أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية واستعادة أفق التحرر.















المزيد.....



من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية واستعادة أفق التحرر.


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 04:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ عقود طويلة، ظل اليسار العربي يعيش توترا نظريا بين مرجعيتين كبيرتين: مرجعية التنوير والحداثة من جهة، ومرجعية مقاومة الاستعمار والهيمنة الغربية من جهة أخرى. وقد بدا هذا التوتر أكثر حدة مع صعود الأدبيات الديكولونيالية التي وجدت صدى واسعا لدى العديد من المثقفين العرب الباحثين عن أدوات جديدة لفهم التبعية والتخلف والاستبداد.
لقد قدمت الديكولونيالية مساهمة مهمة حين كشفت أن الحداثة الأوروبية لم تكن معجزة داخلية نشأت في فراغ تاريخي، بل ارتبطت عضويا بالتوسع الاستعماري ونهب الثروات وإخضاع الشعوب. كما بينت أن أوروبا لم تكن مركز العالم الطبيعي بل تحولت إلى مركزه السياسي والثقافي بفعل علاقات القوة التي نشأت منذ القرن السادس عشر.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا النقد المشروع للمركزية الأوروبية إلى رفض شامل للحداثة ذاتها. هنا تقع بعض تيارات اليسار العربي في مأزق خطير. فبدل التمييز بين الحداثة بوصفها تجربة تاريخية مركبة تحتوي على الهيمنة كما تحتوي على إمكانات التحرر، يجري اختزالها كلها في الاستعمار والرأسمالية والإمبريالية.
في هذه الحالة يصبح فولتير وكانط وروسو وهيغل وماركس مجرد وجوه مختلفة للمستعمر الأوروبي، وتصبح الديمقراطية وحقوق الإنسان والعقلانية والعلم والعلمانية مجرد أدوات للسيطرة الثقافية الغربية. وهنا يتحول النقد إلى إنكار، والتحليل إلى رد فعل ثقافوي.
لقد عرف اليسار العربي، وخاصة بعد هزائم المشروع القومي العربي وانهيار التجارب الاشتراكية العالمية، نزوعا متزايدا نحو خطاب الهوية. فبدل التركيز على علاقات الإنتاج والعدالة الاجتماعية والصراع الطبقي، بدأ جزء منه يبحث عن خلاصه في استعادة الخصوصيات الثقافية أو الدينية أو الحضارية.
وفي تونس تحديدا، برز هذا التحول بأشكال متعددة. فمن جهة ظل قسم من اليسار أسير تصور حداثوي تبسيطي يعتبر أن المجتمع التونسي لا يحتاج إلا إلى المزيد من التحديث على النموذج الأوروبي. ومن جهة أخرى انجذب بعض المثقفين المحسوبين على اليسار إلى خطابات تمجد الخصوصية المحلية أو المتوسطية أو الأمازيغية أو العربية أو الإفريقية بوصفها بدائل مكتملة للحداثة.
وفي الحالتين يتم إهمال السؤال الاجتماعي.
فالعامل الزراعي في جندوبة، والعاطل عن العمل في قفصة، والعاملة الهشة في مصانع الساحل، وصغار الفلاحين في الشمال الغربي، وسكان الأحياء الشعبية في العاصمة، لا يعيشون التهميش لأنهم ضحايا مركزية أوروبية فحسب، بل لأنهم ضحايا بنية اقتصادية واجتماعية محلية تنتج اللامساواة يوميا.
إن اختزال كل المظالم في الاستعمار القديم أو في الهيمنة الثقافية الغربية يجعلنا عاجزين عن رؤية أشكال الاستغلال التي تنتجها الطبقات الحاكمة المحلية نفسها. فالرأسمالي التونسي الذي يراكم الثروة من عرق العمال ليس موظفا لدى أوروبا بالضرورة، والبيروقراطي الفاسد الذي يحتكر النفوذ لا يفعل ذلك باسم الاستعمار، والسلطات التي همشت الجهات الداخلية لعقود لم تكن تحتاج إلى أوامر مباشرة من باريس أو واشنطن كي تفعل ذلك.
هنا تظهر أهمية النقد الذي يوجهه كاسترو غوميز لبعض الاتجاهات الديكولونيالية. فحين تصبح كل التناقضات الاجتماعية مجرد تعبيرات عن تناقض واحد هو الاستعمار، تختفي الفوارق بين الدولة والسوق، وبين الرأسمالية والحداثة، وبين العلم والإمبريالية، وبين الديمقراطية والاستعمار.
وعندما تختفي هذه الفوارق يصبح من المستحيل بناء سياسة تحررية فعالة.
إن اليسار العربي في حاجة إلى موقف أكثر تعقيدا. فهو مطالب بالدفاع عن الكونية دون الوقوع في المركزية الأوروبية، والدفاع عن الحداثة دون تبني أساطيرها الاستعمارية، والدفاع عن الخصوصيات الثقافية دون السقوط في الهويات المغلقة.
فالحرية ليست أوروبية، والعدالة ليست غربية، والمساواة ليست ملكا لحضارة بعينها. هذه القيم أنتجتها البشرية كلها عبر تاريخ طويل من الصراعات والتجارب والثورات والانتفاضات.
ولهذا فإن المهمة التاريخية لليسار ليست العودة إلى ما قبل الحداثة، ولا تكرار الحداثة الأوروبية كما هي، بل توسيع أفق الحداثة نفسها وإعادة بنائها من موقع المهمشين والمستغَلّين والمقصيين.
إن المطلوب ليس رفض الديمقراطية لأنها جاءت من أوروبا، بل تعميقها. وليس رفض العقلانية لأنها استعملت في الهيمنة، بل تحريرها من الهيمنة. وليس رفض الكونية لأنها استعملت لتبرير الاستعمار، بل تحويلها إلى كونية حقيقية تشمل الجميع.
في تونس، كما في بقية العالم العربي، لن يخرج اليسار من أزمته بالاحتماء داخل قلاع الهوية، ولا بالاكتفاء بإدانة الغرب، ولا بتحويل الاستعمار إلى تفسير وحيد لكل شيء. سيخرج من أزمته عندما يعود إلى سؤاله الأصلي: كيف نبني مجتمعا أكثر عدالة ومساواة وحرية؟
ذلك أن الفقير لا يحتاج فقط إلى استعادة ذاكرته التاريخية، بل يحتاج أيضا إلى عمل وسكن وتعليم وصحة وكرامة. والعاطل لا ينتظر خطابا حول الجرح الاستعماري بقدر ما ينتظر مستقبلا يمكن أن يعيش فيه بكرامة.
وإذا كانت الديكولونيالية قد نجحت في كشف الوجه المظلم للحداثة، فإن مهمة اليسار التحرري اليوم هي كشف الوجه المظلم للهيمنة أينما كانت: في الإمبراطورية كما في الدولة الوطنية، في السوق العالمية كما في الرأسمال المحلي، في المركز كما في الأطراف، وفي الماضي الاستعماري كما في الحاضر الذي يعيد إنتاج الظلم بأشكال جديدة كل يوم.
هذه المقالة تنطلق من نقد كاسترو غوميز للديكولونيالية الراديكالية، لكنها تحاول توجيه النقاش نحو سؤال اليسار التونسي والعربي: كيف يمكن الجمع بين نقد الاستعمار والدفاع عن الكونية التحررية دون السقوط في المركزية الأوروبية أو في الانغلاق الهوياتي؟ وهذا من أكثر الأسئلة إلحاحا اليوم.
ثمة معضلة أخرى لم ينتبه إليها كثير من اليساريين العرب وهم يخوضون معاركهم الفكرية ضد الاستعمار القديم والجديد. فبينما انشغلوا بتفكيك خطاب الغرب عن الشرق، وعن المركز تجاه الأطراف، جرى في المقابل إهمال تفكيك الخطابات السلطوية التي نشأت داخل مجتمعاتهم ذاتها. وهكذا تحولت الإمبريالية إلى خصم مرئي وواضح، بينما بقيت أنظمة الهيمنة المحلية كامنة خلف ستائر الوطنية والقومية والتراث والخصوصية الثقافية.
لقد عرف العالم العربي، منذ الاستقلالات الشكلية في منتصف القرن العشرين، تشكّل برجوازيات دولة ضخمة احتكرت الاقتصاد والإدارة والثروة والرمزية الوطنية. وكانت هذه الطبقات الحاكمة تتحدث باستمرار عن السيادة الوطنية ومقاومة التدخل الأجنبي، لكنها في الوقت نفسه كانت تعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي وتمنع تشكل فضاء ديمقراطي يسمح للفئات الشعبية بالتعبير عن مصالحها.
في هذا السياق، لم تعد مسألة التحرر مرتبطة فقط بالخروج من التبعية الخارجية، بل أيضا بتحرير المجتمع من شبكات السيطرة التي استقرت داخله. وهنا يبدو أن بعض الاتجاهات الديكولونيالية، حين تجعل الاستعمار أصل كل الشرور، تضعف قدرتها على فهم الاستبداد بوصفه ظاهرة لها تاريخها الخاص وآلياتها الذاتية ومصالحها المادية المستقلة.
فالاستبداد العربي لم يكن مجرد وكيل للاستعمار، كما أن الفساد لم يكن مجرد أثر جانبي للهيمنة الغربية، بل تحولا إلى أنظمة متكاملة لإعادة توزيع السلطة والثروة على نحو غير عادل. ولذلك فإن أي مشروع تحرري يختزل المأزق العربي في العلاقة مع الغرب وحدها، سيجد نفسه عاجزا عن تفسير أسباب استمرار البؤس حتى في اللحظات التي تراجعت فيها السيطرة الأجنبية المباشرة.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن جزءا من اليسار العربي وقع في فخ معاكس لفخ الليبرالية التابعة. فإذا كانت الليبرالية المحلية قد استوردت مفاهيم جاهزة من الغرب دون مساءلة شروطها التاريخية، فإن بعض اليساريين الجدد استوردوا بدورهم مفاهيم الديكولونيالية كما هي، وحولوها إلى عقيدة مغلقة لا إلى أدوات نقدية قابلة للاختبار والمراجعة.
لقد جرى التعامل مع مفاهيم مثل "المعرفة المتموضعة" و"التفكير الحدودي" و"المركزية الأوروبية" بوصفها حقائق نهائية لا تحتاج إلى تمحيص. وهكذا تحولت النظرية التي ولدت أصلا كاحتجاج على الدوغمائية المعرفية إلى دوغمائية جديدة تمتلك قاموسها المقدس ومحرماتها الفكرية الخاصة.
وأصبح من السهل اتهام أي دفاع عن العقلانية بأنه تمركز أوروبي، وأي حديث عن المواطنة بأنه إلغاء للهويات، وأي دعوة إلى العلمانية بأنها خضوع للنموذج الغربي. وفي المقابل، باتت كل الإحالات إلى التراثات المحلية أو الأشكال الجماعاتية أو المرجعيات ما قبل الحديثة تحظى بهالة من البراءة الأخلاقية المسبقة.
لكن التاريخ لا يمنح البراءة لأحد.
فكما يمكن للحداثة أن تتحول إلى أداة قهر، يمكن للهوية أن تصبح أداة إقصاء. وكما يمكن للعقل الأداتي أن يخدم الهيمنة، يمكن للأسطورة أن تخدمها أيضا. وكما استُعملت مفاهيم التقدم لتبرير الغزو والاستغلال، استُعملت مفاهيم الأصالة والخصوصية لتبرير الاستبداد والخضوع وتجميد المجتمع.
إن التجربة التونسية تقدم أمثلة عديدة على هذا الالتباس. فمنذ عقود طويلة ظل النقاش العمومي يتأرجح بين قطبين متنازعين: قطب يختزل المستقبل في استنساخ النماذج الغربية، وقطب آخر يفتش عن الخلاص في استعادة ماضٍ متخيَّل. وبين هذين القطبين ضاعت الأسئلة المرتبطة بإعادة توزيع الثروة، والتنمية الجهوية، والعدالة الجبائية، وملكية الموارد الطبيعية، والحقوق الاقتصادية للفئات الشعبية.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب اليسار هو انتقاله من موقع النقد الاجتماعي إلى موقع الحراسة الرمزية للهويات. فحين تصبح مهمة المثقف هي الدفاع عن جوهر ثقافي ثابت، فإنه يتخلى تدريجيا عن دوره التاريخي بوصفه كاشفا للتناقضات ومحرضا على التغيير.
إن الثقافة ليست متحفا مغلقا، والهوية ليست حجرا مقدسا، والشعوب لا تعيش داخل نصوصها المؤسسة بل داخل شروطها المادية الملموسة. ولذلك فإن تحرير الإنسان لا يتحقق عبر تمجيد ما كان عليه الأجداد، بل عبر تمكين الأحياء من السيطرة على شروط وجودهم الحاضر.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى يسار جديد يقطع مع الثنائية العقيمة بين التغريب والانغلاق، بين الاستلاب للمركز والانكفاء على الذات. يسار ينطلق من الواقع الاجتماعي لا من الحنين الحضاري، ومن مصالح الكادحين لا من أساطير النقاء الثقافي، ومن بناء المستقبل لا من اجترار المعارك الرمزية.
فالقضية الحقيقية ليست ما إذا كانت الأفكار جاءت من الشمال أو الجنوب، من الشرق أو الغرب، بل ما إذا كانت تساعد على تفكيك البنى التي تنتج الاستغلال والتهميش والحرمان. وكل فكرة تفعل ذلك تصبح جزءا من التراث الإنساني المشترك، مهما كان موطنها الأول أو لغتها الأصلية.
إن الشعوب لا تتحرر بالانتماء إلى الماضي، بل بامتلاك القدرة على صنع التاريخ.
يبقى السؤال الأكثر حساسية في التجربة العربية المعاصرة هو سؤال الفاعل التاريخي نفسه. فمن الذي يحمل مشروع التحرر؟ ومن هي القوة الاجتماعية القادرة على تحويل النقد الفكري إلى واقع سياسي؟
لقد انشغل قسم واسع من الأدبيات اليسارية الجديدة بإعادة قراءة الخطابات والتمثلات والرموز واللغات، حتى كاد المجتمع الفعلي يختفي خلف النصوص. صار الاهتمام منصبا على كيفية إنتاج المعنى أكثر من الاهتمام بكيفية إنتاج الخبز. وأصبحت دراسة الهويات أكثر حضورا من دراسة علاقات الملكية. ولم يعد العامل أو الفلاح أو الموظف الهش أو العاطل عن العمل يحتل الموقع المركزي الذي احتله في تقاليد اليسار الكلاسيكي.
وليس المقصود هنا العودة إلى اختزال المجتمع في الصراع الطبقي بصيغته المدرسية القديمة، بل التنبيه إلى أن اختفاء الاقتصاد السياسي من أفق التحليل أدى إلى نتائج فادحة. فبينما كانت النخب الفكرية تخوض معارك رمزية حول التمثيل الثقافي، كانت أنماط جديدة من التراكم الرأسمالي تتشكل بهدوء، وتعيد رسم خرائط النفوذ والثروة داخل المجتمعات العربية.
لقد نشأت خلال العقود الأخيرة أوليغارشيات مالية عابرة للأحزاب والإيديولوجيات. شبكات مصالح تجمع رجال أعمال وكبار موظفين ووسطاء وسماسرة ومحتكرين ومجموعات ضغط اقتصادية. هذه البنى لا تستمد قوتها من الشرعية الفكرية ولا من الهيمنة الثقافية فقط، بل من قدرتها على التحكم في تدفقات المال والفرص والموارد.
وفي تونس كما في غيرها، لم يعد النفوذ يمر حصرا عبر أجهزة الدولة التقليدية، بل عبر منظومات أكثر تعقيدا: الاقتصاد الريعي، الاحتكارات التجارية، المضاربات العقارية، اقتصاد التوريد، الامتيازات الجبائية، والارتباط العضوي بين السياسة ورأس المال.
إن تجاهل هذه التحولات يجعل أي مشروع نقدي معلقا في الهواء.
فالعامل الذي يفقد عمله بسبب غلق مصنع، أو الشاب الذي يعجز عن تأسيس مشروع صغير بسبب الاحتكارات، أو الفلاح الذي تنهكه كلفة الإنتاج، لا يعيش هذه المآسي بوصفها إشكالات خطابية أو رمزية، بل بوصفها علاقات قوة مادية تحدد شروط حياته اليومية.
من هنا تبرز محدودية كل مقاربة تكتفي بنقد التمثلات الثقافية دون مساءلة البنية الاقتصادية التي تنتجها وتعيد إنتاجها. فالصور النمطية لا تولد من الفراغ، والخطابات المهيمنة لا تعيش مستقلة عن المصالح الاجتماعية التي تحتاج إليها وتحميها.
ثم إن أحد أكبر أوهام اللحظة الراهنة يتمثل في الاعتقاد بأن التقدم التقني يحمل في ذاته وعدا بالتحرر. لقد أظهرت العقود الأخيرة أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي ومنصات الاتصال العالمية يمكن أن تتحول بدورها إلى أدوات لتركيز الثروة والسلطة في أيدي فئات محدودة. فكما احتكرت الأرستقراطيات القديمة الأرض، وكما احتكرت البرجوازيات الصناعية وسائل الإنتاج، بدأت تتشكل احتكارات جديدة للمعرفة والبيانات والخوارزميات.
وهذا يفرض على اليسار العربي أن يوسع أدواته التحليلية. فالصراع لم يعد يدور فقط حول المصانع والحقول، بل أيضا حول التحكم في المعلومات والتكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية. ولم تعد الهيمنة تفرض نفسها بالقوة العارية وحدها، بل كذلك عبر التحكم في الانتباه والرغبات وأنماط الاستهلاك.
وفي الوقت ذاته، تكشف التحولات البيئية المتسارعة عن مأزق آخر. فالتصحر وشح المياه والتلوث وانهيار المنظومات الإيكولوجية لم تعد مسائل جانبية يمكن تأجيلها إلى ما بعد تحقيق التنمية. إنها أصبحت جزءا من صلب الصراع الاجتماعي نفسه. فالفقراء هم أول من يدفع ثمن الكوارث البيئية، والمناطق المهمشة هي أول من يتحمل أعباء الاختلالات المناخية.
ولهذا فإن مشروع التحرر في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يكتفي بشعارات العدالة الاجتماعية بمعناها التقليدي، بل يحتاج إلى تصور جديد يربط بين العدالة الاقتصادية والعدالة البيئية والعدالة المعرفية في أفق واحد.
إن المهمة الكبرى ليست البحث عن هوية نقية ولا عن أصل مفقود ولا عن فردوس سابق للحداثة، وإنما بناء قدرة جماعية على التحكم الديمقراطي في الثروة والمعرفة والسلطة والموارد الطبيعية.
فالتاريخ لا يتحرك بالحنين، بل بالصراع والتنظيم والخيال السياسي.
والأمم لا تنهض لأنها تكتشف ماضيا مجيدا، بل لأنها تنجح في إنتاج مؤسسات أكثر عدلا، وتوزيع أقل ظلما للفرص، وأشكال أرقى من المشاركة الشعبية.
وعندما يفقد اليسار هذه الحقيقة البسيطة، ويتحول إلى مجرد مدرسة في التأويل الثقافي أو إلى جهاز للدفاع عن الرموز والهويات، فإنه يتخلى طوعا عن الميدان الذي ولد فيه: ميدان النضال من أجل تغيير العالم لا الاكتفاء بوصفه.
قبل مواصلة المقالة، يمكن دفع النقاش خطوة أخرى نحو ما يمكن تسميته بـ"أزمة الزمن السياسي" داخل اليسار العربي، وهي مسألة تختلف عن نقد الهوية أو الحداثة أو الاقتصاد السياسي، وتتعلق بطريقة تصور المستقبل نفسه.
و من المفارقات اللافتة أن اليسار العربي، الذي كان يوما ما حامل فكرة المستقبل، أصبح في كثير من الأحيان أسير علاقة مضطربة بالزمن. ففي النصف الثاني من القرن العشرين كان خطاب التحرر الوطني والتنمية والتصنيع والتحديث الشامل يبني شرعيته على وعد كبير بالمستقبل. كانت الجماهير تُستنهض باسم ما لم يوجد بعد: مجتمع أكثر عدلا، اقتصاد أكثر إنتاجية، مواطنة أوسع، وثقافة أكثر انفتاحا.
لكن الهزائم المتراكمة والانكسارات السياسية والاجتماعية أفرزت تحولا عميقا في المخيال السياسي. تراجع المستقبل بوصفه أفقا مفتوحا، وصعدت بدلا منه أشكال مختلفة من الارتداد الزمني. بعض التيارات أخذت تبحث عن الشرعية في الماضي البعيد، وأخرى غرقت في اجترار ذاكرة النضالات القديمة، بينما اكتفت فئات واسعة بإدارة الحاضر بوصفه قدرا لا يمكن تغييره.
هذه الأزمة لا تخص اليسار وحده، لكنها تظهر لديه بصورة أكثر حدة لأنه تاريخيا تيار ارتبط بفكرة الإمكان التاريخي. فعندما يفقد اليسار ثقته في قدرة المجتمعات على إنتاج واقع مختلف، يتحول تدريجيا من قوة اقتراح إلى قوة اعتراض، ومن مشروع بناء إلى مجرد جهاز نقدي.
وفي العالم العربي، ساهمت التحولات النيوليبرالية في تعميق هذا الوضع. إذ لم تكتف بإعادة تشكيل الاقتصاد، بل أعادت تشكيل الزمن الاجتماعي نفسه. أصبح الأفراد يعيشون تحت ضغط الاستعجال الدائم، والعمل الهش، والبطالة المتكررة، وعدم اليقين المزمن. صار التخطيط للمستقبل امتيازا طبقيا أكثر منه حقا عاما.
إن الشاب الذي لا يعرف إن كان سيجد عملا بعد أشهر، والعائلة التي لا تستطيع توقع قدرتها الشرائية في السنة المقبلة، والعامل الذي يخشى فقدان مصدر رزقه في أي لحظة، جميعهم يعيشون داخل حاضر متضخم يلتهم المستقبل باستمرار.
وهنا يبرز أحد التحديات الفكرية الكبرى: كيف يمكن إعادة بناء مشروع تحرري في مجتمعات أُضعفت فيها القدرة الجماعية على تخيل الغد؟
لقد اعتادت النخب السياسية العربية التعامل مع الزمن بوصفه موردا دعائيا. الأنظمة تعد بمستقبل مؤجل باستمرار، والمعارضات كثيرا ما تستحضر أمجادا ماضية، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بالشروط الواقعية لصناعة المستقبل خارج دائرة النقاش العمومي.
في تونس، يتخذ هذا المأزق شكلا خاصا. فالبلاد التي عاشت لحظة تاريخية استثنائية مع انتفاضة 2010-2011 وجدت نفسها بعد سنوات أمام حالة من الإرهاق الجماعي. لم يكن السبب مجرد تعثر الانتقال السياسي، بل أيضا تآكل القدرة على تحويل المطالب الشعبية إلى مشاريع استراتيجية طويلة المدى.
وقد أدى ذلك إلى انتشار أشكال متنوعة من الانسحاب: الهجرة، العزوف السياسي، الفردانية الدفاعية، والبحث عن النجاة الشخصية خارج الأطر الجماعية.
إن اليسار الذي يريد استعادة دوره لا يستطيع الاكتفاء بتشخيص هذه الظواهر. عليه أن يعيد إنتاج فكرة المستقبل نفسها، لا بوصفها وعدا طوباويا أو نبوءة تاريخية، بل كقدرة اجتماعية على التخطيط الجماعي والتحكم الواعي في المصير المشترك.
وهذا يقتضي مراجعة تصور قديم ظل حاضرا في أجزاء واسعة من الثقافة اليسارية، وهو الاعتقاد بأن التاريخ يتحرك تلقائيا نحو التقدم. لقد أثبتت التجارب أن التراجع ممكن، والانهيار ممكن، والارتداد ممكن أيضا. لا توجد ضمانات ميتافيزيقية لانتصار الحرية أو العدالة.
لهذا تصبح السياسة فعلا تأسيسيا لا مجرد انتظار لمسار تاريخي محتوم.
إن الشعوب تصنع مستقبلها حين تبني المؤسسات القادرة على تحويل المطالب إلى حقوق، والاحتجاجات إلى سياسات، والطاقات الاجتماعية إلى مشاريع إنتاج ومعرفة وتنظيم.
ولعل إحدى المهام الفكرية الأكثر إلحاحا اليوم هي تحرير الخيال السياسي من الثنائية التي تحاصره: إما التكيف مع الأمر الواقع باعتباره نهاية التاريخ، أو الاحتماء بصور مثالية عن عصور مضت.
فالمستقبل لا يوجد في مكان ما ينتظر اكتشافه، ولا يختبئ في الذاكرة الجماعية للأمم، بل يتشكل عبر الصراعات والقرارات والاختيارات التي تتخذها المجتمعات في حاضرها.
وعندما يستعيد اليسار هذه الحقيقة، يعود إلى وظيفته الأصلية: ليس حراسة الماضي، ولا تفسير الخراب فقط، بل المشاركة في ابتكار أشكال جديدة للحياة المشتركة تجعل الممكن السياسي أوسع مما يبدو عليه في لحظة الانسداد.
و إذا كان من الضروري مساءلة علاقة اليسار العربي بالحداثة والهوية والمستقبل، فإن من الضروري أيضا مساءلة علاقته بالمعرفة ذاتها. فخلف الأزمات السياسية والتنظيمية التي عرفتها الحركات التقدمية خلال العقود الأخيرة، توجد أزمة أعمق تتعلق بموقع الفكر داخل المشروع التحرري.
لقد ورث اليسار العربي، بدرجات متفاوتة، صورة للمثقف باعتباره مالكا للحقيقة التاريخية أو مترجما لقوانين التطور الاجتماعي. وكان هذا التصور مفهوما في سياقات كانت فيها المعرفة حكرا على نخب محدودة، وكانت أدوات الوصول إلى المعلومة نادرة، وكانت الأحزاب تشكل مدارس سياسية وثقافية متكاملة.
غير أن التحولات العاصفة التي شهدها العالم قلبت هذه المعادلة رأسا على عقب. لم تعد المعرفة تتدفق من أعلى إلى أسفل، ولم يعد المثقف يحتكر إنتاج المعنى، ولم تعد الجماهير متلقية سلبية للخطابات الجاهزة. لقد دخلنا عصرا تتكاثر فيه مصادر المعرفة كما تتكاثر مصادر التضليل في الوقت نفسه.
وهنا وجد اليسار نفسه أمام معضلة لم يحسن التعامل معها. فمن جهة فقد سلطته الرمزية التقليدية، ومن جهة أخرى لم ينجح في ابتكار أشكال جديدة من إنتاج المعرفة النقدية القادرة على مواكبة التحولات الجارية.
ولعل هذا ما يفسر اتساع الهوة بين كثير من النخب اليسارية والواقع الاجتماعي. فبينما تتطور أشكال العمل والهجرة والاستهلاك والتواصل بسرعة هائلة، ظل جزء من الخطاب اليساري يتحرك داخل خرائط مفاهيمية تعود إلى عقود سابقة. وأصبح النقاش يدور أحيانا حول قضايا لم تعد تشكل مركز الاهتمام بالنسبة إلى الفئات الشعبية التي تواجه تحديات يومية أكثر إلحاحا وتعقيدا.
إن أحد الدروس التي يمكن استخلاصها من الجدل الديكولونيالي، رغم كل ما يعتريه من تناقضات، هو أن المعرفة لا تنتج فقط في الجامعات والمراكز البحثية، بل تتشكل أيضا داخل التجارب الحية للمجتمعات. غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني تمجيد كل معرفة محلية أو تحويل التجربة المباشرة إلى معيار وحيد للحقيقة.
فالمعرفة النقدية تنشأ من الحوار المستمر بين الخبرة والتحليل، بين الواقع والنظرية، بين المعيش والمفكر فيه. وعندما ينقطع هذا الحوار، يتحول الفكر إلى عقيدة، أو يتحول الواقع إلى فوضى من الانطباعات المتناثرة.
في السياق التونسي تبدو هذه الإشكالية شديدة الوضوح. فالجامعة تعاني من أزمات هيكلية، والبحث العلمي يعيش تحت ضغط التهميش وضعف التمويل، والمجال العمومي يتعرض لاجتياح متزايد من قبل الخطابات السطحية والسجالات السريعة. وفي ظل هذه الظروف يصبح إنتاج معرفة نقدية رصينة مهمة شاقة لكنها ضرورية.
فلا يمكن لأي مشروع تحرري أن يكتفي بالشعارات مهما كانت عدالتها الأخلاقية. إنه يحتاج إلى فهم دقيق للبنى الاقتصادية، وللتحولات الديمغرافية، ولأوضاع التعليم، ولأنماط الاستهلاك، وللتغيرات الثقافية، وللثورات التكنولوجية المتسارعة. يحتاج إلى معرفة ملموسة بالمجتمع الذي يريد تغييره.
ومن هنا يظهر خلل آخر في كثير من التجارب اليسارية العربية: الميل إلى استيراد المعارك الفكرية من سياقات أخرى دون إعادة بنائها انطلاقا من الأسئلة المحلية الفعلية. فكم من نقاشات استهلكت طاقة هائلة حول قضايا نشأت في جامعات ومراكز أبحاث بعيدة، بينما بقيت موضوعات مثل الاقتصاد غير المنظم، والتفاوت الجهوي، وأزمة المدرسة العمومية، والتحولات الديمغرافية، وهجرة الكفاءات، في هامش الاهتمام النظري.
إن التبعية لا تقتصر على الاقتصاد والسياسة فقط، بل يمكن أن تصيب الخيال الفكري نفسه. وقد تتجلى أحيانا في استيراد المفاهيم كما تُستورد السلع، دون مساءلة شروط إنتاجها أو حدود صلاحيتها أو إمكانات تحويلها.
لذلك فإن إحدى المهام الأساسية أمام اليسار العربي اليوم تتمثل في بناء استقلال معرفي حقيقي. لا استقلالا يقوم على الانغلاق أو رفض الإنتاج الفكري العالمي، بل على القدرة على الحوار معه من موقع الندّية النقدية. أي على تحويل النظريات إلى أدوات للفهم لا إلى هويات فكرية مغلقة.
إن الفكر الذي يتوقف عن طرح الأسئلة يفقد مبرر وجوده. والحركة السياسية التي تتوقف عن التعلم من المجتمع تتحول إلى جهاز بيروقراطي أو طائفة أيديولوجية. أما المشروع التحرري الحي فهو ذاك الذي يظل قادرا على مراجعة نفسه باستمرار، وعلى إعادة صياغة أسئلته كلما تغيرت شروط الواقع.
فالمعرفة ليست زينة ثقافية تضاف إلى السياسة من الخارج، بل هي إحدى ساحات الصراع الأساسية حول معنى العالم واتجاهه. ومن لا يشارك في إنتاج المعرفة، سيجد نفسه عاجلا أو آجلا محكوما بالمعارف التي ينتجها الآخرون، مهما رفع من شعارات الاستقلال والتحرر.
و يبقى أحد الجوانب الأقل تناولا في أزمة اليسار العربي المعاصر هو علاقته بالدولة، لا باعتبارها جهازا سياسيا فحسب، بل باعتبارها أيضا شكلا تاريخيا لتنظيم المجال العام وتوزيع السلطة والموارد وإنتاج الشرعية.
لقد نشأ القسم الأكبر من الحركات التقدمية العربية في سياق كانت فيه الدولة الوطنية تمثل أفقا للتحرر الجماعي. فقد ارتبطت في المخيال السياسي بمقاومة الاستعمار، وبناء الاقتصاد الوطني، وتعميم التعليم، وتوسيع الخدمات الاجتماعية. ولذلك جرى النظر إليها بوصفها أداة للتنمية والتحرير أكثر من كونها موضوعا للنقد والتحليل.
غير أن العقود اللاحقة كشفت تعقيدات لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في المراحل السابقة. فالدولة التي رفعت شعارات العدالة الاجتماعية تحولت في كثير من الحالات إلى جهاز لإدارة الامتيازات. والمؤسسات التي قُدمت باعتبارها تعبيرا عن الإرادة العامة أصبحت في أحيان كثيرة محكومة بمنطق إعادة إنتاج النخب نفسها. أما البيروقراطيات التي وُلدت لتنظيم الحياة الجماعية فقد راكمت أنماطا متنوعة من الجمود والعجز والانفصال عن المجتمع.
هنا واجه اليسار مأزقا مزدوجا. فمن جهة لم يعد قادرا على الدفاع غير المشروط عن الدولة كما فعل في مراحل سابقة، ومن جهة أخرى لم يكن مستعدا لتبني التصورات النيوليبرالية التي تدعو إلى تقليصها وتحويل وظائفها إلى السوق.
وبين هذين الموقفين ظل السؤال معلقا: أي دولة يحتاجها مشروع تحرري في المجتمعات العربية؟
إن هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة لأن كثيرا من النقاشات الفكرية تنشغل بالهويات والثقافات والتمثلات، بينما تبقى مسألة السلطة الفعلية في مرتبة ثانوية. والحال أن الدولة ليست مجرد انعكاس للبنى الاجتماعية، بل هي أيضا فاعل يساهم في تشكيلها وتوجيهها وإعادة إنتاجها.
في تونس مثلا، لا يمكن فهم التفاوتات الجهوية المزمنة دون العودة إلى السياسات العمومية التي حددت مواقع الاستثمار والبنية التحتية والخدمات لعقود طويلة. ولا يمكن تفسير أشكال الهشاشة الاقتصادية دون تحليل الأنماط التي أدارت بها الدولة علاقتها بالقطاع الخاص وبالاقتصاد العالمي. كما لا يمكن فهم أزمات الثقة السياسية دون تفكيك مسارات بناء الشرعية داخل المؤسسات نفسها.
لكن الإشكال لا يتوقف عند حدود الدولة الوطنية. فالعالم الذي تشكل بعد نهاية القرن العشرين أوجد مراكز جديدة للقرار تتجاوز الحدود التقليدية. لم تعد السيادة تُمارس حصرا داخل المجال الوطني، بل أصبحت موزعة بين مؤسسات مالية عابرة للقارات، وأسواق عالمية، واتفاقيات اقتصادية، وشبكات رقمية، وفاعلين دوليين يمتلكون تأثيرا متزايدا على السياسات المحلية.
هذا التحول يفرض على اليسار العربي مراجعة الكثير من مسلماته القديمة. فالنقاش لم يعد يدور فقط حول من يحكم الدولة، بل أيضا حول ما إذا كانت الدولة نفسها ما تزال تملك الأدوات الكافية للتحكم في مسارات الاقتصاد والمجتمع كما كان الأمر في السابق.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى تصور جديد للسيادة. ليس سيادة منغلقة تقوم على الاكتفاء بالشعارات الوطنية، ولا سيادة متآكلة تستسلم بالكامل لقوى السوق العالمية، بل سيادة ديمقراطية تستند إلى المشاركة الشعبية والرقابة المجتمعية والقدرة الفعلية على توجيه الخيارات الكبرى.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب تجاوز وهم آخر ترسخ في الثقافة السياسية العربية: الاعتقاد بأن التغيير يبدأ دائما من القمة. فالتجارب التاريخية بينت أن المجتمعات القادرة على حماية مكتسباتها هي تلك التي تمتلك فضاءات مستقلة للتنظيم والعمل الجماعي والمبادرة المحلية.
ولهذا لا يكفي إصلاح مؤسسات الدولة إذا بقي المجتمع ضعيفا ومفككا. كما لا يكفي تمجيد المجتمع المدني إذا ظل عاجزا عن التأثير في موازين القوى الفعلية. فالعلاقة بين الدولة والمجتمع ليست لعبة محصلتها صفر، بل علاقة جدلية يتحدد فيها مصير كل طرف بقدرة الطرف الآخر على التطور.
إن إحدى المهام الكبرى المطروحة أمام اليسار اليوم تتمثل في التفكير في أشكال جديدة للمؤسسات الديمقراطية تتجاوز الاختزال الانتخابي الضيق. مؤسسات تسمح بمشاركة أوسع في اتخاذ القرار، وتمنح الفئات المهمشة أدوات فعلية للتأثير في السياسات التي تمس حياتها اليومية، وتعيد بناء الثقة بين المواطنين والشأن العام.
فالمشكلة ليست فقط من يدير السلطة، بل أيضا كيف تُمارس السلطة، وكيف تُراقب، وكيف تُوزع، ولصالح من تُستخدم.
وحين يُعاد طرح هذه الأسئلة بجدية، يتضح أن التحرر ليس حدثا يقع مرة واحدة، ولا مجرد انتقال من نخبة إلى أخرى، بل عملية تاريخية طويلة تهدف إلى جعل المجال العام أقل احتكارا، والثروة أقل تركيزا، والقرار الجماعي أكثر خضوعا لإرادة الناس الذين يتحملون نتائجه.
عند تلك النقطة فقط يصبح الحديث عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية حديثا عن واقع قابل للبناء، لا عن شعارات تزين الخطب والبرامج والبيانات.
ثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية عن كل ما سبق، وهي علاقة اليسار العربي بالتاريخ نفسه، لا بوصفه مادة للبحث الأكاديمي، بل بوصفه موردا رمزيا للصراع السياسي. ذلك أن أغلب التيارات الفكرية في المنطقة لا تتعامل مع الماضي باعتباره موضوعا للفهم، بل باعتباره مستودعا للشرعية.
لقد تحولت الذاكرة في المجال العربي إلى ساحة تنازع لا تهدأ. الجميع يبحث عن أسلافه، وعن لحظة تأسيسه الأولى، وعن شجرة نسبه الرمزية. القوميون يعودون إلى أمجاد الإمبراطوريات العربية والإسلامية، والإسلاميون إلى عصر النبوة والخلافة الراشدة، والليبراليون إلى لحظات الإصلاح والتحديث، وحتى بعض اليساريين أخذوا يبحثون عن جذور محلية أو تراثية لمشاريعهم الفكرية كي يثبتوا أصالتها أمام المجتمع.
غير أن هذا الهوس بالأصول يكشف في العمق عن أزمة ثقة بالحاضر أكثر مما يكشف عن معرفة حقيقية بالماضي.
فحين تصبح شرعية الفكرة متوقفة على عمرها التاريخي، تفقد المجتمعات قدرتها على الابتكار. وعندما يتحول الأجداد إلى محكمة عليا تراقب الأحياء، يغدو التفكير نفسه فعلا دفاعيا يخشى الخروج عن المألوف.
إن إحدى المشكلات المزمنة في الثقافة السياسية العربية هي أن الماضي يُستدعى غالبا في صورة متجانسة ونقية، بينما كان في الواقع فضاء مليئا بالصراعات والانقطاعات والتناقضات. فكل حقبة تاريخية كانت تحتوي على مشاريع متنافسة ورؤى متعارضة ومصالح متصارعة. لكن الذاكرة الانتقائية تعمد إلى استخراج ما يخدم الحاضر وإخفاء ما يربكه.
وهنا يظهر دور النقد التاريخي بوصفه أداة للتحرر لا للهدم. فالمقصود ليس تحقير التراث أو إعلان القطيعة معه، بل تحريره من الاستخدام الأيديولوجي الذي يحوله إلى سلطة فوق النقاش.
إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تنسى تاريخها، بل تلك التي تتوقف عن عبادته.
وفي الحالة التونسية تبدو هذه الإشكالية حاضرة بقوة. فمنذ عقود تتنازع الساحة الثقافية والسياسية سرديات متعددة حول معنى الهوية الوطنية وأصولها ومكوناتها. هناك من يراها امتدادا حصريا للفضاء العربي الإسلامي، وهناك من يربطها بالمتوسط، وهناك من يستدعي الموروث الأمازيغي أو الإفريقي أو القرطاجي أو الحسيني أو الإصلاحي الحديث. لكن هذه السجالات كثيرا ما تتحول إلى معارك حول الرموز بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بمستقبل المجتمع معلقة.
إن الأمة ليست فقط ما ورثته، بل أيضا ما تختار أن تصبحه.
ولهذا فإن القيمة السياسية للتاريخ لا تكمن في كونه يقدم أجوبة جاهزة، بل في كونه يكشف أن كل نظام اجتماعي هو نتاج ظروف محددة وقابل للتغيير. فالتاريخ لا يعلمنا ما يجب أن نفعل، لكنه يعلمنا أن ما يبدو أبديا اليوم لم يكن موجودا بالأمس.
ومن هذه الزاوية بالذات يمكن لليسار أن يستعيد إحدى أهم وظائفه الفكرية: مقاومة تحويل الوقائع المؤقتة إلى مصائر نهائية. فالفقر ليس قدرا طبيعيا، والتفاوت ليس قانونا كونيا، والتهميش ليس نتيجة حتمية لاختلاف المواهب أو المناطق أو الثقافات. كلها ظواهر نشأت تاريخيا، وما نشأ تاريخيا يمكن إعادة تشكيله تاريخيا.
لكن تحقيق ذلك يقتضي التحرر من نزعة أخرى أخذت تتسرب إلى أجزاء واسعة من المجال الفكري العربي، وهي نزعة التشاؤم الحضاري. ذلك الميل إلى تصوير المجتمعات العربية باعتبارها كيانات عاجزة بنيويا عن إنتاج الديمقراطية أو العقلانية أو الإبداع أو التنمية. أحيانا يُرد هذا العجز إلى الدين، وأحيانا إلى الثقافة، وأحيانا إلى الجغرافيا أو البنية الذهنية أو الإرث التاريخي.
وجميع هذه التفسيرات تشترك في شيء واحد: أنها تنقل المشكلة من مجال السياسة إلى مجال القدر.
أما الفكر التحرري فلا يبدأ من سؤال ما الذي يمنع الناس من التغيير فقط، بل من سؤال ما الشروط التي تجعل التغيير ممكنا. إنه يبحث عن الإمكانات الكامنة داخل الواقع لا عن المبررات التي تفسر استمراره كما هو.
ومن هنا فإن المهمة الفكرية ليست توزيع شهادات الإدانة على الماضي أو الحاضر، بل الكشف عن المساحات التي يمكن أن تنشأ فيها قوى اجتماعية جديدة، وأشكال تنظيم جديدة، وتصورات جديدة للمصلحة العامة.
فالتاريخ ليس مقبرة للأمم ولا معرضا للبطولات القديمة، بل سجل مفتوح لاحتمالات متعددة. وكل جيل يضيف إليه فصلا جديدا لا لأن الأسلاف رسموه مسبقا، بل لأنه يملك الشجاعة الكافية لكتابة ما لم يكن موجودا من قبل.
وعندما يدرك اليسار هذه الحقيقة، يتحرر من دور الوصي على الذاكرة، ويعود إلى دوره الأهم: المساهمة في صنع شروط تاريخ لم يُكتب بعد.
و إذا كان من الممكن تلخيص جانب مهم من مأزق اليسار العربي في العقود الأخيرة، فإنه يتمثل في فقدانه التدريجي للقدرة على بناء "الكتلة التاريخية" بالمعنى الذي تحدث عنه أنطونيو غرامشي. أي ذلك اللقاء المعقد بين القوى الاجتماعية المتضررة من النظام القائم، وبين التصورات الفكرية القادرة على توحيد مطالبها المختلفة داخل مشروع جماعي واسع.
لقد عرف المجال العربي، وخاصة منذ نهاية الحرب الباردة، عملية تفكك اجتماعي عميقة. لم تعد البنى الطبقية تتخذ الأشكال الواضحة التي عرفتها المراحل السابقة. توسعت قطاعات العمل غير المستقر، وبرزت فئات واسعة تعيش بين البطالة المؤقتة والتشغيل الهش والهجرة الموسمية والاقتصاد الموازي. كما ظهرت شرائح جديدة يصعب تصنيفها ضمن القوالب التقليدية التي استندت إليها الأدبيات السياسية القديمة.
هذا التحول لم يؤد فقط إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية، بل أدى أيضا إلى إعادة تشكيل أشكال الوعي والانتماء. فالأفراد الذين كانوا يرون أنفسهم جزءا من جماعات مهنية أو طبقية مستقرة، أصبحوا يعيشون مسارات متقطعة ومتنقلة ومفتوحة على احتمالات متناقضة. ومن ثم تراجعت قدرة الخطابات السياسية الكلاسيكية على إنتاج هوية جماعية متماسكة.
في هذا السياق، لم يعد كافيا الحديث عن "الشعب" بوصفه كتلة متجانسة، ولا عن "الجماهير" كما لو كانت ذاتا موحدة الإرادة والمصلحة. فالمجتمعات العربية اليوم تتكون من فسيفساء معقدة من المواقع الاجتماعية والتجارب الحياتية والتطلعات المتباينة.
لكن الاعتراف بهذا التعقيد لا يعني الاستسلام له.
إن السياسة، في جوهرها، ليست مجرد انعكاس للانقسامات الموجودة، بل هي أيضا فن بناء الروابط بين ما يبدو متفرقا. والمشروع التحرري لا ينجح لأنه يعكس المجتمع كما هو، بل لأنه يقترح شكلا جديدا من الاجتماع السياسي يسمح لمطالب متباعدة بأن تجد لغة مشتركة.
وهنا تحديدا برزت إحدى نقاط ضعف اليسار التونسي والعربي. فقد امتلك قدرة كبيرة على التشخيص والنقد، لكنه واجه صعوبة متزايدة في إنتاج سردية جامعة تستطيع ربط القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية داخل أفق سياسي واحد.
فالعامل الذي يطالب بتحسين الأجور، والمرأة التي تناضل ضد التمييز، والشاب الذي يواجه البطالة، وسكان المناطق المهمشة الذين يطالبون بالتنمية، والطلبة الذين يدافعون عن التعليم العمومي، والناشطون البيئيون الذين يقاومون التلوث، كثيرا ما ظهروا وكأنهم يخوضون معارك منفصلة، رغم أن جذور أزماتهم متشابكة على مستويات عديدة.
إن المهمة الأساسية لا تتمثل في دمج هذه المطالب قسرا داخل خطاب واحد، بل في الكشف عن الروابط البنيوية التي تجعلها أجزاء من سؤال أوسع يتعلق بكيفية تنظيم المجتمع وتوزيع موارده وفرصه وأعبائه.
وفي هذا الإطار، يصبح ضروريا تجاوز التصور الذي يحصر السياسة في المنافسة الانتخابية أو في النشاط الاحتجاجي المباشر. فالمجتمعات تُصاغ أيضا داخل المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والنقابات والجمعيات والفضاءات الثقافية وأماكن العمل والأحياء الشعبية. أي داخل تلك المساحات التي تتشكل فيها التصورات اليومية للعالم ولمعنى العدالة والكرامة والمصلحة المشتركة.
لقد فهمت القوى المحافظة هذه الحقيقة في كثير من الأحيان بصورة أفضل من خصومها. فهي لم تعتمد فقط على المؤسسات الرسمية، بل عملت على بناء حضور طويل الأمد داخل النسيج الاجتماعي، وعلى إنتاج شبكات تضامن ورموز وقيم تمنحها قدرة على الاستمرار حتى في فترات التراجع السياسي.
أما كثير من الحركات التقدمية فقد انشغلت بالمواجهات الظرفية، وأهملت العمل البطيء والمتراكم الذي يسمح بتحويل الأفكار إلى ثقافة عامة، والثقافة إلى ممارسات اجتماعية، والممارسات إلى مؤسسات مستقرة.
إن أي أفق تحرري جدي في العالم العربي يحتاج إلى استعادة هذا البعد التأسيسي. لا يكفي أن تكون المطالب عادلة، بل يجب أن تصبح قابلة للانتشار والتجذر والتداول داخل الحياة اليومية للناس.
فالهيمنة لا تُهزم بمجرد فضحها، بل ببناء تصورات بديلة للحياة المشتركة تكون أكثر إقناعا وقدرة على الاستمرار.
ولهذا فإن السؤال المركزي لم يعد فقط: ما الذي نرفضه؟ بل أيضا: ما العالم الذي نريد بناءه؟ وكيف يمكن تحويل هذا التصور من فكرة نظرية إلى قوة اجتماعية حية؟
إن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تسقط فقط عندما تتراكم تناقضاتها، بل عندما تنجح قوى أخرى في إقناع قطاعات واسعة من المجتمع بأن هناك طريقا مختلفا ممكنا وواقعيا. ومن دون هذا الأفق الإيجابي، يظل النقد مهما بلغ عمقه عاجزا عن التحول إلى مشروع تاريخي قادر على إعادة تشكيل الواقع.
وعند هذه النقطة تحديدا تبدأ السياسة بمعناها الخلاق: ليس بوصفها إدارة للأزمات، بل بوصفها ممارسة جماعية لصناعة إمكانات جديدة داخل قلب ما يبدو مستحيلا.
من بين المسائل التي تستحق وقفة مطولة أيضا، تلك المتعلقة بموقع الريف والأطراف داخل المخيال السياسي لليسار العربي. فالملاحَظ أن القسم الأعظم من الأدبيات التقدمية، سواء في نسخها القومية أو الماركسية أو الليبرالية الاجتماعية، تشكل تاريخيا داخل المدن الكبرى، وتحدث بلغة المدن، وفكر في مشكلات المدن، وصاغ تصوراته انطلاقا من خبرة الفضاء الحضري أكثر مما فعل انطلاقا من خبرة الأرياف والهوامش.
وليس المقصود هنا مجرد الفرق الجغرافي بين المدينة والقرية، بل الاختلاف العميق في أنماط الحياة والإنتاج والعلاقات الاجتماعية وتمثلات العالم. ذلك أن كثيرا من النخب العربية، حتى عندما كانت تتحدث باسم الفلاحين والكادحين، كانت تنظر إليهم من الخارج، باعتبارهم موضوعا للسياسة لا شركاء في إنتاجها.
لقد أدى هذا الخلل إلى نتائج بعيدة المدى. ففي الوقت الذي كانت فيه العواصم والمراكز الحضرية تستأثر بالنقاشات الفكرية الكبرى، كانت مناطق واسعة من العالم العربي تعيش تحولات صامتة لا تجد طريقها إلى التحليل السياسي إلا متأخرة. الهجرة الداخلية، تفكك الاقتصاد الريفي التقليدي، التصحر، تراجع الزراعة العائلية، النزوح نحو الضواحي الفقيرة، انهيار بعض أنماط التضامن المحلية، كلها عمليات أعادت تشكيل المجتمعات من الأسفل دون أن تحظى بما تستحقه من الاهتمام النظري.
وفي تونس تبدو هذه المسألة أكثر وضوحا إذا ما نظرنا إلى الخريطة الاجتماعية للبلاد. فالكثير من التوترات التي انفجرت خلال العقود الأخيرة لم تنشأ في المراكز الساحلية المندمجة نسبيا في الدورة الاقتصادية، بل في الجهات الداخلية التي راكمت عقودا من التفاوت التنموي وضعف الاستثمار وندرة البنية الأساسية وفرص الشغل.
ومع ذلك، فإن الخطاب السياسي كثيرا ما تعامل مع هذه المناطق بوصفها خزانا للاحتجاج أو موضوعا للسياسات العمومية، لا باعتبارها فضاءات تمتلك خبراتها الخاصة ومعارفها ومبادراتها وأشكالها المتنوعة في تنظيم الحياة الاجتماعية.
إن إحدى المهام التي تنتظر الفكر التقدمي هي إعادة اكتشاف هذه الهوامش بوصفها مواقع لإنتاج السياسة لا مجرد ساحات لتلقي آثارها.
ففي الأطراف تتكشف أحيانا تناقضات النظام الاجتماعي بصورة أوضح مما يحدث في المراكز. هناك تظهر العلاقة المباشرة بين الثروة والحرمان، بين القرار ونتائجه، بين الوعود الرسمية والوقائع الملموسة. وهناك أيضا تتشكل أشكال من التضامن والمقاومة لا تنتمي دائما إلى القوالب الحزبية المعروفة.
ومن زاوية أخرى، يكشف وضع الأرياف العربية عن قصور تصور شائع ربط التقدم دوما بالتوسع الحضري اللامحدود. فقد جرى التعامل مع المدينة باعتبارها النموذج الأعلى للتطور، بينما قُدمت الحياة الريفية باعتبارها بقايا مرحلة ينبغي تجاوزها. لكن التجارب المعاصرة أظهرت أن هذا المسار يحمل هو الآخر أزماته الخاصة: تضخم المدن، الضغط على الخدمات، التلوث، هشاشة السكن، واتساع أحزمة الفقر.
لذلك لم يعد السؤال هو كيف نلحق الجميع بالنموذج الحضري السائد، بل كيف يمكن إعادة التفكير في العلاقة بين المجالين على أسس أكثر توازنا وعدالة.
إن التنمية ليست مجرد تركيز للاستثمارات في نقاط معينة أملا في أن تنتشر آثارها لاحقا، بل هي أيضا توزيع للقدرات والفرص والبنى التحتية على نحو يسمح للمجتمعات المحلية بالمشاركة الفعلية في رسم مصيرها.
وهذا يقود إلى مسألة أخرى شديدة الأهمية: مركزية الخبرة اليومية. فكثير من المشاريع السياسية الكبرى تعثرت لأنها تعاملت مع الناس بوصفهم أرقاما في خطط عامة أو عناصر داخل نماذج نظرية مجردة. بينما الواقع أكثر تعقيدا وغنى من أي تصور مسبق.
فالعامل الزراعي، وصغار المربين، والحرفيون، والنساء في المناطق الريفية، والشباب الذين يعيشون بين البطالة والهجرة الموسمية، لا يمثلون مجرد فئات اجتماعية ضمن جداول الإحصاء، بل يحملون معارف عملية وتجارب متراكمة يمكن أن تساهم في صياغة حلول أكثر واقعية واستدامة.
إن الإنصات إلى هذه الخبرات لا يعني تمجيدها أو إعفاءها من النقد، بل الاعتراف بأن المعرفة السياسية لا تُنتج حصرا في مكاتب الخبراء أو داخل الجامعات أو في مقرات الأحزاب. إنها تتشكل أيضا في الاحتكاك اليومي بالأرض والعمل والموارد والمشكلات الملموسة.
ولهذا فإن إعادة بناء مشروع تحرري عربي لن تمر فقط عبر مراجعة المفاهيم الكبرى أو تطوير البرامج الاقتصادية، بل تحتاج كذلك إلى إعادة رسم الخريطة الرمزية للمجتمع نفسه. أي إلى كسر التراتبيات الخفية التي جعلت بعض الأصوات مرئية ومسموعة باستمرار، بينما بقيت أصوات أخرى على هامش السردية الوطنية.
فعندما تدخل تلك الخبرات المهمشة إلى قلب النقاش العمومي، لا يتسع مجال الديمقراطية فحسب، بل تتوسع أيضا قدرة المجتمع على فهم نفسه. وعندها فقط يصبح الحديث عن العدالة أكثر من مجرد توزيع للموارد؛ يصبح أيضا إعادة توزيع للقدرة على الكلام والتأثير وصنع المعنى داخل الفضاء المشترك.
و إذا كانت المسارات الفكرية والسياسية لليسار العربي قد انشغلت طويلا بمسائل الدولة والهوية والتنمية والاستعمار، فإن سؤال العمل نفسه ظل في كثير من الأحيان يُتناول بأدوات لم تعد قادرة على الإحاطة بالتحولات العميقة التي مست طبيعة الإنتاج والعيش خلال العقود الأخيرة.
فالعالم الذي تشكلت فيه الحركات العمالية الكبرى لم يعد قائما بالصورة ذاتها. لم تعد المصانع الضخمة هي المركز الوحيد لإنتاج الثروة، ولم تعد علاقات الشغل تخضع دائما لأشكال مستقرة يمكن تنظيمها بسهولة داخل النقابات التقليدية. لقد نشأت أشكال جديدة من النشاط الاقتصادي يصعب الإمساك بها ضمن التصنيفات الموروثة.
في العالم العربي، تتخذ هذه التحولات ملامح خاصة. فجزء واسع من السكان يعمل خارج الأطر القانونية المنظمة. ملايين الأفراد يتحركون يوميا داخل فضاءات الاقتصاد غير المهيكل، بين التجارة الصغيرة، والخدمات الموسمية، والنقل غير النظامي، والعمل المنزلي، والأنشطة الهشة التي تتغير باستمرار وفق تقلبات السوق والحاجة.
هذه الفئات لا تعيش فقط هشاشة الدخل، بل تعيش أيضا هشاشة التمثيل. فهي غالبا خارج النقابات، وخارج الأحزاب، وخارج المؤسسات التي اعتادت التعبير عن المصالح الاجتماعية المنظمة. ولذلك فإن الكثير من أدوات التحليل السياسي التقليدية تجد صعوبة في إدراك وزنها الحقيقي داخل المجتمع.
وفي تونس، يمكن ملاحظة هذه الظاهرة بوضوح في الأسواق الشعبية، والأنشطة الحدودية، والورش الصغيرة، وخدمات التوصيل، وأشكال العمل الفردي التي اتسعت مع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية. لقد ظهر عالم اجتماعي كامل لا ينتمي إلى صورة العامل الصناعي الكلاسيكي ولا إلى صورة الموظف المستقر، لكنه أصبح يشكل جزءا أساسيا من البنية الاقتصادية.
إن تجاهل هذه التحولات يؤدي إلى فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع الفعلي. فالمطالب المرتبطة بالحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والضمانات المهنية، والحق في التنظيم، لم تعد تخص فقط الفئات التقليدية التي عرفتها الحركة النقابية، بل أصبحت تشمل طيفا واسعا من الأنشطة التي ظلت لوقت طويل خارج الاهتمام العمومي.
ومن جهة أخرى، فإن التحولات الرقمية أضافت بعدا جديدا إلى هذه الإشكالية. فبعض أشكال العمل الحديثة تقوم على منصات لا يلتقي فيها العامل وصاحب العمل بصورة مباشرة. تُدار العلاقات المهنية بواسطة تطبيقات وخوارزميات وآليات تقييم رقمية تتحكم في فرص الكسب وشروط النشاط اليومي.
وهنا يبرز تحدٍ فكري وسياسي بالغ الأهمية: كيف يمكن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية داخل فضاءات اقتصادية تتغير بسرعة أكبر من قدرة التشريعات والمؤسسات على مواكبتها؟
إن القضية لا تتعلق فقط بحماية الأفراد من الاستغلال، بل أيضا بإعادة تعريف معنى العمل نفسه. فهناك ملايين الساعات التي تُبذل يوميا في الرعاية الأسرية، وتربية الأطفال، والعناية بالمسنين، والعمل التطوعي، وإنتاج المعرفة، وهي أنشطة ضرورية لاستمرار المجتمع لكنها لا تحظى دائما بالاعتراف الاقتصادي أو الرمزي الذي تستحقه.
ومن هذه الزاوية، يصبح من الضروري توسيع مفهوم العدالة الاجتماعية بحيث لا يقتصر على توزيع الأجور والدخول، بل يشمل أيضا توزيع الوقت والجهد والاعتراف الاجتماعي.
كما أن التحولات الديمغرافية تفرض بدورها أسئلة جديدة. فالأجيال الشابة التي نشأت في بيئات مختلفة جذريا عن بيئات آبائها لا تنظر بالضرورة إلى العمل بالطريقة نفسها. إن تطلعاتها، ومخاوفها، وعلاقتها بالاستقرار المهني، وبالنجاح الفردي، وبالهجرة، وبالمخاطرة الاقتصادية، تعكس شروطا تاريخية جديدة لا يمكن فهمها عبر القوالب الجاهزة.
وهذا يفرض على الفكر التقدمي أن يتحرر من الحنين إلى أشكال اجتماعية مضت، وأن ينظر إلى الواقع كما هو لا كما يتمنى أن يكون. فالمهمة ليست إعادة إنتاج نماذج سابقة من التنظيم الاجتماعي، بل ابتكار أدوات جديدة تستجيب للتحولات الفعلية التي يعيشها الناس.
إن الدفاع عن الكرامة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين يمر أيضا عبر الدفاع عن الحق في شروط عمل عادلة وآمنة وذات معنى. لكنه يمر كذلك عبر الاعتراف بأن الثروة لا تُنتج فقط داخل المؤسسات الكبرى، بل تتولد من شبكة واسعة من الأنشطة المرئية وغير المرئية التي يقوم عليها استمرار الحياة الجماعية.
ولذلك فإن أي مشروع تحرري جاد سيكون مطالبا بإعادة التفكير في العلاقة بين العمل والحرية، بين الإنتاج والحياة، وبين الاقتصاد والمجتمع. ليس بهدف إيجاد أجوبة نهائية، بل بهدف فتح أفق جديد يجعل الإنسان غاية النشاط الاقتصادي لا مجرد وسيلة من وسائله.
وعندما يصبح هذا الأفق جزءا من النقاش العمومي، يمكن للسياسة أن تستعيد أحد معانيها الأساسية: تنظيم شروط العيش المشترك بما يسمح لأكبر عدد ممكن من البشر بالمشاركة في صنع حياتهم بدل الاكتفاء بالتكيف مع ما يُفرض عليهم من خارج إرادتهم.
و من الزوايا التي تستحق مزيدا من التفكيك كذلك، مسألة العلاقة بين اليسار العربي ومفهوم الشعب. ذلك أن هذه الكلمة، على بساطتها الظاهرية، تخفي وراءها تاريخا طويلا من الالتباسات النظرية والسياسية التي ما زالت تلقي بظلالها على النقاشات الراهنة.
ففي مراحل عديدة جرى التعامل مع الشعب كما لو كان حقيقة جاهزة وموجودة سلفا، كتلة متماسكة ذات مصالح واضحة وإرادة واحدة. غير أن التجارب التاريخية أظهرت أن الشعب ليس معطى طبيعيا بل بناء سياسي متحرك، يتشكل ويتفكك ويعاد تركيبه باستمرار عبر الصراعات والمؤسسات والخطابات والتحولات الاجتماعية.
لقد ورثت أجزاء واسعة من اليسار العربي تصورا يعتبر أن الشعب يقف دائما في الضفة المقابلة للسلطة، وأن مجرد الانتساب إليه يمنح أي خطاب شرعية تلقائية. لكن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فداخل ما نسميه شعبا تتعايش مصالح متعارضة، وتصورات متباينة للعالم، ومواقع اجتماعية متفاوتة، وأحيانا مشاريع سياسية متناقضة بالكامل.
ومن هنا تنبع أهمية التمييز بين استحضار الشعب كشعار واستحضاره كإشكال سياسي. فليس المطلوب التحدث باسمه بقدر ما هو فهم الكيفية التي تتشكل بها الإرادات الجماعية داخل المجتمع.
لقد شهد العالم العربي خلال العقود الأخيرة موجات واسعة من التعبئة الشعبية، غير أن كثيرا منها انتهى إلى نتائج لم تكن متوقعة من قبل المشاركين أنفسهم. والسبب أن إسقاط سلطة قائمة لا يؤدي تلقائيا إلى ظهور مشروع بديل قادر على تنظيم المجال العام وإدارة التناقضات الكامنة داخله.
فالشعب الذي يثور ليس بالضرورة الشعب الذي يحكم، والشعب الذي يحتج ليس دائما الشعب الذي يبني المؤسسات. هناك مسافة معقدة بين لحظة الرفض ولحظة التأسيس، وبين الطاقة الاحتجاجية والقدرة التنظيمية.
ولعل إحدى نقاط الضعف المزمنة في الثقافة السياسية العربية تكمن في التقليل من شأن هذه المسافة. إذ كثيرا ما يُفترض أن الإرادة الشعبية، بمجرد ظهورها، كافية لإنتاج الحلول. بينما تكشف التجربة أن الإرادات الجماعية تحتاج إلى آليات للتنسيق والتفاوض والتخطيط واتخاذ القرار.
وهنا يظهر مأزق آخر واجهه اليسار في أكثر من محطة تاريخية. فقد امتلك قدرة معتبرة على تعبئة السخط الاجتماعي، لكنه واجه صعوبات متكررة عندما تعلق الأمر بتحويل هذا السخط إلى مؤسسات دائمة أو سياسات قابلة للتنفيذ.
وفي المقابل، نجحت قوى أخرى في استثمار الفراغ الذي ينشأ بين لحظة الانفجار ولحظة البناء. ليس لأنها كانت أكثر تمثيلا للمطالب الشعبية بالضرورة، بل لأنها امتلكت شبكات أكثر تماسكا، أو تصورات أوضح، أو قدرة أكبر على إدارة الانتقال من الشارع إلى المجال المؤسسي.
ومن زاوية مختلفة، تطرح مسألة الشعب تحديا آخر يتعلق باللغة السياسية نفسها. فالكثير من الخطابات التقدمية المعاصرة أصبحت شديدة التخصص، موجهة إلى دوائر محدودة من النخب الثقافية أو الأكاديمية. وفي المقابل، توسعت المسافة بينها وبين قطاعات واسعة من المجتمع لا تجد نفسها داخل هذه اللغة ولا داخل مرجعياتها.
إن المشكلة هنا ليست في مستوى التعقيد الفكري، بل في القدرة على بناء جسور بين التحليل النظري والخبرة اليومية للناس. فالأفكار لا تتحول إلى قوة اجتماعية لأنها صحيحة فقط، بل لأنها تصبح مفهومة وقابلة للتداول والاندماج في الوعي العام.
ولهذا فإن معركة المعنى تظل جزءا لا يتجزأ من أي مشروع تحرري. ليست باعتبارها منافسة دعائية سطحية، بل باعتبارها جهدا مستمرا لصياغة لغة مشتركة تسمح لأفراد ذوي تجارب مختلفة بأن يدركوا ما يجمعهم دون إنكار ما يميزهم.
وفي الحالة التونسية، كما في بقية البلدان العربية، لا يمكن بناء مثل هذه اللغة عبر تجاهل التعدد الاجتماعي والثقافي القائم فعليا، كما لا يمكن بناؤها عبر تحويل هذا التعدد إلى جزر منفصلة لا رابط بينها. التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد أشكال جديدة من الانتماء المدني تجعل الاختلاف قابلا للتعايش داخل أفق مشترك.
إن السياسة، في أحد أعمق معانيها، ليست إدارة لمجتمع متجانس، بل فن العيش الجماعي داخل مجتمع متنوع. وكل مشروع يدّعي تمثيل الشعب دون الاعتراف بهذا التعقيد محكوم بأن يصطدم بالواقع عاجلا أم آجلا.
فالشعب ليس جوهرا ثابتا يكتشفه السياسي أو المفكر، بل عملية تاريخية مفتوحة تتشكل كلما نجحت فئات متفرقة في العثور على لغة ومؤسسات ومصالح تسمح لها بأن ترى نفسها جزءا من مصير واحد.
وعندما يُفهم الشعب بهذه الطريقة، لا يعود مجرد شعار يرفع في الخطب أو اللافتات، بل يصبح أفقا سياسيا يتطلب عملا يوميا شاقا من التنظيم والتربية المدنية وبناء الثقة وإنتاج المشترك داخل عالم يزداد انقساما وتعقيدا يوما بعد يوم.
وفي نهاية هذا المسار الفكري الممتد، لا يعود ممكنا النظر إلى الأسئلة التي تناولناها باعتبارها موضوعات منفصلة أو نقاشات أكاديمية معزولة، بل بوصفها خيوطا متشابكة داخل نسيج واحد يتصل بطريقة فهمنا للعالم، ولذواتنا، ولإمكانات الفعل التاريخي داخل مجتمعات تتغير بسرعة تفوق أحيانا قدرة الفكر على التتبع والاستيعاب.
لقد اتضح، عبر هذا التراكم من الإشكالات، أن الأزمة التي يواجهها اليسار العربي ليست أزمة واحدة ذات سبب وحيد، بل هي أزمة بنيوية مركبة تتقاطع فيها مستويات متعددة: مستوى التصورات النظرية، ومستوى الأدوات التحليلية، ومستوى العلاقة بالواقع الاجتماعي، ومستوى القدرة على تحويل الأفكار إلى قوة مادية فاعلة داخل المجتمع. وكل اختزال لهذه التعقيدات في عامل واحد، سواء كان ثقافيا أو اقتصاديا أو هوياتيا أو استعماريا، يؤدي في النهاية إلى تقليص أفق الفهم بدل توسيعه.
إن إعادة التفكير في هذه الإشكالات لا تعني البحث عن نظرية مكتملة أو إجابة نهائية، لأن مثل هذه الغاية نفسها تتعارض مع طبيعة الواقع الاجتماعي الذي يتسم بالحركة المستمرة وإعادة التشكل الدائم. بل تعني بالأحرى إعادة فتح الأسئلة الكبرى التي جرى إغلاقها تحت ضغط الأيديولوجيا أو الاستعجال السياسي أو اليأس التاريخي.
فالمجتمعات لا تُفهم من خلال ثباتها، بل من خلال تحولاتها. وما يبدو مستقرا في لحظة معينة قد يكون في الواقع نتيجة توازنات مؤقتة قابلة للانفجار أو إعادة التشكيل. ومن هنا فإن وظيفة الفكر النقدي ليست تثبيت الصور، بل زعزعتها بما يسمح برؤية ما هو غير مرئي في اللحظة الراهنة.
وفي هذا السياق، يصبح واضحا أن أي مشروع تحرري لا يمكن أن يختزل في مواجهة خارجية أو داخلية واحدة. فالعلاقات التي تنتج أشكال الهيمنة تتوزع على مستويات متعددة، تتداخل فيها البنى الاقتصادية مع الترتيبات السياسية، وتتشابك فيها الديناميات العالمية مع التكوينات المحلية، وتعمل فيها المؤسسات الرسمية إلى جانب الشبكات غير الرسمية، وتشارك فيها الثقافة واللغة والتعليم والإعلام في إعادة إنتاج أو تفكيك أنماط السيطرة.
إن العالم الذي نعيشه اليوم لم يعد قابلا للفهم عبر خرائط بسيطة أو ثنائيات حادة. لم يعد هناك مركز واحد واضح ولا هامش ثابت، بل شبكة معقدة من الترابطات التي تجعل كل موقع اجتماعي مرتبطا بغيره بطرق مباشرة وغير مباشرة. وهذا ما يفرض على الفكر النقدي أن يتخلى عن الأوهام التبسيطية التي تختزل الواقع في صراع وحيد الاتجاه، وأن يتجه نحو مقاربات أكثر تركيبا ومرونة وقدرة على التقاط التعدد داخل الظواهر نفسها.
وفي الوقت نفسه، لا يعني هذا الانفتاح على التعقيد التخلي عن الفعل أو الاستسلام للنسبية المطلقة. بل على العكس تماما، فكلما ازدادت الصورة تعقيدا، ازدادت الحاجة إلى أدوات تحليل أدق، وإلى أشكال تنظيم أكثر ذكاء، وإلى مشاريع سياسية قادرة على العمل داخل هذا التعقيد بدل الهروب منه.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه أي أفق تحرري في العالم العربي لا يكمن فقط في مواجهة قوى الهيمنة التقليدية أو الجديدة، بل أيضا في القدرة على إعادة بناء الثقة بين الأفراد والجماعات والمؤسسات. فبدون حد أدنى من الثقة الاجتماعية يصبح كل مشروع سياسي مجرد سلسلة من التوقعات القصيرة الأمد، ويغدو الفعل الجماعي نفسه رهينا للانفجار اللحظي أو الانسحاب الفردي.
ولهذا فإن بناء المستقبل لا يتعلق فقط بوضع برامج أو صياغة شعارات، بل بتأسيس شروط اجتماعية تجعل التعاون ممكنا والاستمرارية قابلة للتحقق. وهي شروط لا تُفرض من الأعلى، بل تتشكل عبر تراكم بطيء للتجارب والمؤسسات والممارسات التي تعيد تعريف معنى العيش المشترك.
كما أن استعادة القدرة على الفعل التاريخي تمر أيضا عبر إعادة الاعتبار للزمن الطويل. فالمجتمعات التي تُختزل حياتها السياسية في ردود الفعل السريعة تفقد تدريجيا قدرتها على التخطيط والتحليل والبناء. أما المجتمعات التي تستعيد أفقا زمنيا أوسع، فهي وحدها القادرة على تحويل لحظات الأزمة إلى فرص لإعادة التأسيس.
وفي هذا الأفق، يصبح الفكر النقدي أكثر من مجرد أداة للفهم؛ يصبح جزءا من عملية اجتماعية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل شروط الحياة نفسها. ليس بوصفه سلطة فوق المجتمع، بل بوصفه ممارسة داخل المجتمع، تشارك في تفكيك المسلمات حين تتحول إلى عائق، وتساهم في بناء المفاهيم حين تغيب أو تتآكل.
إن ما يتطلبه المستقبل ليس يقينا جديدا، بل شجاعة معرفية تسمح بالعيش داخل الأسئلة المفتوحة دون خوف من عدم الاكتمال. فالحقيقة الاجتماعية ليست معطى نهائيا، بل بناء مستمر يتغير كلما تغيرت شروط الحياة نفسها.
وعندما يُنظر إلى اليسار من هذا المنظور، لا يعود مجرد تيار سياسي أو تقليد فكري، بل يصبح اسما عاما لكل محاولة جادة لفهم العالم من أجل تغييره، ولكل جهد يسعى إلى توسيع مجال الحرية وتقليص أشكال الظلم وإعادة توزيع القدرة على الفعل داخل المجتمع.
وبهذا المعنى، لا تنتهي هذه الخاتمة إلى إغلاق النقاش، بل إلى إعادة فتحه على أفق أوسع، حيث لا يكون السؤال هو ما إذا كان التغيير ممكنا، بل كيف يمكن جعله أكثر واقعية وأكثر عدلا وأكثر قدرة على الاستمرار داخل عالم لا يتوقف عن التحول.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...
- في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو ...
- الطبيعة الطبقية للديمقراطية
- عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال ...
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ...
- الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل ...


المزيد.....




- حزب الله يرفض اتفاق وقف إطلاق النار ويطالب بانسحاب كامل لإسر ...
- مجلس النواب الأمريكي يقر مساعدات جديدة لأوكرانيا وعقوبات على ...
- البعثة الأممية بليبيا تنفي وجود برامج لتوطين مهاجرين
- لأول مرة.. استطلاع يكشف تراجع شعبية نتنياهو أمام آيزنكوت
- في زيارة -نادرة-.. رئيس الصين يتوجه إلى كوريا الشمالية الأسب ...
- قدمته رشيدة طليب.. -النواب- الأمريكي يرفض مشروع قرار بشأن صل ...
- مقال في الغارديان: واشنطن وطهران تعتقدان أنهما تنتصران لكنهم ...
- بعد عقود من الانتظار.. هل يفتح لبنان مطاره الثاني في الشمال؟ ...
- ترامب: فكرة اجتماع بوتين وزيلينسكي أمر رائع
- بوتين يعتبر الاتهامات -سخيفة-.. وزيلينسكي يدعوه إلى مفاوضات ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية واستعادة أفق التحرر.