط الحياة؟ بل يصبح: كيف ننجو اليوم؟
إن هذا الانتقال من التفكير الجماعي إلى استراتيجيات النجاة الفردية يمثل أحد أبرز أعراض الأزمات الاجتماعية الممتدة. فالمجتمع الذي يفقد ثقته في قدرته على إصلاح أوضاعه يتحول تدريجيا إلى مجموعة من الأفراد المنهمكين في تدبير بقائهم الخاص.
كما أن انتشار التسوّل يكشف عن تحولات عميقة في العلاقة بين الإنسان والفضاء العام. فالشارع الذي كان فضاء للتبادل والتنقل والعمل والاحتجاج يتحول بالنسبة إلى بعض الفئات إلى مصدر رزق مباشر. وهنا تتغير وظيفة المجال العمومي نفسه. فالأرصفة والساحات ومداخل المؤسسات لا تعود مجرد أماكن عبور، بل تصبح مواقع اقتصادية لها قيمتها الخاصة داخل استراتيجيات البقاء.
ومن زاوية سوسيولوجية أخرى، يمكن النظر إلى التسوّل باعتباره شكلا من أشكال الظهور الاجتماعي القسري. فالفئات المهمشة غالباً ما تكون غير مرئية داخل الإحصاءات والخطابات الرسمية ووسائل الإعلام. لكن المتسوّل يفرض حضوره المباشر على المجال العام. إنه يذكّر المارة يوميا بوجود عالم اجتماعي كامل يقع خارج دوائر الرفاه والاستقرار.
وهذا ما يفسر أحيانا التوتر الذي يثيره وجوده. فالمشكلة ليست دائما في طلب المساعدة ذاته، بل في ما يمثله من تذكير مستمر بالتفاوتات التي يفضل كثيرون تجاهلها. إن المتسوّل يكسر الوهم القائل إن المجتمع يسير بانسجام كامل، ويعيد إلى الواجهة الأسئلة التي تحاول الخطابات الرسمية إبعادها عن الأنظار.
ومن المفارقات اللافتة أن المجتمعات المعاصرة تمتلك وسائل غير مسبوقة لقياس الثروة والإنتاج والاستهلاك، لكنها تعجز في أحيان كثيرة عن قياس الخسائر الإنسانية الناتجة عن الإقصاء الاجتماعي. فالميزانيات تحصي الأرباح والخسائر المالية بدقة، لكنها لا تحصي ما يكفي من الانكسارات الفردية التي تدفع أشخاصا إلى فقدان مواقعهم الاجتماعية والانحدار نحو الهامش.
إن التسوّل في هذا المعنى ليس مجرد حالة اقتصادية، بل تجربة اجتماعية كاملة تتضمن فقدان المكانة والاستقلالية والقدرة على التخطيط للمستقبل. ولذلك فإن خطورته لا تكمن فقط في الفاقة المادية، بل في ما يرافقها من تآكل للشعور بالقدرة على التحكم في المصير الشخصي.
لهذا فإن أي مشروع تحرري جدي لا يمكن أن يكتفي بتخفيف آثار الظاهرة، بل عليه أن يتساءل عن الشروط التي تجعل إنسانا ما مضطرا إلى تحويل حاجته الخاصة إلى عرض يومي أمام الغرباء. فالمجتمع الذي يضطر فيه الفرد إلى عرض هشاشته على الملأ كي يضمن بقاءه، هو مجتمع لم يحسم بعد مسألة الكرامة الاجتماعية بوصفها حقا عاما للجميع.

04/ التسوّل والمدينة النيوليبرالية: حين يصبح الفضاء العام مرآة للفرز الطبقي:

إذا كانت الأشكال القديمة للفقر ترتبط غالبا بندرة الموارد وضعف الإنتاج، فإن الفقر المعاصر يرتبط على نحو متزايد بكيفية تنظيم المجال الاجتماعي نفسه. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمن يملك ومن لا يملك، بل أيضا بمن يحق له الوجود في فضاءات معينة ومن يُدفع إلى أطرافها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لقد شهدت المدن خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة تحت تأثير السياسات النيوليبرالية. فالمراكز الحضرية لم تعد تُدار بوصفها فضاءات جماعية مخصصة لجميع السكان، بل بوصفها مجالات استثمارية تخضع لمعايير الربحية والجاذبية المالية. وأصبح التخطيط العمراني في كثير من الحالات موجها نحو استقطاب الرساميل والسياحة والاستهلاك أكثر من توجيهه نحو ضمان الحق في المدينة لجميع الفئات الاجتماعية.
في هذا السياق، يظهر المتسوّل كشخصية مزعجة للنظام الرمزي للمدينة الحديثة. فهو لا ينسجم مع الصورة المصقولة التي تسعى السلطات المحلية والشركات العقارية إلى تسويقها. إن وجوده يفضح ما تحاول الواجهات الزجاجية والإعلانات المضيئة إخفاءه: وجود فئات مستبعدة من الثروة التي تنتجها المدينة نفسها.
ولهذا السبب نلاحظ في عديد التجارب العالمية انتقال السياسات الحضرية من معالجة أسباب الفقر إلى إدارة مظاهره. فبدلا من التساؤل عن جذور التهميش، يجري التركيز على كيفية إبعاد المتسوّلين والمشرّدين عن المناطق التجارية والسياحية. وهكذا تتحول المشكلة الاجتماعية إلى مشكلة بصرية، ويصبح المطلوب إخفاء الفقر لا إنهاءه.
إن هذا المنطق يكشف عن تحوّل مهم في وظيفة السلطة. فبدلاً من تقليص اللامساواة، يجري تنظيمها مكانيا. فالأحياء المرفهة تُحاط بالخدمات والبنية التحتية والأمن والاستثمارات، بينما تُترك الأحياء الشعبية لمواجهة التدهور التدريجي للمرافق والفرص الاقتصادية. ومع مرور الزمن يتكرس نوع من الفصل الاجتماعي غير المعلن داخل المدينة الواحدة.
وفي هذا الإطار يصبح التسوّل أحد أعراض "الطرد الاجتماعي". فالمتسوّل ليس فقط شخصا يعاني ضائقة مالية، بل هو غالبا فرد تم دفعه خارج دوائر عديدة في الوقت نفسه: خارج سوق الشغل المستقر، وخارج الاستهلاك المنظم، وخارج شبكات النفوذ والتمثيل، وأحيانا خارج الاعتراف الاجتماعي ذاته.
وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن اللامساواة لا تتعلق بالمال فقط، بل تشمل ما سماه الرأسمال الثقافي والرأسمال الاجتماعي والرأسمال الرمزي. ومن هذه الزاوية يمكن فهم التسوّل بوصفه نتيجة تراكم أشكال متعددة من الحرمان. فالفرد لا يفقد مورده المالي فقط، بل يفقد أيضا شبكات العلاقات والقدرة على التأثير ومصادر الحماية والاعتراف.
ومن اللافت أن الفئات الأكثر عرضة للتسوّل غالبا ما تكون تلك الواقعة عند تقاطع عدة أشكال من الهشاشة: كبار السن المعزولون، ذوو الإعاقات غير المتمتعين بحماية كافية، النساء اللواتي يتحملن أعباء الإعالة منفردات، والأفراد الذين تعرضوا لقطائع اجتماعية حادة بسبب الهجرة أو النزوح أو التفكك الأسري. هنا لا يظهر الفقر كحادثة منفصلة، بل كحصيلة لمسار طويل من التراكمات غير المتكافئة.
كما تكشف الظاهرة عن خلل في مفهوم النجاح الذي تروّج له المجتمعات المعاصرة. فالثقافة السائدة تميل إلى تصوير النجاح بوصفه مسؤولية فردية خالصة، وكأن كل إنسان يمتلك الشروط نفسها والفرص نفسها ونقاط الانطلاق نفسها. ونتيجة لذلك يجري التعامل مع الفشل الاجتماعي باعتباره فشلا شخصيا لا تعبيرا عن اختلالات بنيوية.
لكن المتسوّل يقف عمليا كاعتراض حي على هذه الرواية. فهو يذكّر بأن المسارات الاجتماعية لا تُصنع بالإرادة الفردية وحدها، بل تتأثر بالبنى الاقتصادية والسياسات العامة وتوزيع الفرص والموارد. إن وجوده ينقض أسطورة الاستحقاق المطلق التي تحاول إخفاء أثر التفاوتات الموروثة.
ومن جهة أخرى، يسلط انتشار التسوّل الضوء على أزمة التمثيل السياسي للفئات الدنيا. فالمجموعات الأكثر هشاشة غالباً ما تكون الأقل قدرة على تنظيم نفسها والدفاع عن مصالحها والتأثير في القرار العمومي. ولذلك تتراكم مشكلاتها بصمت، بينما تحظى مصالح الفئات الأقوى بحضور أكبر داخل دوائر النفوذ وصناعة السياسات.
إن المجتمع الذي تتسع فيه ظاهرة التسوّل لا يواجه فقط مشكلة توزيع الدخل، بل يواجه أيضاً أزمة توزيع الصوت والقدرة على التأثير. فالتفاوت الاقتصادي يتحول تدريجيا إلى تفاوت سياسي، ثم يعيد إنتاج نفسه في دورة متواصلة من الإقصاء.
لهذا فإن تحليل التسوّل يقود في النهاية إلى سؤال أوسع بكثير من الفقر نفسه: من يملك الحق في المدينة؟ ومن يملك الحق في الموارد المشتركة؟ ومن يملك الحق في أن يُسمع صوته عندما تُرسم السياسات التي تحدد مصير المجتمع؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف البنية الحقيقية للعلاقات الاجتماعية وراء المشهد اليومي لرجل أو امرأة يمدّان أيديهما في الطريق العام.

05/ التسوّل وتحوّل الإنسان إلى فائض اجتماعي:

من أخطر الدلالات التي تحملها ظاهرة التسوّل في عصرنا أنها تكشف عن ظهور فئات بشرية كاملة لم يعد النظام الاقتصادي يعرف ماذا يفعل بها. ففي مراحل سابقة من التاريخ كانت المجتمعات تحتاج تقريبا إلى جميع طاقاتها البشرية في الزراعة أو الصناعة أو الأشغال الكبرى أو الحروب أو التوسع العمراني. أما اليوم، فإن التقدم التقني المتسارع وتراكم الرساميل وارتفاع إنتاجية العمل أوجدت مفارقة تاريخية غريبة: المجتمع ينتج أكثر من أي وقت مضى، لكنه يحتاج إلى عدد أقل من البشر لإنتاج هذه الثروة.
هنا يبرز سؤال جوهري: ماذا يحدث لأولئك الذين لم يعد السوق في حاجة إليهم؟
إن جزءا من الإجابة يمكن رؤيته في الشوارع. فالتسوّل ليس مجرد انعكاس للفقر، بل قد يكون في بعض الحالات التعبير النهائي عن فقدان الوظيفة الاجتماعية داخل النظام القائم. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى الغذاء والمسكن، بل يحتاج أيضا إلى الشعور بأنه يؤدي دورا معترفا به داخل الجماعة. وعندما يُحرم من هذا الاعتراف لفترات طويلة، تتعرض علاقته بنفسه وبالعالم إلى تصدعات عميقة.
لقد كان العمل، رغم كل ما يحيط به من استغلال وتفاوت، يشكل بالنسبة إلى ملايين البشر وسيلة للاندماج الاجتماعي. فمن خلاله يكتسب الفرد شبكة علاقات، وإحساسا بالجدوى، وموقعا معلوما داخل المجتمع. لكن حين تتسع دوائر الإقصاء الاقتصادي، لا يفقد الإنسان دخله فقط، بل يفقد أيضا جزءا من تعريفه لذاته.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التسوّل باعتباره أحد أشكال "الوجود المعلّق". فالمتسوّل حاضر جسديا في قلب المجتمع، لكنه غائب عن آلياته الأساسية. يراه الجميع، لكنه لا يشارك فعليا في صنع القرارات أو الثروة أو الاتجاهات الكبرى التي تحدد مصير الجماعة. إنه موجود على الهامش الدائم للحياة العامة.
وتتجلى هذه المعضلة بوضوح في المجتمعات التي تعاني من بطالة مزمنة لدى الشباب. فحين يقضي الشاب سنوات طويلة في الدراسة ثم يجد الأبواب موصدة أمامه، تبدأ الثقة في المؤسسات بالتآكل تدريجيا. ومع الزمن يتحول الإحباط الفردي إلى ظاهرة جماعية تنتج أشكالا مختلفة من الانسحاب الاجتماعي أو الهجرة أو الاقتصاد غير المنظم أو التسوّل.
وهنا تبرز مفارقة أخرى. فالمجتمع ينفق موارد هائلة على التعليم والتكوين، لكنه يعجز عن استثمار الطاقات التي أنتجها بنفسه. وبذلك تتحول الكفاءات المعطلة إلى خسارة مزدوجة: خسارة للأفراد الذين حُرموا من تحقيق إمكاناتهم، وخسارة للمجتمع الذي أهدر موارده البشرية.
كما أن انتشار التسوّل يطرح مسألة العلاقة بين الإنسان والقيمة. ففي المجتمعات الاستهلاكية المعاصرة يُقاس الأفراد في كثير من الأحيان بقدرتهم على الشراء والامتلاك والإنفاق. وكلما تراجعت هذه القدرة تراجع الاعتراف الاجتماعي بهم. وبهذا المعنى يصبح الفقر أكثر من مجرد نقص مادي؛ إنه فقدان تدريجي للمرئية الاجتماعية.
إن المتسوّل لا يعاني فقط من قلة الموارد، بل يواجه أيضا نظرات الشفقة أو الريبة أو التجاهل. وهذه المواقف المتناقضة تكشف أن المجتمع لم يحسم علاقته بالفئات المهمشة. فهو يتأرجح بين التعاطف معها والخوف منها، بين الرغبة في مساعدتها والرغبة في الابتعاد عنها، بين الاعتراف بوجودها والرغبة في محوها من المشهد.
ومن جهة أخرى، يطرح التسوّل سؤالا حول معنى التقدم نفسه. فكيف يمكن الحديث عن التقدم بوصفه مسارا خطيا نحو الأفضل بينما تتزايد أعداد الأشخاص غير القادرين على تأمين أبسط شروط العيش؟ وكيف يمكن الاحتفاء بمؤشرات النمو إذا كانت ثمارها لا تصل إلى قطاعات واسعة من السكان؟
إن معيار التقدم لا يقاس فقط بما تنتجه المجتمعات من سلع وتقنيات، بل أيضا بقدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة من السقوط في العوز. فالتاريخ لا يُكتب فقط من منظور الأبراج والمصانع والأسواق المالية، بل يُكتب أيضا من منظور أولئك الذين تُركوا خارج هذه المنظومات.
ولذلك فإن التسوّل يضعنا أمام معضلة فلسفية وسياسية عميقة: هل يُنظر إلى الإنسان باعتباره قيمة في ذاته أم باعتباره مجرد أداة إنتاج واستهلاك؟ فإذا كانت كرامة الفرد مرتبطة فقط بقدرته على تحقيق الربح أو المنافسة الاقتصادية، فإن كل من يتعثر سيجد نفسه مهددا بالإقصاء. أما إذا كانت الكرامة حقا أصيلا وغير مشروط، فإن المجتمع يصبح ملزما بإيجاد السبل التي تحول دون انحدار أفراده إلى حالة الحاجة العلنية.
ومن هنا فإن المتسوّل لا يمثل فقط ضحية لظروفه الخاصة، بل يمثل اختبارا يوميا للقيم التي يدّعي المجتمع الدفاع عنها. فطريقة التعامل مع الأضعف تكشف في النهاية طبيعة النظام الاجتماعي أكثر مما تكشفه الخطب الرسمية أو الشعارات السياسية أو المؤشرات الاقتصادية المجردة.

•ما قبل الخاتمة: حين يصبح التسوّل سؤالا موجها إلى المجتمع كله:

ربما يكون الخطأ الأكبر في تناول ظاهرة التسوّل هو النظر إليها من مستوى الأرض فقط؛ من مستوى اليد الممدودة والقطعة النقدية والنظرة العابرة التي تستغرق ثواني معدودة ثم تنتهي. فالتسوّل، في حقيقته العميقة، ليس حدثا يقع بين شخصين في رصيف أو ساحة أو مفترق طرق، بل هو حوار صامت بين المجتمع ونفسه.
إن المتسوّل لا يقف خارج التاريخ، بل في قلبه. إنه ليس بقايا ماض لم يندثر بعد، بل أحد منتجات الحاضر نفسه. وكل عصر يخلق متسوّليه على صورته. ففي العصور الإقطاعية وُلد متسوّلو المجاعات والحروب والطواعين. وفي الأزمنة الاستعمارية ظهر متسوّلو النهب الإمبراطوري والتجريد من الأرض والموارد. أما في عصر العولمة الراهن، فإن التسوّل يحمل بصمات التفاوت الكوني، وحركة الرساميل العابرة للحدود، وتآكل الضمانات الاجتماعية، واختلال موازين القوة بين العمل والثروة.
لقد قال الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين: «لا توجد وثيقة حضارة إلا وتحمل في الوقت نفسه وثيقة بربرية». ولعل مشهد المتسوّل في القرن الحادي والعشرين يجسد هذه الفكرة بأوضح صورها. ففي اللحظة التي تبلغ فيها البشرية مستويات مذهلة من التطور العلمي والتقني، يستمر ملايين البشر في البحث اليومي عن ما يسد الرمق أو يضمن النجاة إلى اليوم التالي. كأن التقدم يسير بسرعتين مختلفتين: سرعة هائلة للآلات، وسرعة بطيئة للعدالة.
وإذا كان الفلاسفة قد انشغلوا طويلا بمسألة الحرية، فإن ظاهرة التسوّل تذكّرنا بأن الحرية ليست مجرد حق قانوني أو شعار دستوري. فالإنسان الذي لا يملك وسائل عيشه الأساسية لا يكون حرا بالمعنى الكامل للكلمة. وقد لخّص جان جاك روسو جانبا من هذه المعضلة حين كتب: «بين القوي والضعيف، الحرية هي التي تضطهد والقانون هو الذي يحرر». فالمساواة الشكلية بين الناس تفقد معناها عندما تكون شروط الحياة نفسها موزعة بصورة غير متكافئة.
إن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور وموانئ ومناطق صناعية، بل أيضا بما تمنعه من انكسارات بشرية. فنجاح السياسات العامة لا يظهر فقط في نسب النمو والاستثمار، وإنما في قدرتها على تقليص عدد الذين يجدون أنفسهم خارج الحماية والاعتراف والأمل. فالأمم التي تعجز عن حماية أضعف فئاتها تظل تعيش تناقضا بين ما تعلنه من قيم وما تمارسه من وقائع.
وليس من المصادفة أن ترتبط موجات السخط الاجتماعي الكبرى في التاريخ غالبا بتراكم الإحساس بالإهانة أكثر من ارتباطها بندرة الموارد وحدها. فالناس يستطيعون احتمال الشدائد زمنا، لكنهم يجدون صعوبة أكبر في احتمال الشعور بأنهم غير مرئيين أو غير ذوي قيمة. ولذلك فإن التسوّل ليس مجرد مؤشر على الفاقة، بل قد يكون مؤشرا على تآكل الإحساس بالانتماء نفسه.
وقد كتب إدواردو غاليانو: «كثيرون يملكون الأشياء، وقليلون يملكون الحق في الحلم». وهذه العبارة تلامس جوهر المسألة. فالفقر الحقيقي لا يبدأ عندما ينقص الدخل فقط، بل عندما يضيق الأفق. عندما يصبح المستقبل نسخة مطولة من الحاضر. عندما يتحول الغد إلى مجرد تكرار ليوم الأمس. عندها يصبح البؤس حالة تاريخية لا ظرفا عابرا.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس ازدياد عدد المتسوّلين فحسب، بل اعتياد الجميع على وجودهم. فالتطبيع مع المأساة هو المرحلة التي تفقد فيها الظواهر قدرتها على إثارة الأسئلة. وعندما يتوقف الناس عن التساؤل، تبدأ أشكال اللامساواة في التحول إلى جزء من النظام الطبيعي للأشياء، رغم أنها نتاج قرارات وسياسات وعلاقات قوة قابلة للتغيير.
لقد قال برتولت بريشت: «هناك من يناضلون يوما، وهم جيدون. وهناك من يناضلون سنة، وهم أفضل. وهناك من يناضلون سنوات طويلة، وهم أعظم. لكن هناك من يناضلون طوال حياتهم، وهؤلاء لا غنى عنهم». وهذه المقولة لا تحيل فقط إلى النضال السياسي، بل إلى فكرة أوسع: أن الكرامة الإنسانية ليست منحة، بل ثمرة صراع تاريخي طويل من أجل الاعتراف والحقوق والعدالة.
وفي النهاية، لا يطرح التسوّل سؤالا حول الفقراء وحدهم، بل حول شكل المجتمع الذي نريد العيش فيه. هل نريد مجتمعا تُترك فيه الحياة رهينة الحظوظ الفردية وتقلبات السوق وموازين القوة؟ أم مجتمعا يعتبر أن لكل إنسان نصيبا غير قابل للمساومة من الكرامة والأمن الاجتماعي والمشاركة في الثروة المشتركة؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الكامن خلف كل يد ممدودة في الطريق. وهو سؤال لا يخص المتسوّل وحده، بل يخص العامل والموظف والعاطل والمتقاعد والطالب وصاحب الحرفة والمثقف. لأنه في النهاية سؤال يتعلق بالمصير الجماعي ذاته: أي عالم نبنيه؟ ولمن نبنيه؟ وعلى أي أساس أخلاقي وسياسي وإنساني سيقوم؟
وحين يُطرح هذا السؤال بجدية، تتجاوز ظاهرة التسوّل حدودها الظاهرية لتغدو مرآة ضخمة يرى المجتمع فيها صورته العميقة؛ لا كما يريد أن يبدو، بل كما هو بالفعل.

•خاتمة : التسوّل بوصفه شهادة اتهام ضد العصر:

في بعض الأزمنة كان المؤرخون يكتبون تاريخ الملوك والسلالات والحروب الكبرى. ثم جاء من يكتب تاريخ العمال والفلاحين والمهمشين. وربما سيأتي زمن يقرأ فيه الباحثون تاريخ بدايات القرن الحادي والعشرين من خلال ظواهر تبدو للوهلة الأولى هامشية، لكنها في الواقع تكشف جوهر المرحلة أكثر مما تكشفه الخطب الرسمية والتقارير الاقتصادية. ومن بين هذه الظواهر يقف التسوّل باعتباره وثيقة اجتماعية مفتوحة، وسجلا يوميا للأعطاب المتراكمة في بنية العالم المعاصر.
إن المجتمعات لا تنكشف حقيقتها في لحظات الاحتفال، بل في لحظات العجز. ولا تقاس قيمتها بما تقوله عن نفسها، بل بما تفعله عندما ينهار الأفراد تحت وطأة الحاجة. فالمؤسسات، والقوانين، والخطط التنموية، والبرامج الاقتصادية، كلها تُختبر في النهاية عند الحدود القصوى للضعف الإنساني. هناك، حيث لا يبقى للإنسان سوى جسده وصوته وحاجته، تبدأ الحقيقة في الظهور مجردة من البلاغة والشعارات.
لقد كتب الفيلسوف المجري جورج لوكاش أن المجتمع يجب أن يُفهم من خلال تناقضاته لا من خلال مظاهره السطحية. ومن هذا المنظور لا يصبح المتسوّل شخصية هامشية في المشهد الاجتماعي، بل نقطة تركيز تتجمع فيها تناقضات عديدة دفعة واحدة: الثروة إلى جانب الحرمان، الوفرة إلى جانب العوز، الإنتاج الهائل إلى جانب العجز عن تلبية الحاجات الأساسية، الخطاب الحقوقي إلى جانب الواقع المعيش.
ولعل أحد أكثر مظاهر العصر إثارة للتأمل هو أن البشرية استطاعت أن تختصر المسافات بين القارات، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تقليص المسافات بين الطبقات. فبينما تنتقل الأموال والبيانات والبضائع بسرعة الضوء تقريبا، ما تزال أعداد هائلة من البشر عالقة في دوائر الفاقة والهشاشة وانعدام اليقين. كأن التقدم التقني يركض إلى الأمام، فيما يظل التقدم الاجتماعي يتعثر خلفه.
وقد قال المفكر البرازيلي باولو فريري: «غسل الأيدي من الصراع بين القوي والضعيف يعني الانحياز إلى القوي». وهذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى التسوّل. فالمسألة ليست مسألة تعاطف فردي فحسب، بل مسألة موقع داخل شبكة العلاقات الاجتماعية. إذ لا يمكن فهم الفقر بمعزل عن آليات إنتاجه، ولا فهم الهشاشة بمعزل عن موازين القوة التي تجعل بعض الفئات أكثر تعرضا لها من غيرها.
ومن الملاحظ أن المجتمعات الحديثة طورت قدرة هائلة على إدارة الأزمات المالية، لكنها أقل كفاءة في إدارة الأزمات الإنسانية. فعندما تهتز الأسواق تتحرك البنوك المركزية والحكومات والمؤسسات الدولية بسرعة لاحتواء الخسائر. أما عندما تهتز حياة الملايين بفعل البطالة أو الغلاء أو التهميش، فإن الاستجابة تكون أبطأ وأكثر ترددا وأقل طموحا. وهذا الاختلال في ترتيب الأولويات يكشف الكثير عن طبيعة المنظومات السائدة.
كما أن ظاهرة التسوّل تطرح سؤالاً أخلاقيا بالغ العمق يتعلق بمعنى القيمة البشرية. فهل تُقاس قيمة الإنسان بما ينتجه؟ أم بما يملكه؟ أم بموقعه داخل السوق؟ أم أن للإنسان قيمة تسبق كل هذه الاعتبارات؟ إن الإجابة العملية التي تقدمها المجتمعات لهذا السؤال أهم بكثير من الإجابات النظرية التي تكتب في الدساتير أو تردد في المناسبات الرسمية.
لقد قال المهاتما غاندي: «يمكن الحكم على عظمة أمّة من خلال الطريقة التي تعامل بها أضعف أفرادها». ورغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية، فإن هذه العبارة ما تزال تحتفظ بقوة تفسيرية كبيرة. لأن الهامش يكشف المركز، ولأن مصير الأضعف يفضح طبيعة النظام الذي يعيشون داخله أكثر مما تفضحه تصريحات النخب الحاكمة أو مصالح الفئات المهيمنة.
ومن جهة أخرى، فإن التسوّل يكشف حدود الفكرة الشائعة القائلة إن النمو الاقتصادي وحده كفيل بحل المشكلات الاجتماعية. فالتجارب التاريخية أظهرت أن الثروة قد تتراكم دون أن تتوزع، وأن الاقتصاد قد يتوسع دون أن تتوسع معه فرص الكرامة. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم ما يُنتج، بل بكيفية اقتسام ما يُنتج، ومن يقرر ذلك، ولصالح من يتم ذلك.
وليس من قبيل المصادفة أن ترتبط لحظات النهوض الاجتماعي الكبرى في التاريخ بظهور مطالب تتجاوز الإحسان إلى العدالة، وتتجاوز المساعدة إلى الحقوق، وتتجاوز الرأفة إلى المساواة. فالفارق بين المنطقين شاسع: الأول يترك مصير الإنسان معلقا على إرادة الآخرين، والثاني يمنحه مكانة ثابتة داخل الجماعة السياسية.
إن المجتمعات التي تتقدم فعلا ليست تلك التي تنجح في إخفاء الفقر عن الأنظار، بل تلك التي تنجح في تقليص أسبابه. وليست تلك التي تكثر فيها حملات الإغاثة المؤقتة، بل تلك التي تجعل الإغاثة أقل ضرورة بفضل اتساع الحماية الاجتماعية والفرص الاقتصادية والحقوق المضمونة. فالمعيار الحقيقي لأي تقدم يكمن في عدد الذين لم يعودوا مضطرين إلى طلب النجدة أصلا.
وفي آخر المطاف، يبقى التسوّل سؤالا مفتوحا لا عن الفقراء وحدهم، بل عن معنى الحضارة ذاتها. فما قيمة الإنجازات الكبرى إذا بقي الإنسان عاجزا عن ضمان الحد الأدنى من الأمان الوجودي؟ وما معنى الحداثة إذا كان الخوف من الغد يلاحق قطاعات واسعة من السكان؟ وما معنى الديمقراطية إذا ظلت قطاعات كاملة من المجتمع غائبة عن الثروة والقرار والاعتراف؟
لهذا كله، فإن المتسوّل الذي يمر به الناس كل يوم ليس مجرد فرد في وضعية صعبة، بل هو شاهد تاريخي صامت. شاهد على ما تحقق، وعلى ما لم يتحقق. شاهد على الوعود التي أوفت بها المجتمعات، وعلى الوعود التي تخلت عنها. شاهد على المسافة الفاصلة بين عالم ممكن أكثر عدالة وعالَم قائم ما يزال عاجزا عن تحويل الكرامة الإنسانية من شعار أخلاقي إلى واقع معاش.
وحين ينظر المؤرخون مستقبلا إلى هذا العصر، فقد لا يتذكرون فقط أسماء القادة والشركات والحروب والأزمات المالية، بل قد يتوقفون أيضا عند ذلك السؤال البسيط والمزلزل الذي ظل معلقا فوق الأرصفة والساحات والطرقات: كيف استطاع عالم يملك كل هذه الثروة أن يترك كل هذا العدد من البشر على حافة الحاجة؟

•ما بعد الخاتمة : المتسوّل على عتبة المستقبل:

ثمة ظواهر اجتماعية تنتمي إلى الماضي حتى وإن استمرت في الحاضر، وثمة ظواهر أخرى تنتمي إلى المستقبل لأنها تكشف مبكرا عن الاتجاه الذي تسير إليه المجتمعات. والتسوّل، في كثير من وجوهه المعاصرة، ينتمي إلى هذا الصنف الثاني. فهو لا يخبرنا فقط عما حدث، بل عما يمكن أن يحدث. إنه ليس أثرا خلفته أزمة وانتهت، بل إشارة إنذار معلقة على أبواب الغد.
لقد اعتاد الفكر السياسي، منذ قرون، أن يطرح سؤال توزيع السلطة. ثم أضيف إليه سؤال توزيع الثروة. لكن القرن الحادي والعشرين يفرض سؤالا آخر لا يقل خطورة: كيف ستوزع المجتمعات الأمان الوجودي؟ أي كيف ستضمن للإنسان الحد الأدنى من الاستقرار في عالم تتسارع فيه التحولات التقنية والاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة؟
إن ملايين البشر يعيشون اليوم داخل ما يمكن تسميته "حافة السقوط". ليسوا بالضرورة معدمين، وليسوا بالضرورة خارج المجتمع، لكنهم يحيون في منطقة ضبابية بين الاطمئنان والخوف. وظيفة واحدة مفقودة، مرض مفاجئ، أزمة اقتصادية، كارثة طبيعية، حرب بعيدة تنعكس على الأسعار، قرار مالي تتخذه مؤسسات لا يعرفون أسماءها؛ وقد يجدون أنفسهم في وضع مختلف تماما عما كانوا عليه بالأمس.
وهنا تكمن إحدى الحقائق الكبرى لعصرنا: الهشاشة لم تعد استثناء، بل أصبحت عنصرا بنيويا في حياة أعداد واسعة من الناس.
لقد كتب الفيلسوف الفرنسي إدغار موران: «اللايقين هو قدر الإنسانية». غير أن الفرق كبير بين اللايقين بوصفه حقيقة وجودية عامة، واللايقين بوصفه سياسة اجتماعية تُترك فيها الجماعات البشرية تحت رحمة التقلبات. فالمجتمعات المتقدمة ليست تلك التي تلغي المخاطر، بل تلك التي تمنع المخاطر من التحول إلى كوارث فردية وجماعية.
ومن هذه الزاوية، يبدو التسوّل كأنه آخر درجات الانكشاف الاجتماعي. اللحظة التي تنفد فيها الاحتياطات كافة: احتياط المال، واحتياط العلاقات، واحتياط المؤسسات، واحتياط الفرص. عندها لا يبقى للفرد سوى مواجهة العالم مباشرة بضعفه العاري.
لكن الظاهرة تحمل معنى آخر أكثر عمقا. إنها تذكّر بأن أي مجتمع، مهما بلغ من القوة أو الغنى أو الاستقرار، يظل معرضا لإنتاج هوامشه الخاصة. فلا توجد منظومة اقتصادية أو سياسية محصنة تلقائيا ضد التفاوت أو الإقصاء. ولهذا فإن العدالة ليست حالة تُنجز مرة واحدة، بل عملية مستمرة من المراجعة والتصحيح والمساءلة.
وقد قال الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت: «أخبرني كيف تنظر إلى المشكلة أقل لك من أنت». وهذه العبارة تصلح معيارا لفهم المجتمعات نفسها. فبعضها يرى في الفقر عيبا فرديا، وبعضها يراه قدرا أزليا، وبعضها يعتبره نتيجة لعلاقات اجتماعية قابلة للتغيير. والفرق بين هذه الرؤى ليس نظريا فحسب، بل يحدد شكل السياسات والمؤسسات والخيارات الجماعية.
إن الحضارات الكبرى لم تُخلَّد لأنها كانت الأقوى عسكريا أو الأغنى ماديا فقط، بل لأنها نجحت في إنتاج تصورات جديدة للإنسان ولمكانته داخل الجماعة. وكل مرحلة تاريخية كانت تُقاس في النهاية بمدى توسيعها لدائرة الكرامة والحقوق والاعتراف.
ولعل السؤال الذي سيواجه المجتمعات خلال العقود المقبلة لن يكون فقط كيف تنتج المزيد من الثروة، بل كيف تمنع تحوّل البشر إلى ضحايا جانبيين لمسار الإنتاج ذاته. فمع الأتمتة والذكاء الاصطناعي والتحولات المناخية وإعادة تشكيل أسواق العمل، ستصبح قضية الإدماج الاجتماعي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
لقد قال الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ: «الأمل ليس تنبؤا، بل موقف». وهذه العبارة تكتسب أهمية خاصة هنا. فمستقبل المجتمعات لا تحدده الاتجاهات الاقتصادية وحدها، بل تحدده أيضا الإرادة الجماعية في مقاومة ما يبدو حتميا. فما يُقدَّم أحيانا باعتباره قدرا ليس سوى نتيجة خيارات بشرية يمكن مراجعتها واستبدالها بخيارات أخرى.
إن التسوّل، في نهاية المطاف، ليس مجرد مسألة تخص من يمارسونه. إنه اختبار متواصل لفكرة المجتمع نفسها. اختبار لمعنى التضامن، ولمعنى المواطنة، ولمعنى الانتماء إلى مصير مشترك. فحين يعجز مجتمع عن رؤية نفسه في أضعف أفراده، فإنه يفقد جزءا من قدرته على فهم ذاته.
وقد كتب ألبير كامو: «كل ازدراء للبشرية يهيئ للجريمة». ويمكن إضافة أن كل لامبالاة منظمة تجاه التهميش تهيئ لأزمات أكبر في المستقبل. لأن ما يُترك اليوم على الهامش لا يبقى دائما هناك؛ إنه يعود في صورة توترات اجتماعية، أو انفجارات سياسية، أو فقدان للثقة، أو تآكل للروابط التي تجعل الجماعة البشرية مجتمعاً لا مجرد تجمع أفراد.
وهكذا، فإن المتسوّل الجالس عند زاوية شارع ليس فقط ابن ماض من الحرمان، بل قد يكون رسولا غير مقصود من المستقبل. إنه يذكّرنا بأن المجتمعات تُبنى أو تتفكك وفق الطريقة التي تتعامل بها مع الهشاشة البشرية. وأن السؤال الأعظم الذي يواجه أي أمّة ليس كم راكمت من الثروات، ولا كم شيدت من الأبراج، ولا كم حققت من نسب النمو، بل أي نوع من الحياة جعلته ممكنا للناس الذين يعيشون تحت سمائها.
ذلك هو السؤال الذي سيبقى مطروحا ما بقيت البشرية تبحث عن معنى العدالة، وما بقي الإنسان يطالب بأن يُعامل لا كرقم في جداول الاقتصاد، بل كغاية في ذاته، وككائن يستحق مكانا آمنا في العالم.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية ...
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...
- في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو ...
- الطبيعة الطبقية للديمقراطية
- عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال ...
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ...


المزيد.....




- فيديو لمستوطنين وجندي إسرائيلي يضربون فلسطينيين حتى فقد أحده ...
- ترامب: لم أعد بضمان عدم اندلاع حروب
- ترامب: المفاوضات مع إيران تركزت على سد -ثغرة- بشأن برنامجها ...
- -لغة القوة-.. قاليباف يعلق بعد قصف إسرائيل الضاحية الجنوبية ...
- إسرائيل تواجه ارتفاعاً غير مسبوق في عدد الإصابات النفسية بين ...
- لماذا تتزايد الانتقادات الأمريكية للسياسات الأوروبية؟
- ديفيد لامي يرد على فانس ويصف تصريحاته بشأن الهجرة بأنها -خطأ ...
- 10 قتلى فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزة بينهم مدنيون وض ...
- قبيل اجتماع لندن.. ضربات روسية قرب تشيرنوبل وموسكو تسقط مئات ...
- خبير عسكري: النبطية فخ إستراتيجي لإسرائيل ومعركة استنزاف مكل ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة الفائض البشري