|
|
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السياسي.
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 22:27
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في تونس اليوم، لا يمكن النظر إلى الواقع المعيشي والسياسي كما لو كان مجرد سلسلة من الأزمات الاقتصادية العشوائية أو الاختلالات المؤقتة في السوق. ما يحدث هو عملية ممنهجة لإعادة توزيع القوة والموارد، ولإخضاع المواطن العادي لآليات السيطرة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. المواطن لم يعد مجرد متلقي للسياسات الحكومية، بل أصبح محور صراع مركب بين الدولة، النخب الاقتصادية، النقابات البيروقراطية، والأحزاب التقدمية واليسارية التي فقدت فاعليتها على الأرض. هذه الأزمة ليست أزمة أسعار أو تضخم فحسب، بل أزمة تمثيل كاملة واغتراب اجتماعي ونقابي وسياسي. المواطن الذي يذهب إلى السوق يبحث عن قوت يومه يجد نفسه أمام أسعار مرتفعة، دعم مرفوع جزئيا، وسلع مفقودة، بينما لا يوجد من يمثل صوته أو يحمي قوته الشرائية. النقابات، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول، ممزقة داخليا وعاجزة عن اتخاذ موقف فعال. الأحزاب التقدمية واليسارية، التي كان من المفترض أن تكون أداة ضغط سياسي حقيقية، غائبة عن الدفاع عن مصالح المواطن اليومية، تاركة له الساحة مفتوحة للابتلاع الاقتصادي والسياسي. في هذا الواقع، يصبح المواطن مستنزفا ومحروما من أي قوة حقيقية على كل المستويات. لكن الثورة الحقيقية لا تبدأ بالأسعار أو الاحتجاج الفردي فقط، بل تبدأ حين يدرك المواطن أن كل هذه الظروف ليست عشوائية، وأن كل غياب، وكل صمت، وكل سياسة شكلية، هي جزء من خطة ممنهجة لإبقائه ضعيفا بلا صوت ولا قدرة على الفعل الجماعي. الذي يعيشه التونسي ليس مجرد غلاء، ليس مجرد تضخم، بل هي حرب على القدرة اليومية له، ومحاولة مستمرة لتفريغه من محتواه الاجتماعي والسياسي والنقابي. والفهم العميق لهذا الواقع هو الشرارة الأولى لأي فكر ثوري، لأنه يكشف كل الشبكات الخفية للهيمنة، ويعيد إلى المواطن إدراك موقعه كفاعل أساسي في الصراع الطبقي والاجتماعي والسياسي، لا مجرد ضحية صامتة للتضخم والأسعار وغياب التمثيل. غلاء المعيشة في تونس اليوم ليس مجرد شكاوى شعبية أو شعور عام، بل أزمة ملموسة تظهر في البيانات الرسمية والواقع الاجتماعي. في نهاية عام 2025، أعلن المعهد الوطني للإحصاء التونسي أن معدل التضخم السنوي بلغ 5.3% لعام 2025، بعد أن كان 7% في 2024، وهو انخفاض على الورق لكنه لا يعني تحسّنًا حقيقيًا في حياة الناس، بل تباطؤًا نسبيًا في وتيرة ارتفاع الأسعار بدون أن تتحسن القدرة الشرائية للمواطنين. في جانفي من عام 2026 تراجع معدل التضخم أكثر قليلا ليصل إلى 4.8% مقارنة بـ4.9% في ديسمبر 2025، لكن هذا لا يشعر به المواطن في يومياته، خصوصا مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية، ولا سيما المواد الغذائية التي لا تزال ترتفع بنحو 5.9% على أساس سنوي، رغم التراجع من 6.1% في ديسمبر. البيانات الرسمية عن مؤشر أسعار المستهلك (CPI) تظهر أيضا أن مؤشر الأسعار في تونس وصل إلى 190.80 نقطة في جانفي 2026، وهو أعلى مستوى له في تاريخ السلسلة منذ 1962، ما يعكس الضغط المستمر على الأسر. هذه الأرقام التضخمية لا تنعكس فقط في المؤشرات العامة، بل في تفاصيل الحياة اليومية: منذ السنوات الماضية وحتى 2026، الأسعار ترتفع بأسرع من قدرة الدخل على المتابعة. فمثلا، في العاصمة تونس يكفي أن نذكر أن عائلة مكوّنة من 4 أفراد تحتاج حسب مصادر مستقلّة أكثر من 5000 دينار شهريا لتغطية احتياجاتها الأساسية، وهو رقم يفوق بكثير دخول الكثير من الأسر العاملة والمتوسطة. على صعيد الأسعار، مع أن الإحصاءات الرسمية لم تنشر أحدث جداول تفصيلية لسنة 2026، إلا أن التضخم في المواد الغذائية والإيجارات والخدمات الأساسية يظهر صورة مشرّعة للمعاناة. كل زيادة طفيفة في السلع الأساسية تلتهم قدرة الناس المحدودة على التأقلم، في وقت يفترض فيه أن تباطؤ التضخم يجب أن ينعكس في استقرار الأسعار أو انخفاضها فعليًا في السوق، وهذا لا يحدث في الواقع المعيشي اليوم. هذه الأزمة التضخمية ترسّخها بنية اقتصادية أعمق. النمو الاقتصادي الرسمي المتوقع سنة 2026 لا يزال ضعيفا، إذ تتوقع السلطات نموا بنحو 3.3% في الناتج المحلي الإجمالي، وهو تحسّن نسبي مقارنة بالأعوام السابقة لكنه غير كاف لامتصاص صدمات الأسعار وفقر الوظائف، ولا ينعكس في تحسين مستويات الأجور الحقيقية. ومن جهة أخرى، يستمر التوتر الاجتماعي في الارتفاع. في أواخر عام 2025 وما بدايات 2026، تواجه تونس احتجاجات وإضرابات متكررة لأن العمال في عدة قطاعات يطالبون بزيادات تتماشى مع ارتفاع تكاليف المعيشة، والتي ترهق الأجور وتضع الأسرة العاملة تحت ضغط لا يطاق. ولنقف لحظة على مكذاق الأرقام الحقيقية وراء التضخم: في جانفي 2026، أدّى ارتفاع مؤشر الأسعار في المواد الغذائية بنسبة 5.9% إلى أن تصبح أشياء بسيطة أكثر تكلفة بالنسبة للناس، بينما لا تنجح الأرقام الرسمية في إظهار الفارق الحقيقي بين الأجور والأسعار. لو قارنّا الرقم الرسمي للتضخم (4.8–5.3%) بمعدل ارتفاع الأسعار في السوق غير المنظّمة أو أسعار العقار والطعام في الأسواق اليومية، نرى أن القدرة الشرائية تتراجع أكثر بكثير مما تظهره الأرقام الرسمية. وتتعمّق أزمة غلاء المعيشة عندما نرى أن الأُسر التونسية لم تشهد زيادات في الأجور بالمستوى المطلوب للتحسّن: الزيادات في الأجور، إن وجدت، غالبا ما تكون أدنى بكثير من ارتفاع الأسعار، بل في بعض الأحيان تكون رمزية أو متأخرة، ومردودها الحقيقي يتآكل بسرعة تحت تأثير ارتفاع السلع. حتى الدعم الاجتماعي الحكومي، مثل المنحة العائلية، لم تشهد تحديثا حقيقيا منذ عقود سوى زيادات بسيطة لا تواكب التصاعد المستمر في الأسعار. المنطق الاقتصادي الذي تدار به الأمور في تونس اليوم يتجاهل حقيقة أن الناس لا يمكن أن يعيشوا فقط بالأرقام الرسمية للتضخم أو الوعود ببرنامج نمو سنوي، بل بحاجة إلى دخل حقيقي يتماشى مع تكاليف الحياة اليومية. ومع ذلك، بنية الاقتصاد التونسي ما بعد الاستقلال اتجهت نحو نماذج لا تحمي القدرة الشرائية، بل تفضل التوازنات الخارجية والسياسات المالية الضيقة على حساب حياة الناس، ما أضعف الطبقة العاملة، وجعلها في سرير المنافسة مع ارتفاع الأسعار وليس في صدارة أولويات السياسات الاقتصادية. إشكالية غلاء المعيشة اليوم تحمل في جوهرها أيضا سؤالا عميقا حول كيفية توزيع الثروة وإدارة اقتصاد البلاد: من يملك وسائل الإنتاج؟ من يتحكم في الأسعار؟ كيف تحدد سياسات الدعم؟ ومن يستفيد أخيرا من التعديلات والتخفيضات الرسمية في نسب التضخم؟. فحين تعلن الأرقام الرسمية عن تراجع التضخم إلى 4.8% في جانفي 2026، لا يشعر بالتحسن إلا القليلون ممن يمتلكون أصولا أو استثمارات تقيهم رحى ارتفاع الأسعار، بينما يشعر الأغلبية بتآكل قدراتهم الشرائية على الأرض، حيث تبقى الأسعار في السوق أعلى من معدل الزيادة في الأجور الفعلية. في هذا السياق يبدو واضحا أن غلاء المعيشة في تونس ليس مجرد رقم تضخم يعلن في بيان حكومي، بل ظاهرة يومية تتداخل فيها بنية الاقتصاد، وتوزيع الدخل، ومشاريع السياسات الحكومية، مع الضغط الاجتماعي في الشارع. يمكن لأي تحليل أن يعتمد على أرقام التضخم الرسمية، لكنه لا يمكن أن يغفل عن ما يشعر به الناس في محصلتهم النهائية: أسعار أعلى، أجور أضعف، قدرة شرائية أقل، واستقرار اجتماعي يزداد هشاشة. هذه ليست مجرد أزمة مؤقتة أو نكسة عابرة، بل نتيجة تراكمية لسنوات من السياسات التي لم تضع المواطن في مركز صناعة القرار الاقتصادي، بل جعلته تابعا لحسابات خارجية وضغوط مالية لا تعكس واقع حياته اليومية. وبالتالي، تصبح مواجهة غلاء المعيشة معركة ضرورية لإعادة تنظيم الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، لا مجرد مراقبة أرقام التضخم الشهرية أو سنوية. غلاء الأسعار في تونس اليوم ليس مجرد حادثة معزولة أو تقلب طبيعي في الأسواق، بل هو نتاج تراكمات بنيوية في النظام الاقتصادي والسياسي، وامتداد لصراع طبقي واضح على السيطرة على الثروة والسلطة الاقتصادية. كل ارتفاع في الأسعار، سواء في الغذاء أو الطاقة أو الخدمات الأساسية، لا يمكن تفسيره فقط بالعرض والطلب أو التضخم العالمي، بل هو انعكاس لصراع سياسي واجتماعي يتحكم فيه من يمتلك أدوات الإنتاج والتوزيع، بينما تترك الأغلبية الشعبية تحت وطأة السوق، عاجزة عن التأثير في الأسعار أو حماية دخلها. هذه الديناميكية تكشف أن ارتفاع الأسعار ليس مجرد مشكلة مالية، بل أداة للهيمنة الطبقية وإعادة توزيع الموارد لصالح الأقلية الاقتصادية. الدولة التونسية، بدورها، لا تتعامل مع هذه الأزمة كما لو كانت مشكلة اجتماعية، بل بوصفها فرصة لإعادة إنتاج علاقات القوة القائمة. غياب سياسة واضحة لكبح الأسعار ليس نتيجة عجز إداري، بل هو سياسة واضحة لصالح رأس المال والطبقات المحتكرة للموارد. الدعم المباشر للسلع الأساسية يتم تخفيضه أو تجميده باسم “الاستدامة المالية”، بينما ترتفع الأسعار بلا رادع حقيقي. الأجور، من جانبها، لا تواكب هذا الارتفاع، ولا توجد آليات لربطها بالتضخم الفعلي، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للطبقات الشعبية بشكل متسارع ومستمر. آليات ارتفاع الأسعار ليست عشوائية. الاحتكار والمضاربة والتلاعب بسلسلة التوزيع تعمل كلها في حلقة مترابطة تغذي الأزمة. الاحتكار يجعل السلع الأساسية أداة للضغط السياسي والربح الاقتصادي، والمضاربة تحوّل المواد الضرورية من حقوق اجتماعية إلى أدوات لتحقيق أرباح فورية، والتلاعب بسلسلة التوزيع يسمح بتوجيه السلع إلى أسواق معينة أو تهريبها، ما يبرر زيادات إضافية ويخلق فجوة مستمرة بين الأسعار الرسمية والسوق الواقعية. وكل هذه الآليات تعمل في ظل غياب رقابة فعالة من الدولة أو أي آليات اجتماعية لضبط الاحتكار. من منظور اجتماعي، ارتفاع الأسعار له أثر متفاوت على الفئات المختلفة: الفقراء والطبقة العاملة يدفعون الثمن الأكبر، إذ يُستنزف دخلهم بسرعة ويضعف قدرتهم على شراء الضروريات، بينما الطبقة الوسطى الصغرى تفقد قدرتها على الحفاظ على مستوى معيشي ثابت، وتضطر إلى خفض الاستهلاك أو اللجوء إلى الديون. أما الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال، فيستفيدون من ارتفاع الأسعار إذا كانوا يملكون وسائل الإنتاج أو التوزيع، أو على الأقل لا يتأثرون بشكل يذكر. بهذا يتحول غلاء المعيشة إلى أداة تصفية اجتماعية: من لا يملك القدرة على مواجهة الأسعار يضعف أو يُطرد من السوق، في حين تستمر الأقلية المسيطرة في تعزيز أرباحها وهيمنتها. السياسات الرسمية، التي تعتمد على البيانات التضخمية والوعود بتحسن الأسعار، ليست أكثر من خطابات شكلية لا تغيّر الواقع المعيشي للأغلبية. الدولة تعتمد على أدوات سوقية، وتستخدم خطابا إعلاميا يطمئن الجمهور، لكنها في الواقع لا تملك آليات تنفيذية قوية لضبط الأسعار أو حماية القدرة الشرائية. أي تحرك حقيقي يتطلب رقابة صارمة على الاحتكار، ودعم الإنتاج المحلي، وإعادة تنظيم آليات التوزيع، وإشراك النقابات والمجتمع المدني في صنع القرار. بدون ذلك، ستبقى الأزمة تتفاقم، وستستمر الأسعار في الصعود، بينما يظل الشعب العريض تحت وطأة الغلاء واليأس. أزمة غلاء الأسعار في تونس هي بالتالي أزمة شرعية للنظام الاقتصادي والسياسي نفسه. هي ليست مجرد فشل في إدارة التضخم، بل دليل على أن الدولة تفضل حماية مصالح الأقلية الاقتصادية على حساب الأغلبية. كل بيانات رسمية عن التضخم أو مؤشرات الأسعار التي تُعلن لا تعكس الواقع المعيشي الحقيقي، فالقدرة الشرائية تنهار يوميا على الأرض، والطبقات الشعبية تتحمل عبء السياسات الاقتصادية القائمة. فمواجهة هذه الأزمة تتطلب إعادة النظر الكامل في آليات صنع القرار الاقتصادي والسياسات العامة، بحيث لا تظل الأسعار مجرد أداة للهيمنة أو إعادة توزيع غير متكافئ للثروة، بل تتحول إلى قضية اجتماعية يمكن التحكم فيها لمصلحة الشعب بأسره. يجب إعادة تنظيم الإنتاج، فرض رقابة شعبية على الأسعار، استرجاع القطاعات الاستراتيجية من أيدي الأقلية المحتكرة، وتفعيل سياسات ضريبية عادلة توزع الثروة بشكل أفضل. ارتفاع الأسعار وغياب سياسة واضحة لكبحها في تونس اليوم ليس مجرد مشكلة اقتصادية، بل قضية سياسية واجتماعية وثورية. هي الصراع اليومي على القدرة الشرائية والعيش الكريم، وتجسد إعادة إنتاج للهيمنة الطبقية، وتضع الشعب أمام خيار مواجهة مباشرة لأزمة النظام الاقتصادي والسياسي الذي يرفض حماية مصالح الأغلبية. كل زيادة في الأسعار، كل فشل في ضبط السوق، هي تذكير بأن الأزمة أعمق بكثير من أرقام التضخم، وأن الحل لا يمكن أن يأتي إلا من تحرك جماهيري واسع، ونضال منظم، وسياسات اقتصادية حقيقية تتحدى الهيمنة الطبقية. في تونس العام 2026، صار ارتفاع الأسعار أكثر من مجرد قضية اقتصادية فنية؛ فكما السنوات السابقة ،صار تجربة يومية تعكس صراعا طبقيا وسياسيا حقيقيا على توزيع القوة والثروة داخل المجتمع. عندما يعلن جهاز إحصاء رسمي أن التضخم بلغ نحو 4.8٪ في أوائل 2026، ولاحقا مؤشر أسعار المستهلك يتجاوز مستوى 191 نقطة ، وهي أرقام ينظر إليها في الكواليس الرسمية كأدوات مقاربة لحالة سوق «معتدلة» ، يظل المواطن في الأسواق اليومية يعيش واقعا مختلفا تماما حيث يشعر بأن الأسعار في كل سلة غذائية، في كل فاتورة كهرباء، في كل دواء، أعلى بكثير مما تعكسه أي مؤشرات رسمية. وهذا لا يعبر عن “تفاوت في الأذواق” أو خطأ في التقدير، بل عن انفصال بنيوي بين ما يُعلن وما يُمارس في الحياة الاقتصادية الفعلية للمجتمع. الواقع أن الأرقام الرسمية ، مهما كانت دقيقة في تسجيلها ، لا تعبّر عن القدرة الشرائية الحقيقية للأفراد ولا عن الاختلالات الطبقية التي تحدد من يستطيع شراء الضروريات ومن لا يستطيع. ففي الأسواق الحقيقية، وخاصة الأحياء والحوانيت الصغيرة والتسويق الشعبي اليومي، يشعر المواطن أنه يدفع أكثر من أي وقت مضى مقابل المواد الأساسية: الغذاء، الطاقة، النقل، الأدوية، وحتى خدمات الصحة والتعليم. وقد ترتفع بعض هذه الأصناف بنسب تزيد عن الأرقام الرسمية بوضوح كبير، لأن السوق الرسمية نفسها تحولت في الكثير من الأحيان إلى سوق تتقاطع فيه مصالح المحتكرين والمضاربين مع ضعف الرقابة، في حين لا تعكس السياسات الحكومية أي ردع حقيقي لهذه الممارسات. هذه الأزمة ليست مجرد “مسألة أرقام تخص التضخم”؛ بل هي مؤشر على هيمنة مجموعات الاحتكار والمضاربة على سوق الإنتاج والتوزيع، وهو ما ينتج فجوة بين ما يجب أن تكون عليه الأسعار في اقتصاد منتج وخاضع إلى مراقبة، وما هي عليه فعليا في السوق الواقعية. والمفارقة الثورية هنا أن الدولة ، بخطاباتها وبرامجها الرسمية ، تحاول أن تظهر أن ارتفاع الأسعار يمكن التعامل معه عبر أدوات مالية أو إحصائية، بينما الواقع على الأرض يؤكد أن ارتفاع الأسعار أصبح أداة لإعادة إنتاج العلاقات الطبقية، وليس مجرد نتيجة لظاهرة سوقية محايدة. السياسات الرسمية التي تدار من خلالها أزمة الأسعار اليوم في تونس تتسم بوجود منظومة مؤسساتية توظف لغة تقنية بدل لغة اجتماعية وسياسية واضحة. هناك اعتماد شبه مطلق على أدوات السوق الحر، وسِيَر معاملات الاستيراد والتصدير، ورفع الأسعار تدريجيا تحت شعارات مثل “مرونة السوق” و”تحرير الأسعار”، لكن هذه الشعارات في الواقع لا تترجم إلى استراتيجيات فعالة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين. والغريب أن هذه السياسات تقدَّم بالعناوين نفسها مرة بعد مرة، وطوال عقود، في اعتقاد أن السوق «سيصلِح نفسه»، أو أن الأسعار ستعود تلقائيا إلى معدلات مقبولة، بينما الحقيقة أن الأسعار تبقى مرتفعة بلا أي كبح حقيقي. إن غلاء الأسعار تدريجيا وغياب أي سياسات حقيقية لضبطها يعبر عن اختيار سياسي مركزي: اختيار لصالح فئات تمتكّن أدوات الإنتاج والتوزيع وتمارس احتكارات واضحة في سوق السلع والخدمات الأساسية، وتترَك فئات واسعة من المجتمع ، مثل الطبقة العاملة، والفلاحين الصغار، والمهنيين الجزئيين ، في مواجهة يومية مع سوق لا تبالي إلا بمن يستطيع دفع السعر الأعلى. وهذه ليست مصادفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية اتخذت والمقصود منها الحفاظ على مصالح الأقلية الاقتصادية المسيطرة بدل حماية مصالح الأغلبية الشعبية. يمكننا تفكيك هذا الواقع من زاويتين رئيسيتين: الجانب البنيوي في تشكّل الأسعار، والجانب السياسي المرتبط بسياسات الدولة وهيكل القوة داخل المجتمع. من الجانب البنيوي، الأسعار ليست مجرد معادلة بين العرض والطلب؛ هي نتيجة لسلسلة معقدة من المصالح السياسية والطبقية: هناك من يمتلك وسائل الإنتاج الأساسية، هناك من يحدد من أين تورَد السلع، وهناك من يفرض الأسعار من خلال شبكة توزيع تمتلكها جماعات قليلة تعرف باللوبيات الاقتصادية. حين يحدث ذلك، تتحول الأسعار من مسألة تقنية إلى أداة سيطرة اقتصادية بيد من يمتلك أدوات الإنتاج والتوزيع نفسها. هذه الآليات تشمل الاحتكار الذي يتحكم في المعروض من السلع الأساسية، والمضاربة التي تتعامل مع المواد الأساسية كأدوات للربح، والتلاعب بسلاسل التوزيع بحيث تضغط على المعروض لتصعد الأسعار دون أي اعتبار لاحتياجات المجتمع. وتزيد من هذه المشكلة غياب رقابة حكومية قوية وكفؤة، ليس لأن الدولة عاجزة فحسب، بل لأنها ترى في ترك السوق يعمل بحرية شبه كاملة سبيلا للحفاظ على مصالح اقتصادية بعينها. من الجانب السياسي، يمكن القول إن الدولة ، بما تمثله من أجهزة تنفيذية وتشريعات ورقابة ، لم تضع أبدا حماية القدرة الشرائية للمواطنين في صدارة أولوياتها. السياسات المالية التي تنفَّذ غالبا ما تركّز على توازنات مالية كلية، أو على حسابات ميزانية الدولة، دون أي ارتباط حقيقي بمستوى الدخول وقدرة المواطنين على العيش. إن ارتفاع الأسعار، بهذا المعنى، يكشف بوضوح أن السياسات الاقتصادية في تونس ليست محايدة؛ بل هي سياسات طبقية تنتج أثرا اجتماعيا واضحا لمصلحة فئات مهيمنة على حساب فئات كثيرة محرومة من أية أدوات تأثير في صنع القرار. النتيجة الطبيعية لهذا الوضع هو أن المواطن الذي يتسوق اليوم في الأسواق الحقيقية يشعر أن الأسعار أعلى بكثير مما كانت عليه قبل سنوات، بالرغم من الأرقام الرسمية التي تكرر أن التضخم «يتراجع» أو «يستقر». لكنه لا يعيش المؤشرات، بل يعيش أثر الأسعار الفعلي في دخله اليومي، حيث تآكل القدرة الشرائية والضغط المتزايد على الميزانية الأسرية دفع بالكثيرين إلى تعديل أنماط الاستهلاك، واحتمال تدهور مستويات معيشة واسعة. وإذا ما فكرنا في تأثير هذا الارتفاع التدريجي على العلاقات الاجتماعية والسياسية، فإننا ندرك أن ارتفاع الأسعار لا يوزع عبئه بالتساوي بين كافة الفئات. بل يقوم بتكريس فجوة متسعة بين الطبقات: فبينما تتحمل الفئات الشعبية الأسعار الأعلى دون أي زيادة مقابلة في الأجور أو الحماية الاجتماعية، تظل الفئات التي تمتلك أدوات الإنتاج والتوزيع أكثر قدرة على امتصاص تأثير الارتفاعات أو حتى الاستفادة منها اقتصاديًا. هنا يصبح الغلاء ليس مجرد عرض جانبي لأزمة اقتصادية، بل أداة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي والطبقي داخل المجتمع. من منظور ثوري، قراءة هذا الواقع تعني أن غلاء الأسعار لا يمكن فصله عن آليات الهيمنة الطبقية وتقاسم الثروة والسلطة داخل المجتمع. إنها ليست مشكلة يمكن حلها بالإجراءات الجزئية فقط، مثل رفع الدعم المؤقت أو تنظيم حملات دعائية لتطمين المواطنين، بل تتطلب إعادة تنظيم كاملة لعلاقة الدولة بالسوق، وعلاقة المجتمع بالثروة المنتجة. يجب أن يصبح كبح الأسعار جزء من استراتيجية سياسية أوسع لتحرير المجتمع من آليات الاحتكار والمضاربة، وإعادة توجيه السياسات الاقتصادية من خدمة مصالح الأقلية إلى حماية مصالح الأغلبية الشعبية. في هذا السياق، يصبح الغلاء ليس مجرد متغير اقتصادي في معادلة الأسعار والتضخم، بل مؤشرًا على اختلالات عميقة في النظام الاقتصادي والاجتماعي نفسه ، اختلالات لا يمكن إصلاحها بمجرد تعديل أرقام أو إعلانات، بل عبر تحولات سياسية واقتصادية وتوزيعية جذرية تجعل الأسعار أداة لخدمة الإنسان لا أداة للهيمنة عليه، وتجعل الاقتصاد وسيلة لتحقيق العيش الكريم بدلا من كونه ساحة لصراع طبقي وتراكم ربح على حساب حياة الناس اليومية. في تونس، العام 2026 يمضي وسط تضخم متواصل في الأسعار لا يتناسب مع دخل الناس ولا يعكس أي تحسن حقيقي في القدرة الشرائية للأغلبية. الأرقام الرسمية تشير إلى استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية في السوق اليومية، بينما يزداد الفارق بين هذه الأسعار وبين المؤشرات الإحصائية التي تعلن في التقارير الرسمية. وفي هذا السياق تصبح القضية ليس فقط غلاء الأسعار، بل كيفية إنتاجها سياسيا واجتماعيا، وكيف أن الدولة لا تمتلك ، أو لا تريد أن تمتلك ، إرادة واضحة لكبح هذه الارتفاعات لضمان مستوى معيشي لائق للجماهير. في الساحة اليومية، وبينما تعلن شركات ومؤسسات مختلفة عن عروض بأسعار معينة، فإن التوقعات الرسمية والمهنية تشير إلى مستويات أعلى بكثير في الواقع الواقعي للمعيشة. من الأمثلة الواضحة على ذلك ما أكّده رئيس الغرفة الوطنية للقصّابين، أحمد العميري، بأن سعر كيلوغرام لحم الضأن قد يتجاوز الـ70 دينار تونسي خلال شهر رمضان 2026، وأعرب عن استيائه من استمرار ارتفاع الأسعار الذي يصعب على المواطن تحمّله، مؤكدا أن السعر الحالي للـ”برشني” المهرب من الجزائر قرابة 58 دينار وقد يبلغ 65 دينارا لكلغ العلوش التونسي، مرجّحا أن يتجاوز السعر 70 دينارا بسبب نقص المعروض في السوق، داعيا الجهات الرسمية لمراجعة وضعية الإنتاج والتوريد كحل محتمل لتثبيت الأسعار. هذه التصريحات تكشف بوضوح عن ميكانيزمات اجتماعية وسياسية لارتفاع الأسعار لا يمكن تفسيرها بمجرد مصطلح “تضخم” و”عرض وطلب”. فالحديث عن احتمال تجاوز السعر 70 دينارا ليس مجرد توقع عابر، بل مؤشر على ضعف السياسات الرقابية وعدم وجود إرادة حقيقية من جانب الدولة لضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فبينما لم تعد الأسعار في العديد من البلدان تتحكّم فيها فقط العوامل الاقتصادية الأساسية، فإن الأسعار في تونس تعالج كأرقام في تقارير بينما يعيشها الناس كل يوم في الأسواق بحجمها الكامل والأكثر قسوة. حين ننظر إلى انعكاس هذا الارتفاع في الأسعار على حياة الناس، نجد أن المسألة تتعدى مجرد مسألة تقنية أو اقتصادية، بل هي قضية اجتماعية وسياسية ترتبط بجوهر توزيع الثروة والسلطة في المجتمع. الأسعار المرتفعة ليست مصادفة، ولا يمكن عزلها عن غياب سياسات مناسبة لضبط الاحتكار والمضاربة. ففي كثير من حلقات الإنتاج والتوزيع، تفرض لوبيات معينة ، سواء في قطاع الأغذية أو في السلع الأساسية الأخرى ، تسعيرات تضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين بطريقة هيمنة من أسفل إلى أعلى. أما من الجانب السياسي، فإن هذا الواقع يعكس غياب إرادة الدولة في حماية الديمقراطية الاقتصادية. بينما يتوقع أن تدخلات الدولة في السوق تخفّف من وطأة الارتفاعات، تصبح في معظم الأحيان صارمة تجاه أصحاب الدخل المحدود لكنها ضعيفة أو غائبة تجاه لوبيات الاحتكار. هذا ما يجعل أسعار السلع الأساسية ، التي يجب أن تنظر إليها كحقوق اجتماعية لا سلع سوقية ، ترتفع بلا رقابة حقيقية ولا تنظيم واضح. لا يمكن فصْل ارتفاع أسعار اللحوم عن احتياجات الناس اليومية الأساسية. إن مجرد التفكير في شراء لحم الضأن بسعر يقارب أو يتجاوز 70 دينارا هو مثال صارخ على التحول الاجتماعي لشيء كان يوما جزء من النظام الغذائي لأغلبية المواطنين إلى سلعة باهظة التكلفة تضغط على ميزانياتهم الأسرية. هذا يضع الأسرة في مواجهة مباشرة مع «سوق قوي» لا يأخذ في الحسبان حدود دخلها، بل يعمل وفق منطق الربح والاحتكار. وقد شهدت السوق بالفعل مبادرات تحاول تقديم بدائل أو تخفيضات في الأسعار، مثل إعلان شركة اللحوم عن توفير لحوم الضأن ولحوم الأبقار المحلية بسعر 42.9 دينار للكيلوغرام كعملية تهدف إلى تعديل العرض بالسوق الداخلية خلال شهر رمضان، في محاولة لمراعاة القدرة الشرائية للمواطنين. لكن هذه المبادرات ، رغم أهميتها ، لا تشكل سياسة عامة قوية يمكن أن تحبط منطق الاحتكار وتخفّض الأسعار بشكل مستدام، بل هي تدخلات مؤقتة تحاول تهدئة السوق في مناسبات خاصة. المثير للانتباه في هذه العملية هو أن الأسعار الرسمية التي يعلن عنها في مثل هذه المبادرات، رغم أنها أقل من أسعار السوق، لا تزال مرتفعة للغاية مقارنة بدخل الأغلبية. وهذا يشير إلى أن كل ارتفاع في الأسعار، حتى عندما يبدو أنه يخضع لرقابة مؤسسات مثل شركة اللحوم، لا يخرج من إطار هيمنة السوق وغياب سياسة فعلية لموازنة القوة بين المنتجين والمستهلكين. من منظور ثوري، لا يمكن قراءة هذا الواقع بمعزل عن توزيع القوة داخل المجتمع والنظام الاقتصادي نفسه. ارتفاع الأسعار ليس مسألة أسعار بحد ذاتها؛ هو مؤشر على هيمنة طبقية في توزيع الثروة، وجذر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية يكمُن في أن السياسة الاقتصادية للمشتغلين بالسلطة لم تضع حماية القدرة الشرائية للمواطنين في قلب أولوياتها. وعندما تكون السياسات الاقتصادية والمالية مُدارة لخدمة مصالح أقلية تمتلك أدوات الإنتاج والتوزيع، يصبح ارتفاع الأسعار وسيلة لتكريس القوة الطبقية وإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد لصالح من يمتلك أدوات التحكم في السوق بدلاً من خدمة الشعب العظيم. هذا الوضع يجعل من غلاء الأسعار قضية مبارزة على صنع القرار الاقتصادي: من يحدد الأسعار؟ لمن تنفق الثروة الوطنية؟ من يستفيد من ارتفاع الأسعار؟ كل هذه الأسئلة ترتبط بجوهر الصراع الطبقي على الثروة والسيادة الاقتصادية. ودون أن يُفهم هذا الصراع بوضوح، تصبح أي محاولات لتفسير الأزمة أو علاجها فاشلة لأنها تظل في إطار الأرقام التقنية فقط، بينما الواقع الاجتماعي يعيش تداعيات هذه الأسعار كل يوم. وإذا ما نظرنا إلى تأثير هذا الارتفاع على البنى الأسرية، نجد أن الأسر العاملة والفقيرة تدفع الثمن الأكبر؛ إذ تصبح أجورهم، التي غالبا ما تبقى ثابتة أو لا تتناسب مع مستوى الأسعار، غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجاتهم. بينما تستفيد الطبقات المسيطرة على أدوات الإنتاج والتوزيع من ارتفاع الأسعار عبر تعزيز ربحيتها. وهكذا تتحول الأسعار من مجرد تكلفة حياة إلى آلية لإعادة توزيع الدخل الوطني بطريقة تزيد من عدم المساواة والفوارق الطبقية. غلاء المعيشة في تونس 2026، إذا، ليس مجرد ارتفاع في الأسعار؛ هو صراع طبقي وجدل سياسي حول من يملك سياسات الاقتصاد ومن تحميها هذه السياسات. ومنظور الثورة يرى أن هذا الصراع يتطلب إعادة تنظيم جذري في كيفية تحديد الأسعار وتنظيم السوق وضمان حقوق الفئات الشعبية، بحيث لا تُنظر الأسعار كأرقام في تقارير فنية، بل كقضية سيادة اجتماعية ترتبط بالقدرة الشرائية والعيش الكريم للجميع. في تونس 2026، يعيش المواطنون حالة اقتصادية واجتماعية تجمع بين القهر المالي والتخطيط السياسي الممنهج. ارتفاع الأسعار لم يعد مجرد ظاهرة تضخمية تقليدية يمكن تفسيرها بأرقام أو مؤشرات رسمية، بل أصبح أداة لإعادة توزيع القوة الاقتصادية، وضمان مصالح فئات محددة على حساب الأغلبية الشعبية. كل كيلوغرام من الغذاء، كل سلعة أساسية، وكل رفع دعم “خفيف” في السوق يحمل في طياته قصة صراع طبقي عميق، صراع بين الدولة التي تتصرف تحت ضغط المديونية، وبين المواطن الذي يواجه يوميا نقص القدرة الشرائية، وغضب الأسعار، وسياسات خفية لإخفاء الحقيقة. المديونية، في هذا السياق، ليست مجرد أرقام في الميزانية أو ديونًا على الدولة، بل وسيلة للهيمنة على الاقتصاد الوطني وتقييد خيارات الدولة في حماية مواطنيها. فالدولة، ملزمة بسداد فوائد الديون، تجد نفسها عاجزة عن اتخاذ سياسات دعم فعالة للسلع الأساسية، أو ضمان استقرار الأسعار. المواطن، بدوره، يضطر لدفع فاتورة المديونية بحياته اليومية وميزانيته الأسرية، بينما يتم استغلال ارتفاع الأسعار لصالح لوبيات الاحتكار ومن يمتلك القدرة على التحكم في التوزيع. وفي قلب هذه اللعبة، يظهر تكتيك “رفع الدعم السري”، وهو ليس مجرد ارتفاع أسعار تدريجي، بل عملية مقصودة لاستنزاف القوة الشرائية للمواطنين، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمواطن. هذا التكتيك يعتمد على تغييب السلع عن الأسواق الرسمية بطريقة ممنهجة، بحيث يصبح الاختفاء متزامنا مع الأزمات الحقيقية أو الضغط الاجتماعي. هناك عدة أسباب لهذا التغييب: رفع الدعم تدريجيا دون الإعلان عنه رسميا: بإخفاء السلعة عن السوق، يرتفع سعرها في السوق الموازي أو السوداء، ما يجعل المواطن يدفع أكثر، ويشعر أن الأسعار تتصاعد دون رقابة أو تفسير. تشجيع السوق الموازية والتهريب: تغييب السلع يدفع بعض التجار أو المستهلكين للبحث عن بدائل خارج القنوات الرسمية، ما ينشط سوقا موازية تعتمد على التهريب والتجارة غير القانونية، ويصبح المواطن مضطرا لدفع أسعار أعلى من الأسعار القانونية السابقة. غياب العملة الصعبة: في كثير من الأحيان يكون تغييب السلعة ليس نتيجة لإرادة سياسية بحتة فقط، بل بسبب عدم توفر العملة الصعبة اللازمة للاستيراد من الخارج، ما يؤدي تلقائيا إلى نقص المعروض ورفع الأسعار في السوق الرسمية وغير الرسمية. هذه الممارسات ليست اعتباطية، بل جزء من آلية استراتيجية تعتمدها الدولة والمؤسسات المالية لإعادة ترتيب السوق والسيطرة على الأسعار، بينما يظهر المواطن وكأنه يتلقى “حلا حكوميا” مؤقتا، عندما يطرح المنتج مرة أخرى في السوق بسعر رسمي أقل من سعر السوق السوداء، لكنه أعلى من السعر قبل تغييب السلعة. النتيجة هي أن المواطن يصفق لتدخل الدولة، معتقدا أن هناك حماية لقدرته الشرائية، لكنه في الواقع وقع في خدعة رفع الدعم السري تدريجيا، وصار جزء من دخله يبتلع لصالح الاحتكارات والسوق الموازية. لنأخذ مثال اللحوم، فقد أعلن رئيس غرفة القصابين أحمد العميري أن سعر كيلوغرام لحم الضأن قد يصل إلى 70 دينارا بسبب نقص المعروض من السوق الداخلي وارتفاع الطلب على اللحوم المهربة أو المستوردة بأسعار أعلى. هذه المعادلة تظهر بوضوح تأثير تغييب السلع على الأسعار، وتأجيج السوق الموازية، وتوفير مبرر لتثبيت الأسعار الجديدة رسميًا بأسلوب يبدو وكأنه إنقاذ حكومي. المواطن يدفع الفاتورة كاملة، بينما من يمتلك أدوات الإنتاج والتوزيع يستفيد من المضاربة والاحتكار، والدولة تظهر وكأنها تحمي المواطنين. التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لهذا التكتيك عميقة: اقتصاديا: تآكل القدرة الشرائية، تفاقم الفقر، زيادة الاعتماد على القروض الشخصية، واستمرار ارتفاع الأسعار بلا توقف. سياسيا: زعزعة الثقة بين الدولة والمواطن، تحويل المواطن إلى مستهلك سلبي، واستخدام السياسات الحكومية المؤقتة كغطاء لإخفاء سياسات رفع الدعم المستمرة. اجتماعيا: تعميق التفاوت الطبقي، زيادة الضغط النفسي والاقتصادي على الأسر، وتحويل سوق السلع الأساسية إلى ساحة صراع على البقاء اليومي. الواقع أن كل هذه السياسات ، المديونية، رفع الدعم السري، تغييب السلع، تشجيع السوق الموازية ، تعمل معا لتغيير البنية الاقتصادية للمجتمع: المواطن العادي يجد نفسه ضعيفا أمام قوة السوق، بينما الاحتكارات تتقوى وتزداد أرباحها. كل خطوة في هذه السياسة الاقتصادية تمثل اختيارا سياسيا واضحا: حماية مصالح الأقلية المسيطرة على أدوات الإنتاج والتوزيع على حساب الأغلبية الشعبية. من منظور ثوري، ما يحدث في تونس اليوم ليس مجرد أزمة أسعار أو تضخم مؤقت، بل صراع طبقي حقيقي على القدرة الشرائية وحق الحياة الكريمة. المواطن لا يدرك أن كل تدخل حكومي مؤقت في السوق، وكل إعادة طرح سلعة بعد تغييبها، هو جزء من عملية رفع الدعم السري بطريقة ممنهجة ومنظمة، تجعل الدولة تظهر كمنقذ، بينما الواقع يقول أن المواطن خدع وابتلع جزء كبير من قوته الشرائية بلا وعي منه. الأزمة اليوم تتطلب قراءة سياسية عميقة: غياب سياسة واضحة لكبح الاحتكار، والاعتماد على رفع الدعم السري كأداة لإدارة السوق، والضغط المزدوج للمديونية ونقص العملة الصعبة، جميعها تؤدي إلى تجويع المواطن وتفريغ القوة الشرائية تدريجيا. وكل تدخل يبدو وكأنه حماية، هو في الواقع جزء من نظام اقتصادي وسياسي يحمي مصالح الأقلية على حساب الأغلبية. في هذا السياق، يصبح واضحا أن أزمة الأسعار ليست مجرد مسألة اقتصادية محايدة، بل أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية، وإضعاف قدرة المواطنين على مقاومة السياسات الاقتصادية الجائرة، وإعادة تعريف علاقتهم بالدولة والسوق. المواطن الذي يصفق لتدخل الدولة الظاهري في السوق، لا يدرك أن هذه اللعبة مستمرة وأن جزء من قوته الشرائية قد ابتُلِع بشكل ممنهج. في واقع تونس الراهن، أزمة المعيشة تتجاوز أي تفسير اقتصادي تقليدي. ما يحدث هو صراع حقيقي على الفعل الاقتصادي والسياسي داخل المجتمع، حيث تتحكم الدولة والمؤسسات الاقتصادية في ما يراه المواطن يوميا: الأسعار، توفر السلع، وحتى شروط الحصول عليها. لكن هذه السيطرة لا تأتي ضمن سياسات واضحة أو برامج تنموية، بل تمارس بأسلوب يشبه اللعب بالسلع نفسها، مع غياب أي شفافية. كل تغييب للسلعة الأساسية في السوق يحمل رسالة مزدوجة: أولا، إنه يفرض على المواطن دفع ثمن أعلى، ثانيا، إنه يحرك السوق الموازية، سواء عبر التهريب أو المضاربة، لتكريس ارتفاع الأسعار بشكل يبدو طبيعيا للعيان. غياب السياسة الرسمية ليس نتيجة ارتجال، بل تكتيك مدروس. عندما تخفى سلعة عن الأسواق الرسمية، المواطن يبدأ في الشعور بالنقص، وفي نفس الوقت السوق الموازية تتوسع لتلبية الحاجة، وغالبا بأسعار مضاعفة. هذا الغياب الممنهج يحوّل كل منتج أساسي إلى أداة ضغط نفسي واقتصادي على الطبقات الشعبية، دون أن يضطر المسؤولون إلى إعلان رفع الدعم رسميا حتّى لا تتكرّر انتفاضة الخبز لسنة 1984 . وفي كثير من الأحيان، يكون هذا التغييب نتيجة نقص العملة الصعبة اللازمة لاستيراد المنتجات من الخارج، ما يجعل الدولة غير قادرة على التدخل الفوري لتوفير السلع بأسعار معقولة، ويترك السوق الموازية لتتحكم في مستويات السعر. السوق الموازية هنا ليست مجرد بديل مؤقت، بل أداة استراتيجية. إذ يتم خلق حالة من الاعتماد شبه الإجباري عليها، ما يجعل المواطنين يكتسبون وعيا محدودا بتكاليف الأسعار الحقيقية، ويصبح التهريب والشراء من السوق الرمادية جزء من حياة المواطن اليومية، حتى وإن أدى ذلك إلى استنزاف مدخراته تدريجيا. هذه الممارسات لا تؤثر فقط على القدرة الشرائية، بل تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة: الدولة تظهر وكأنها تحمي السوق، بينما الواقع أنها تتحكم في طريقة معاناة المواطن دون أن يشعر بخداعها، وأنها تترك السوق الموازية تتوسع بما يخدم مصالح اقتصادية وسياسية محددة. من منظور سياسي، كل ارتفاع في الأسعار وكل تغييب للسلعة ليس مجرد حادثة، بل جزء من استراتيجية أكبر لإعادة توزيع السلطة الاقتصادية بين الدولة، فئات الاحتكار، والسوق الموازي. المواطن الذي يشعر بالضغط الاقتصادي اليوم لا يعرف أن ما يراه من ارتفاع الأسعار هو نتيجة متعمدة لتغييب الدعم وتمكين السوق غير الرسمي من السيطرة على الأسعار، بينما الدولة تستفيد من الموقف لتجنب مواجهة مباشرة مع الفئات الاقتصادية الكبرى أو الخروج عن التزامات المديونية. المثير في هذه العملية هو أن غياب العملة الصعبة يضاعف التأثير على حياة المواطنين. عندما تكون الدولة عاجزة عن استيراد السلع الأساسية، تصبح السوق الرسمية محدودة، والاختلاف بين الأسعار الرسمية والموازية يزداد، ما يجعل المواطن محاصرا بين قدرة مالية محدودة وارتفاع مفاجئ للأسعار، دون أي وسيلة لمعرفة السعر العادل الحقيقي. هذا الغياب ليس طبيعيا أو ظرفيا، بل يعكس تركيبا اقتصاديا وسياسيا يعيد ترتيب الأولويات، لصالح من يمتلك القدرة على التحكم بالاستيراد والتوزيع والربح، وعلى حساب الأغلبية الشعبية. الخطورة الأكبر تكمن في أن هذه الممارسات تخلق ديناميكية اجتماعية مستمرة من التبعية والاعتماد على السوق غير الرسمية. المواطن لا يقتصر فقط على دفع أسعار أعلى، بل يصبح جزءًا من النظام نفسه، يشتري من السوق الموازية لأنه لا يجد خيارات أخرى، ما يعزز وجود السوق الرمادي ويجعل أي تدخل مستقبلي محدودا أو رمزيا، بينما الدولة لا تزال تحت ضغط المديونية ونقص العملة الصعبة، وبالتالي غير قادرة على فرض سياسة واضحة أو مستقرة للسوق. في هذا السياق، تصبح أزمة الأسعار ليست مجرد قضية اقتصادية، بل صراع على السيطرة الاجتماعية والسياسية. كل تغيير في توفر السلع، كل حركة في السوق الموازي، وكل تدخل مؤقت من الدولة، هو رسالة غير معلنة للمواطن: القوة الاقتصادية لا توزع بالتساوي، والاعتماد على الدولة لتوفير حياة كريمة هو وهم، بينما السوق الموازية تتوسع كأداة للتحكم في الأسعار والربح غير المعلن. هذه اللعبة تخلق مواطنا مستهلكا، غير قادر على قراءة الواقع بشكل كامل، وخاضعا لسيطرة القوى الاقتصادية الأكبر، مع شعور دائم بالغضب، لكنه غير قادر على التعبير عن أسبابها الجوهرية. في تونس اليوم، المواطن ليس فقط مستنزفا اقتصاديا بفعل ارتفاع الأسعار ورفع الدعم السري، وليس فقط محاصرا سياسيا ونقابيا بسبب التشقق البيروقراطي داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وتلجيمه من الدولة، بل أصبح أيضا مغيبا عن أي تمثيل حزبي سياسي حقيقي. الأحزاب السياسية، خاصة منها التقدمية واليسارية، التي كان من المفترض أن تكون خط الدفاع عن المواطن العادي وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية، غابت تمامًا عن ساحات الاحتجاج. لم نرها ترفع صوتها حول قفّة المواطن، ولم نرها تواجه الغلاء المعيشي أو تضغط من أجل حماية القدرة الشرائية. بدل ذلك، غرقت هذه الأحزاب كليا في محاور نضال لا تمس المواطن مباشرة، ولا تتعلق بخبزه اليومي أو حاجاته الأساسية. هذا الواقع يجعل المواطن في عزلة كاملة: لا نقابة تحميه، ولا أحزاب سياسية تقف إلى جانبه، ولا أي آلية دولة توفر له حماية حقيقية. الاتحاد، ممزقا بين جناحه البيروقراطي والضغوط الخارجية من السلطة، عاجز عن اتخاذ مواقف جريئة، والأحزاب التقدمية واليسارية مشغولة بصراعاتها الداخلية أو سياساتها الأفقية التي لا تعالج الأزمة اليومية للمواطن. كل محاولة للضغط على الدولة من أجل رفع الأجور أو تثبيت الأسعار تصطدم بجدار نقابي ضعيف وسياسي غير موجود، مما يجعل المواطن بلا أي قوة دفاعية أو ممثل فعلي. النتيجة واضحة: المواطن اليوم يعيش غربة مزدوجة. غربة اقتصادية، حيث ترتفع الأسعار بشكل مستمر وترفع الدعم تدريجيا، وغربة سياسية ونقابية، حيث أي صوت محتمل يخنق أو يتجاهل، والاتحاد لا يستطيع التحرك بحرية، والأحزاب السياسية التقدمية واليسارية غير موجودة على أرض الواقع لتتدخل أو تواجه السياسات الاقتصادية الظالمة. المواطن يكتشف أن المطالبة بحقوقه الأساسية مثل حماية قوته الشرائية أو رفع أجره اليومي تصطدم بسقف صمت مؤسساتي كامل، وأن أي محاولة للتنظيم أو الاحتجاج لا تجد من يمثلها أو يدعمها فعليا. هذا المشهد يعكس أزمة تمثيل كاملة: المواطن لا يجد من يرفع صوته نيابة عنه، النقابات عاجزة، الأحزاب السياسية غير مهتمة بما يمسه مباشرة، والدولة تترك السوق يتحكم فيه الاحتكار والسوق الموازية. المواطن يصبح مستنزفا من كل جهة: من الأسعار المتصاعدة، من ضعف النقابات، ومن غياب أي فعل سياسي حقيقي للأحزاب التقدمية واليسارية، التي يبدو أنها فقدت البوصلة حول ما يمس المواطن يوميا. في نهاية المطاف، هذه الأزمة ليست فقط اقتصادية أو تضخمية، بل أزمة تمثيل كاملة لكل ما يتعلق بحقوق المواطن الأساسية: القدرة الشرائية، أسعار السلع الأساسية، أجره اليومي، وحتى أي مساحة للاحتجاج أو التعبير عن غضبه. المواطن اليوم بلا درع يقيه، بلا أي قناة فعالة تمثل مصالحه، ويعيش في ساحة مفتوحة لقوى اقتصادية وسياسية تتحكم في حياته اليومية وتبتلع قوته تدريجيا، بينما من يفترض أن يكون خط الدفاع عنه ، النقابات والأحزاب التقدمية واليسارية ، مغيّب تماما عن الفعل الحقيقي، وكل حديث عن احتجاج أو رفع صوت المواطن يبقى مجرد شعارات بلا أي وزن على أرض الواقع. في تونس اليوم، ما يعيشه المواطن ليس مجرد أزمة أسعار أو تضخم اقتصادي، بل حالة هيمنة مزدوجة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين السيطرة السياسية، والضغط الاقتصادي، والتحكم الاجتماعي. المواطن لم يعد لديه مجرد نقص في القدرة الشرائية، بل حصار شامل على كل مستويات حياته اليومية: غذائه، دخله، حقه في الاحتجاج، وحقه في التمثيل النقابي والسياسي. هذا الحصار ليس عشوائيًا، بل نتيجة تلازم مجموعة من العوامل المتشابكة التي تعمل معا لإضعاف المواطن وإفراغ أي قدرة على المقاومة أو التعبير عن الغضب. أول هذه العوامل هو الضغط الاقتصادي المبرمج. الدولة، تحت وطأة المديونية وغياب السيولة أو العملة الصعبة، تترك السلع الأساسية تتغيّب أو تطرح في السوق بشكل محدود، مما يرفع الأسعار ويخلق فجوة بين العرض والطلب. السوق الموازية تتوسع لتملأ الفراغ، وتصبح أسعارها معيارا شبه جديد للمعيشة، بينما المواطن يظل عاجزا عن مجاراة هذه الأسعار أو فهم السبب الحقيقي وراءها. ثانيا، هناك الإضعاف الممنهج للعمل النقابي، خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يعاني صراعات داخلية عميقة بين جناحه البيروقراطي وأجنحة أكثر ارتباطا بالقاعدة الشعبية. هذه الصراعات لا تسمح باتخاذ أي موقف واضح تجاه المطالب الاجتماعية العاجلة، كما أن الدولة تعمل على تلجيمه وإغلاق أي باب للحوار الاجتماعي الحقيقي حول رفع الأجور أو حماية القدرة الشرائية. المواطن يكتشف أن النقابة التي كانت حائط صد له أصبحت اليوم مقسمّة، مضغوطة، غير قادرة على التحرك، وغير مستقلة عن السلطة. ثالثا، هناك غياب كامل لأي فعل حزبي حقيقي. الأحزاب السياسية، خاصة التقدمية واليسارية، التي يفترض أن تكون من أدوات ضغط المواطن على السلطة، غرقت كليا في صراعاتها الداخلية ومحاور نضالية لا تمس المواطن في قوته اليومية أو قدرته على العيش الكريم. المواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار بلا حماية، بلا نقابة قادرة على الدفاع عنه، يجد نفسه أيضا أمام أحزاب مشغولة بنفسها، لا تهتم بخبزه أو بحاجاته الأساسية، ولا ترفع صوته لأي تعديل حقيقي في الأجور أو الأسعار. رابعًا، هناك آلية مزدوجة لإخفاء الحقيقة عن المواطن. رفع الدعم السري أو تغييب السلع ليس مجرد حدث اقتصادي، بل أداة للضغط النفسي والسياسي. المواطن يكتشف فجأة أن سعر سلعة أساسية ارتفع، ولا يعرف سبب الغياب أو التغيير، ولا يجد من يفسر له الواقع: النقابات عاجزة، الأحزاب صامتة، والدولة تتحرك بطريقة مخططة لإدارة غضبه بدون معالجة جذور المشكلة. السوق الموازية، هنا، تصبح مرآة لهذه اللعبة، حيث يُجبر المواطن على دفع أكثر مقابل ما يحتاجه، بينما يظل تحت وهم تدخل الدولة المؤقت أو الرقابة الشكلية. النتيجة أن المواطن اليوم يعيش اغترابا كاملا من كل جهة: اغتراب اقتصادي لأنه لا يستطيع تلبية حاجاته الأساسية، اغتراب نقابي لأنه لا يجد أي حماية من الاتحاد المفكك داخليا والمخنوق خارجيا، واغتراب سياسي لأنه لا يرى أي حزب تقدمي أو يساري يتدخل لحمايته أو لرفع صوته. كل هذه العوامل تجعل المواطن خاضعا بشكل كامل للعبة قذرة بين الأسعار، الدعم، السوق الموازية، وصمت المؤسسات النقابية والسياسية، ويفقد تدريجيا أي إحساس بالقدرة على التأثير أو حماية نفسه. ما يعيشه المواطن اليوم ليس أزمة معيشية فحسب، بل أزمة تمثيل كاملة على كل المستويات. كل خطوة في الأسعار، كل رفع خفي للدعم، وكل تحرك من السوق الموازية، يقابله صمت من كل المؤسسات المفترضة أن تمثل الشعب. المواطن الذي يشعر بالغضب واليأس أمام فاتورة المعيشة اليومية، يدرك أن أي احتجاج فردي أو جماعي سيصطدم بحائط نقابي عاجز أو حزب سياسي غائب أو مشغول بذاته. هذا الواقع يخلق حالة من الاستسلام الممنهج، حيث المواطن مضطر للعيش في دائرة ابتلاع تدريجي لقوته الشرائية وصمت إجبارية على أي فعل احتجاجي أو رفض للواقع الاقتصادي المفروض عليه. الطبقية في هذه اللعبة واضحة: الفئات التي تتحكم في السوق، الدولة التي تتقيد بالديون والضغوط الخارجية، والنقابات والأحزاب التي فقدت دورها التاريخي، كلها تعمل معا على تفريغ المواطن من أي قدرة على المقاومة أو التعبير عن غضبه اليومي. المواطن العادي، الذي يفترض أن يكون محور كل سياسات الدولة والاتحاد والأحزاب، أصبح اليوم مستهدفا ومحروما من أي فعل جماعي أو تمثيل حقيقي، معرضا بالكامل لتقلبات الأسعار، لإضعاف القوة الشرائية، ولصمت سياسي ونقابي شبه كامل. في أفق السنوات القادمة، تونس تواجه مرحلة حاسمة في صراعها بين المواطن والسلطة، بين الحاجة اليومية وبين مصالح النخب، بين القدرة الشرائية وبين السيطرة على السوق. المواطن اليوم ليس مجرد مستهلك، بل موضوع معركة مركبة على كل المستويات: اقتصاديا، اجتماعيا، سياسيا ونقابيا. كل يوم يمر، يزداد شعور الأغلبية الشعبية بأنها محاصرة داخل شبكة من السياسات الممنهجة، التي تهدف إلى استنزاف قوتها وإفراغ أي قدرة على التمثيل أو الفعل. المديونية التي تلتهم ميزانية الدولة، رفع الدعم السري الذي ينهش القدرة الشرائية، تغييب السلع الأساسية عن السوق، والتوسع المستمر للسوق الموازية، كلها عوامل تشكل واقعا لا يمكن تجاوزه إلا من خلال وعي جماعي مستمر. لكن الأزمة ليست اقتصادية فقط. النقابات، التي كان من المفترض أن تكون الدرع الأول للمواطن، ممزقة داخليا بين جناح بيروقراطي وجناح شعبي، تحت ضغط الدولة والبيروقراطية، ما جعلها عاجزة عن مواجهة السياسات الاقتصادية الظالمة أو حماية القدرة الشرائية. الاتحاد العام التونسي للشغل، في قلب هذا المشهد، يعكس تصدعا داخليا كاملا، حيث تتحكم الخلافات بين الأجنحة المختلفة في كل قرار، وتصبح أي محاولة للدفاع عن المواطن مجرد خطاب شكلي، بلا قوة فعلية على الأرض. المواطن الذي كان يجد في الاتحاد قوة حماية أصبح اليوم في مواجهة مباشرة مع السوق، الأسعار، وغياب أي تمثيل حقيقي. في الوقت نفسه، الأحزاب السياسية، خاصة منها التقدمية واليسارية، تغرق في محاور نضالية لا تتعلق بالمواطن اليومي أو خبزه اليومي. المواطن لا يجد أي صوت يرفع صوته نيابة عنه، أي ضغط سياسي أو احتجاجي، أو أي تحرك جماعي حقيقي لمواجهة غلاء الأسعار، كل ذلك مفقود تماما على الأرض. هذه الأحزاب التي يفترض بها أن تكون رافعة للضغط على الدولة، وتقوم بحماية المجتمع من سياسات رفع الدعم أو التضخم المستمر، تتجاهل الواقع المعيشي اليومي للمواطن وتغرق في صراعاتها الداخلية. التداعيات واضحة على كل المستويات. على المستوى الاجتماعي، المواطن يعيش اغترابا مزدوجا: اغتراب اقتصادي بسبب فقدان القدرة على تلبية احتياجاته الأساسية، واغتراب سياسي ونقابي بسبب ضعف المؤسسات التي يفترض أن تحميه. على المستوى الاقتصادي، كل رفع للأسعار أو تغييب للسلع يصبح أداة ضغط، تؤدي إلى إعادة توزيع القوة الاقتصادية لصالح فئات محددة تتحكم في السوق والمضاربة، بينما المواطن يظل عاجزا عن التفاعل مع هذا الواقع. على المستوى السياسي، ضعف الاتحاد العام التونسي للشغل وصمت الأحزاب التقدمية واليسارية يجعل أي احتجاج أو حركة جماعية شبه معدومة التأثير، ويزيد من إحساس المواطن بالعجز والخيبة. في هذه اللحظة، كل جوانب الحياة اليومية للمواطن تصبح تحت سيطرة القوى الأكبر. الأسواق الموازية تتحكم بالأسعار، الدولة تتحكم بسياسات الدعم والتموين، النقابات البيروقراطية لا تحمي، والأحزاب التقدمية واليسارية لا تهتم. المواطن في هذه المعادلة مستنزف بالكامل، عاجز عن حماية قوته الشرائية، وعاجز عن رفع صوته أو ممارسة أي فعل جماعي. هذه هي طبيعة اللعبة التي تُدار بشكل ممنهج: المواطن يصبح تابعا، يتلقى كل التغييرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ويعيش تحت وهم الحماية، بينما كل أدوات الحماية التقليدية خالية من القوة الفعلية. في هذا السياق، يصبح وعي المواطن هو النقطة الوحيدة الممكنة للتحرر من هذه السيطرة المزدوجة. الوعي ليس مجرد إدراك أن الأسعار ترتفع أو أن الدعم السري يرفع تدريجيا، بل فهم كامل للعبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية: كيف تتحكم الدولة في الأسعار، كيف تعمل السوق الموازية، كيف يتم إضعاف الاتحاد العام التونسي للشغل، كيف تغيب الأحزاب التقدمية واليسارية، وكيف يترك المواطن بلا أي درع أو صوت. الوعي هنا هو شرارة الثورة الحقيقية، التي لا تقتصر على الغضب أو الاحتجاج الفردي، بل تمتد إلى إدراك النظام بأكمله الذي يحاصر المواطن ويبتلع قوته اليومية تدريجيا. كلما ازداد وعي المواطن بهذه القوى، كلما أصبح قادرا على تمييز بين التدخلات الشكلية والدفاع الحقيقي عن مصالحه. التدخلات المؤقتة التي تعيد طرح السلع بأسعار أقل من السوق الموازية، أو أي تصريحات رسمية حول حماية القدرة الشرائية، هي جزء من اللعبة نفسها، لا تحمي المواطن بل تخدعه لتصبح السياسة الاقتصادية أكثر قابلية للتمرير. المواطن حين يفهم ذلك، يصبح مصدر قوة ليس بالضرورة في الأسعار نفسها، بل في رفض الخضوع للنظام بأكمله الذي يفرغ حياته اليومية من أي حماية حقيقية. في المستقبل، الثورة الحقيقية لن تكون مجرد تصعيد شعبي ضد الأسعار أو التضخم، بل إدراك شامل للآليات التي تتحكم في السوق والنقابات والسياسة، وفهم أن كل جزء من حياة المواطن اليومية يمكن أن يكون ساحة صراع إذا لم يفهم السياق بالكامل. الثورة هنا، هي وعي مستمر، رفض مستمر، وتحرك مستمر لمواجهة كل عناصر الاستنزاف والتبعية، مهما كانت صيغتها اليومية أو الرمزية، فهي تبدأ من فهم أن المواطن هو محور كل القوى، وأن أي غياب للتمثيل الحقيقي هو استمرار لابتلاعه يوميا. وبهذا المعنى، تصبح الثورة حالة دائمة من اليقظة والرفض والوعي، لا تقتصر على لحظة غضب واحدة، ولا على رفع صوت احتجاجي عابر، بل على القدرة على قراءة اللعبة بالكامل، على كشف المناورات الاقتصادية والسياسية، وعلى رفض كل محاولة لإفراغ المواطن من محتواه اليومي والقوة الشرائية والتمثيل الاجتماعي والسياسي. الثورة بهذا المعنى ليست شعارا على الجدران، ولا بيانات إعلامية، بل فعل مستمر، ووعي دائم، ومقاومة متواصلة لكل ما يحاول ابتلاع الحياة اليومية للمواطن أو تحييد أي صوت يمكنه الدفاع عنها. وهكذا، يصبح المواطن قوة قائمة بذاتها، ليس فقط في القدرة على مواجهة الأسعار أو رفع الأجور، بل في تحويل كل تجربة يومية من قهر وضعف واستنزاف إلى وعي وثورة مستمرة ضد كل أشكال الهيمنة والسيطرة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. الثورة تبدأ من الفهم، تستمر بالرفض، وتستمر بالمقاومة اليومية، لتكون في النهاية ضمانة حقيقية لاسترجاع حياة المواطن، وحماية قوته الشرائية، واستعادة دوره كفاعل اجتماعي وسياسي لا يمكن ابتلاعه أو تهميشه مهما تعقدت الأزمة.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل
...
-
جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
-
اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء
...
-
من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
-
السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو
...
-
الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ
...
-
الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا
...
-
الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم
...
-
من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
-
الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في
...
-
مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال
...
-
الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
-
أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
-
اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
-
الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار
...
-
دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
-
الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم
...
-
الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
-
الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط
...
المزيد.....
-
ماذا نعرف عن الجزر السرية التي تقف وراء الخلاف بين الولايات
...
-
-سمّ نادر من الضفادع-.. خمس دول أوروبية تتهم موسكو بتسميم أل
...
-
من -كسر الأنياب- مع حزب الله إلى -صفر تهديد- في إيران.. هل ت
...
-
مؤتمر ميونيخ ـ فاديفول يرحب بخطاب روبيو ويرفض -النصائح- الخا
...
-
قمة الاتحاد الأفريقي: هل تنجح المنظمة في حل ملفات أمنية وسيا
...
-
مصر - حافظ الميرازي: أنا كنت في الصف الرافض لكامب ديفيد، وال
...
-
وزير الخارجية الإسرائيلي سيشارك في أول اجتماع لمجلس السلام ب
...
-
الاحتلال يحول حلم لاعب باركور في غزة إلى معركة للبقاء
-
-العالم تغير-.. رئيسة لجنة الدفاع بالبرلمان الأوروبي تدعو لب
...
-
رويترز: الجيش الأمريكي يستعد لاحتمال تنفيذ عمليات مطولة ضد إ
...
المزيد.....
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
المزيد.....
|